الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الهزيمة في أفغانستان أو العجز عن فهم الحقيقة(1/2)

الهزيمة في أفغانستان أو العجز عن فهم الحقيقة(1/2)

11 سنة من الجري وراء السراب: الأميركيون عجزوا عن فهم الشعب الأفغاني وتصورا أن المال يمكن يغير عمق ثقافة شعب وإرثه الحضاري.

خلال شهر سبتمبر 2012 أعلن في العاصمة الأميركية واشنطن أن تعزيزات قوامها 33 ألف جندي أميركي، أمر الرئيس باراك اوباما بنشرهم قبل ثلاث سنوات، اتمت انسحابها من أفغانستان، على ان تليها باقي قوة الحلف الأطلسي البالغ عديدها 112 الف جندي بنهاية 2014.

عندما أعلن الرئيس أوباما سنة 2009 إرسال هذه التعزيزات، بشر أنصاره بأن هذه الخطوة ستضمن النصر وستمكن الولايات المتحدة من الخروج من الصراع مرفوعة الرأس، ولكن مع إتمام إنسحاب التعزيزات لم يجرؤ أحد في البيت الأبيض في الحديث عن النصر، وتغير مفهوم الاحاديث التي تحدد الأهداف العسكرية، حيث لم يعد الامر يتعلق بـ”كسب” الحرب وانما مساعدة الافغان، أي 352 الف جندي وشرطي دربتهم قوات التحالف، على محاربة التمرد الذي تخوضه طالبان بانفسهم بعد انتهاء مهمة الأطلسي.

في نفس التوقيت زادت التوقعات الصادرة عن مراكز دراسات ومؤسسات رسمية بأن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وحلفائها في أفغانستان منذ نهاية سنة 2001 ستنتهي بهزيمتهم.

عدد من المحللين قدروا أن نهاية الحرب في أفغانستان ستكون مشابهة لما حدث في جنوب فيتنام، عندما أجبر ثوار “الفيت كونغ” حسب التسمية الغربية الولايات المتحدة في سنة 1975 على إجلاء آخر جنودها وموظفيها وعملائها على عجل بالطائرات العمودية من سطح سفارتها في سايغون في مشهد كسر أسطورة القوة العظمى التي لا تقهر.

بانتظار طالبان

يوم الخميس 27 سبتمبر 2012 أكد تقرير صادر عن مؤسسة كارنيغي للسلام ان مقاتلي طالبان سيعودون على الأرجح الى الحكم في أفغانستان بعد انسحاب قوات الأطلسي من البلاد عام 2014 لأن الحكومة الأفغانية الموالية للغرب ستعجز عن مقاومتهم اقتصاديا وعسكريا.

وأكد التقرير الصادر بعنوان “بانتظار طالبان في افغانستان” والذي اعده الباحث الفرنسي المتخصص في الشؤون الافغانية جيل دورونسورو ان “النظام الافغاني سينهار حتما خلال بضعة اعوام” إن لم يكن أشهر. واضاف “بعد 2014 سيكون مستوى الدعم الاميركي للنظام الافغاني محدودا. وبعد مرحلة جديدة من الحرب الاهلية، يتوقع ان يعقب ذلك نصر لطالبان”.

واعتبر دورونسورو “أن النظام الراهن في كابل هو أقل استعدادا للصمود في وجه التحديات التي تفرضها “طالبان” من الحكومة الشيوعية التي صمدت طوال ثلاث سنوات في وجه المجاهدين بعد الانسحاب السوفياتي في عام 1989.

وكتب قائلا: “هناك اختلافان كبيران: أولا، لا يتمتع النظام الراهن بالتماسك الإيديولوجي والاجتماعي الذي كان يتمتع به النظام الشيوعي، كما أنه لم يثبت قدرته على الصمود عسكريا في أية مناسبة. ثانيا، تشكل طالبان حركة موحدة تقل الانقسامات فيها، بينما كان التقاتل الداخلي سيد الموقف بين المجاهدين خلال التسعينات”.

ووفق التقرير، فإن الانقسام السياسي، سواء نجم عن ظهور ميليشيات أو نشوء مخابئ آمنة في الشمال، يهدد باندلاع حرب أهلية طويلة قد تحتدم بفعل المنافسة بين القوى الإقليمية.

