الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ملالا يوسف زاي وحركة طالبان

ملالا يوسف زاي وحركة طالبان

صعد مسلح طالباني على متن الحافلة التي تستقلها ملالا يوسف زاي قبل يومين، ثم أطلق النار عليها، فأصابها في رأسها وعنقها، كما تسبب في جرح طفلتين أخريين أيضا، قبل أن يلوذ بالفرار. ولم تصدم أنباء هذه الواقعة الشعب الباكستاني فحسب، بل صدمت العالم بأسره.

تخيل رجلا مسلحا طويل اللحية ويرتدي عمامة، ويزعم أنه مسلم حق ومناصر حق للإسلام، ومع ذلك يقدم على استهداف فتاة بريئة لم تتجاوز الـ14 ربيعا من عمرها، تجلس بين صديقاتها، ويطلق النار على رأسها. فهل الإسلام يأمر بقتل فتاة بريئة؟ هل هذا إسلام؟ كما نعلم للأسف، فقد ظهرت هذه الأيام كلمة جديدة لوصف الإرهابيين وهي كلمة «الإسلاميين»، وهذا التصور يرى أن الإسلام هو الإرهاب، وأن حركة طالبان دليل على هذا الزعم.

وقد كانت ملالا فتاة محظوظة، لأن وسائل الإعلام قدمت تغطية واسعة لقصة اغتيالها المأساوية. وقد شاهدت مقطع فيديو على الموقع الإلكتروني لصحيفة «سوات» اليومية يصورها وهي تتحدث عن أفكارها وأحلامها وهدفها الرئيسي، وهي ترقد حاليا داخل مستشفى الملكة إليزابيث في برمنغهام. والله وحده يعلم كم من الفتيات قتلتهن حركة طالبان في أفغانستان وباكستان بسبب تلك الآيديولوجية المتطرفة التي يعتنقونها، وهي الآيديولوجية الطالبانية التي تعتمد قراءة غريبة للإسلام، فنحن في عقيدتنا الإسلامية نؤمن بأن حياة إنسان واحد تعدل في قيمتها حياة الناس أجمعين: «مَنْ قَتَلَ نفسا بِغَيْرِ نفس أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيْعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيْعًا» (المائدة: 32).

هكذا هو قرآننا، وهكذا يحدد قيمة الحياة البشرية. وقد قتل الكثير من الناس في الظلام وفي صمت، ونحن لا نعرف حتى أسماءهم، وبالتالي فقد صارت ملالا يوسف زاي مثالا استثنائيا لجميع المسلمين كي يفكروا في الجوانب المختلفة للآيديولوجية الطالبانية. ومن الأهمية بمكان عند هذه النقطة أن يبادر جميع القادة والمشايخ والمفكرين الدينيين – خاصة في السعودية ومصر وإيران – إلى شجب واستنكار ذلك المنهج والبحث في جذور هذه الآيديولوجية.

وكما حدث في حالة النازيين والمحاربين اليابانيين، فهناك استعلاء عنصري وآيديولوجي لدى أتباع حركة طالبان، الذين هم متطرفون يستغلون الإسلام كذريعة، وهم يؤمنون بأنهم يتحملون مسؤولية صريحة تتمثل في إخضاع العالم بأكمله لسطوة وهيمنة فكرتهم المفضلة عن الإسلام. وكما أفسد النازيون مصطلح الاشتراكية واختزلوه في الاشتراكية الوطنية، فإن عناصر تنظيم القاعدة وحركة طالبان قد حطوا من شأن الإسلام واستعانوا بطائفة دينية ضالة ومنحرفة من أجل تعزيز آيديولوجيتهم. وكما كان للآيديولوجيتين النازية والفاشية أتباعهما ومؤيدوهما في جميع أنحاء أوروبا، فهناك أيضا مؤيدون للتصور الطالباني الضال للإسلام في مختلف البلدان الإسلامية.

والحرب الدائرة هي حرب ضد هذه الآيديولوجية، ولن يتحقق الانتصار فيها ما لم تكن هناك حركة تهدف إلى إزالة آثار النازية كما حدث في ألمانيا، أو الحرمان من القوة العسكرية كما حدث في اليابان. ورغم أنه لم يمكن تطبيق هذا في ألمانيا واليابان إلا بعد احتلال عسكري فعلي، فإنه ينبغي اتباع ممارسات مماثلة تجاه تنظيم القاعدة وحركة طالبان من دون احتلال عسكري لباكستان. وبعبارة أخرى، فنحن نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى محو آثار حركة طالبان من العالم الإسلامي.