وقدر التقرير المؤلف من 23 صفحة ان انسحاب قوات الائتلاف التي طردت طالبان من الحكم في نوفمبر 2001 ” سيترجم تلقائيا بتقدم لطالبان، خصوصا في شرق البلاد وجنوبها”.

وتابع “في أحسن الاحوال، ستتمكن الحكومة الافغانية من ضمان أمن المدن والمناطق القليلة المؤيدة لها. إلا أنها ستفقد السيطرة على المناطق الريفية التي يقطنها الباشتون والولايات المحاذية لباكستان، من دون أي أفق لاستعادة السيطرة الميدانية” بسبب ضعف التدريب والموارد غير الكافية في صفوف القوى الأمنية.

وبحلول العام 2014 ستعاني السلطات الافغانية ازمة ثلاثية: اقتصادية – مع تراجع المساعدة الغربية، ومؤسساتية – وسط مخاوف ازاء امكان عدم اجراء الانتخابات الرئاسية، واخيرا عسكرية، وفق التقرير الذي يتوقع “انهيارا للنظام”.

وعرض الباحث الفرنسي في تقريره سيناريو سيتمكن خلاله مقاتلو طالبان مدعومين بعدد أكبر من المقاتلين من مضاعفة نجاحاتهم العسكرية على المستوى المحلي ثم على صعيد الولايات وصولا حتى استعادة الحكم في كابل.

ورأى أن هذه التطورات نتيجة لما اعتبره “الاستراتيجية الفاشلة” للحلف الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة والذي “سيخلف وراءه وضعا اسوأ مما كان عليه عام 2001 في بعض النواحي”. إلا أن هذا الرأي لا يشاطره اياه المحللون السياسيون والعسكريون في الحلف الذين يؤكدون ان القوات الأفغانية ستكون قوية بما يكفي لمواجهة المتمردين.

وعلى الرغم من انتشار اكثر من 160 الف جندي في أوج فترة وجوده في البلاد، لم يتمكن الحلف الاطلسي يوما من انهاء ثورة طالبان.

تحذير مجموعة الازمات الدولية

بعد أيام قليلة من نشر تقرير معهد كارنيغي، حذرت مجموعة الازمات الدولية في تقرير لها يوم الاثنين 8 أكتوبر 2012 من ان الحكومة الافغانية قد تنهار بعد انسحاب قوات الحلف الاطلسي خاصة اذا شهدت الانتخابات الرئاسية التي ستجري في ذلك العام عمليات تزوير.

وقال كانديس روندو المختص في الشؤون الافغانية في المجموعة التي مقرها بروكسل “يوجد خطر حقيقي من ان ينهار النظام في كابول عند انسحاب قوات الحلف الاطلسي”.

وأفاد التقرير وهو بعنوان “افغانستان الطريق الطويل والصعب الى الانتقال في العام 2014” ان افغانستان تتجه نحو انتخابات مزورة اخرى بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي سادتها الفوضى في 2009 و2010.

وأكد التقرير أن تكرار ما حدث في تلك الانتخابات يقوض الأمل الضئيل المتبقي لتحقيق الاستقرار في البلاد بعد ان تنتقل المسؤولية الكاملة عن الأمن من قوات الحلف الاطلسي إلى الحكومة الافغانية.

وذكر روندو ان “الجيش والشرطة الافغانيين غير مستعدين لعملية الانتقال وأية انتخابات فاشلة واضطرابات قد تنجم عنها قد تدفع بالبلاد إلى نقطة الانهيار”. وأضاف أن حكومة الرئيس حميد كرزاي المدعومة من الغرب والبرلمان اخفقا في اتخاذ أية خطوات جديدة باتجاه الاعداد لانتخابات نزيهة.

وأفاد التقرير ان “كرزاي يبدو مهتما باطالة فترة بقائه في السلطة بأية طريقة، أكثر من اهتمامه بضمان مصداقية النظام السياسية والاستقرار الطويل الأمد في البلاد”.

وينص الدستور على تنحي الرئيس بنهاية فترة ولايته الثانية في 2014. وصرح كرزاي مرارا انه سيتنحى في ذلك التاريخ، ولكن هناك مخاوف من ان يحاول التلاعب بالانتخابات لضمان انتخاب أحد حلفائه.

واشار روندو الى ان “الخطر يكمن في اهم اولويات كرزاي وهي الاحتفاظ بالسيطرة، سواء بشكل مباشر او من خلال حليف يثق به”.

واضاف: “قد يتمكن هو وعدد من الاعضاء البارزين من النخبة من تشكيل تحالف واسع موقت، ولكن من المرجح ان تتحول المنافسة السياسية إلى العنف بعد انسحاب الحلف الاطلسي”.

وأفاد التقرير انه لا يمكن استبعاد احتمال ان يعلن كرزاي حالة الطوارئ لتمديد فترة حكمه، وهو ما يمكن ان يسرع في انهيار الدولة وقد يؤدي إلى حرب اهلية.

وقال كانداس روندو “اعتقد ان انهيار الحكومة ليس سوى مسألة وقت. هذا مؤكد”، مضيفا “من سيحكم كابل في 2014 و2015 هما الفوضى والعنف”.

ويشدد المحلل على ان “الانهيار الذي شهدناه في التسعينيات سيكون اسوأ هذه المرة نظرا لوجود المزيد من الاسلحة في البلد وقدر أكبر من الدوافع للقيام بفظائع أكثر مما شاهدنا من قبل”.

وذكر روندو: “اذا حدث ذلك، فان فرص وقف هذا المسار على المدى القصير ستكون قليلة. وسيكون ضمان السلام في افغانستان املا بعيدا جدا في أحسن الأحوال”.

وينتقد روندو توقعات قوات الحلف الاطلسي والحكومات الغربية بشأن قدرة القوات الافغانية على الدفاع عن النظام القائم في كابل بعد 2014.

ويؤكد ان هذه المزاعم “غير واقعية على الاطلاق”، ملمحا إلى أن الجنود الذين غالبا ما هم أميون ودون مستوى جيد من التدريب “يفتقرون إلى الدعم الجوي والقدرات اللوجستية والتماسك الحقيقي”.

وقد اثبت حركة طالبان مهارتها في التكتيك، فهي وان خسرت مناطق في الجنوب خلال ذروة الهجمات الأميركية فقد عمدت الى التخلص مسؤولين كبار من أنصار “الناتو” وشنت هجمات على اهداف مهمة اذلت اعداءها ومكنتها من اختراق قوات الأمن الافغانية.

فخلال شهر سبتمبر 2012، على سبيل المثال، هاجم مسلحون من طالبان احدى أكبر قواعد حلف الاطلسي في افغانستان ودمروا ست طائرات مقاتلة في أكبر خسارة مادية يتكبدها سلاح الجو الاميركي في هجوم واحد منذ حرب فيتنام.

ويذكر أن أحد اهداف ارسال تعزيزات اميركية سنة 2009 كان ممارسة ضغط كبير على طالبان يدفعها الى الجلوس الى طاولة المفاوضات. لكن الثوار اوقفوا اتصالات مبكرة في مارس 2012 واتهموا الولايات المتحدة بتغيير موقفها باستمرار.

وذكرت صحيفة “نيويورك تايمز” في شهر اكتوبر ان مسؤولين اميركيين عسكريين ومدنيين لم يستبعدوا نهائيا احتمال التوصل الى اتفاق سلام مع طالبان ولم يذكروا شيئا عن مشاركة حكومة كرزاي.

وإذا كان وزير الخارجية الافغاني زلماي رسول قد أكد في واشنطن يوم الاربعاء 3 أكتوبر مضي الحكومة “بقوة” في عملية السلام مع طالبان، فإن هؤلاء يرفضون دائما مفاوضات مباشرة مع ما يصفونه بالنظام “الدمية”.

وتعهدت وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون بعد لقاء رسول بأن تقف الولايات المتحدة إلى جانب افغانستان “رغم التحديات”. وذكرت بما سمته “بالتضحية” التي قدمها أكثر من 2000 جندي اميركي قتلوا في افغانستان، داعية في الوقت عينه إلى بقاء البلدين “شريكين يتطلعان نحو المستقبل”.

يشار إلى أن التعزيزات للقوات الاميركية لم تنجح اطلاقا في وقف الدعم في باكستان للمجموعات المتمردة مما يعني بحسب روندو ان “لا شيء تغير استراتيجيا”. وباكستان التي خسرت جنودا على أيدي حركات متطرفة لديها يفوق عددهم ما خسرته القوات الاميركية في افغانستان، متهمة على نطاق واسع بمواصلة دعم طالبان الافغانية التي تحظى بملاذات آمنة على الاراضي الباكستانية.

لكن البعض في اسلام اباد وهم في غالبهم من معارضي دعم طالبان الافغانية يتحدثون عن مخاوف من ان الانسحاب الاميركي سيتسبب في امتداد العنف الى باكستان، بحسب المحلل السياسي حسن عسكري. حيث قال “طالبان قد لا تنجح كليا في الاطاحة بالحكومة في كابل لكن يمكنها ان تجعل الحياة بائسة وفي بعض الحالات… يكون للحكومة الافغانية نفوذ محدود”.

ورغم ان باكستان كانت من الداعمين المتحمسين لنظام طالبان في الفترة 1996-2001، الا ان علاقاتها بالحركة المتشددة منذ ذلك الحين لم تكن في أفضل حالاتها حسب بعض الأوساط، في حين تقول مصادر استخبارية أميركية أن الأمر لم يكن أكثر من تمويه وتضليل لواشنطن.

وذكر عسكري “الارهاب سيستمر، لذا اعتقد ان المسألة محيرة لباكستان وشخصيا لا ارى باكستان في وضع يسمح لها بادارة هذا النوع من المجموعات المتمركزة في باكستان، او وقف الحركة عبر الحدود”.

وتقول مصادر رصد في باكستان أن جزء كبيرا من الحركات المتطرفة في شمال باكستان والتي تهاجم جيشها تحركها المخابرات المركزية الأميركية في محاولة لنسف علاقة باكستان مع طالبان أفغانستان.

في افغانستان، زاد تشوه صورة الولايات المتحدة في اذهان المواطنين خاصة سنة 2012،

وسجل عدد غير مسبوق من حواث اطلاق النار من قبل قوات أفغانية على من يعتبرون نظريا حلفائهم الغربيين، مما ادى الى مقتل 51 جنديا من قوة الاطلسي عام 2012.

وترفض الادارة الاميركية هذه التحليلات لكن مظاهر الاحتفالات مع انهاء سحب التعزيزات غابت وقد فقدت هذه الحرب شعبيتها لدرجة ان كلا من اوباما ومنافسه في الانتخابات الرئاسية ميت رومني بالكاد يأتيان على ذكرها.

المشهد حسب اجهزة الاستخبارات الاميركية

قبل صدور هذين التقريرين بعدة أشهر، ذكرت صحيفة لوس انجليس تايمز الأميركية يوم الخميس 12 يناير 2012 ان اجهزة الاستخبارات الاميركية ترسم مشهدا قاتما للوضع في افغانستان في تقرير سري يناقض مضمونه الخطاب الرسمي الأكثر تفاؤلا لوزارة الدفاع “البنتاغون”.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين اميركيين اطلعوا على التقرير رافضين كشف هوياتهم، ان التقرير الذي سلم للبيت الابيض في ديسمبر 2011 يفيد ان التقدم الذي احرزته قوات الاطلسي في افغانستان على الارض “يضعفه فساد كبير وحكومة افغانية غير كفؤة والهجمات التي تشنها حركة طالبان من باكستان المجاورة”.

واضاف المصدر نفسه ان هذا التقرير الذي يقع في اكثر من مئة صفحة والذي اعدته وكالة الاستخبارات المركزية “سي آي ايه” و15 وكالة استخباراتية اخرى، يشكك في بقاء الحكومة المركزية الافغانية اذا طبقت الولايات المتحدة استراتيجية الانسحاب ونقل المسؤوليات الأمنية الى القوات المحلية بحلول العام 2014.

وتابعت الصحيفة ان هذه الخلاصات التي تتناقض والخطاب الرسمي للبنتاغون والبيت الابيض، رفضها المسؤولون العسكريون الاميركيون المكلفون بالعمليات في افغانستان.

وفي اتصال أجرته وكالة فرانس برس، رفضت وزارة الدفاع والرئاسة التعليق على مضمون التقرير.

يذكر أنه في منتصف ديسمبر 2011، أكد وزير الدفاع ليون بانيتا خلال زيارة لافغانستان أن الولايات المتحدة “تسلك الاتجاه السليم وستنتصر في النزاع” في هذا البلد.

وكان تقرير للبنتاغون قد افاد بدوره ان اعمال العنف في افغانستان تراجعت في 2011 للمرة الاولى في خمسة اعوام مقارنة بالعام 2010، الأمر الذي شككت فيه الأمم المتحدة وخبراء.

يتبع …..

—————

ميدل ايست أونلاين

-- عمر نجيب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*