وهناك نقطة بالغة الأهمية ينبغي أن نضعها في الاعتبار، وهي أنه لا النازية ولا الفاشية كانت تزعم أنها آيديولوجية دينية، في حين أن حركة طالبان وتنظيم القاعدة يزعمان أنهما يؤمنان بالإسلام الحق، وأن ما يفعلانه هو اتباع للأوامر الإسلامية الخالصة، وأنهما يحملان على عاتقهما مسؤولية تاريخية عن إقامة الخلافة الإسلامية في العالم بأسره، وهي كارثة غريبة وخطيرة نواجهها. وقد كان لدى الإمام علي (رضي الله عنه) تفسير متفرد للإسلام، حيث قال: «لبس الإسلام لبس الفرو مقلوبا».

وأذكر أن بعض الآباء في قريتنا عندما كانوا يريدون تخويف أبنائهم، فإنهم كانوا يرتدون جلد الغنم بالمقلوب حتى يبدوا مثل حيوان خطر. وطبقا للمعتقدات البشتونية عن حياة البردة، فقد كان يتم إجبار المرأة الأفغانية على ارتداء البرقع طوال الوقت أثناء وجودها في الأماكن العامة، لأنه طبقا لمتحدث باسم حركة طالبان «وجه المرأة فتنة» للرجال الأجانب عنها. وهذا ليس من الإسلام، بل من الجاهلية.

وهذه الفاجعة تمتد إلى كثير من البلدان الإسلامية، وليس باكستان وأفغانستان فقط. ولتنظر إلى تبريرهم لقتل ملالا يوسف زاي، فقد صرح متحدث باسم حركة طالبان بأن ملالا يوسف زاي مؤيدة للغرب، وأنها وصفت الرئيس الأميركي باراك أوباما بأنه معبودها، كما أعلنت حركة طالبان باكستان التي هاجمت ملالا يوسف زاي الحائزة على جائزة السلام الوطني يوم الثلاثاء الماضي أنها ستستهدفها مرة أخرى إذا ظلت على قيد الحياة، لأنها «سيدة ذات عقلية علمانية». وذكر متحدث باسم الحركة أن هذا تحذير لجميع الشباب الذين يشاركون في أنشطة مشابهة، وأضاف أنهم سيتم استهدافهم إذا لم يتوقفوا عن ذلك.

ومن ناحية أخرى، فهناك فتاة شجاعة وذكية لا تدافع عن حقوقها فحسب، بل تدافع أيضا عن حقوق جميع الفتيات والنساء في باكستان، خاصة في إقليم سوات. وقد وصفت ملالا يوسف زاي الحياة تحت حكم حركة طالبان عامي 2008 و2009، حينما كان المسلحون يقطعون الرؤوس ويرتكبون غير ذلك من أعمال العنف في الإقليم الواقع تحت سيطرتهم، وهو يشمل مناطق كبيرة من وادي سوات في مقاطعة خيبر بشتونخوا. وعندما حظرت حركة طالبان تعليم الإناث في المنطقة، ظلت الفتاة تكتب في مدونة تابعة لـ«هيئة الإذاعة البريطانية» (بي بي سي) عن الشرور التي يرتكبها المسلحون، وكانت هذه هي خطيئتها الكبرى! ويبدو أننا نعيش جاهلية جديدة باسم الإسلام، وهي ليست الجاهلية الأولى، بل هي جاهلية جديدة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.

وربما تتمثل خطوة صغيرة نحو حل هذه المشكلة في إطلاق اسم «ملالا يوسف زاي» على إحدى المدارس العليا للفتيات في كل بلد من البلدان الإسلامية، وبهذه الطريقة نوصل رسالة إلى جميع الفتيات مفادها أننا لن ننسى حقوقهن، وأننا لن ننسى ملالا. ولعل هذا يكون ردا مناسبا على حركة طالبان في إقليم سوات وفي كل مكان: «وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِي أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِي حَمِيمٌ» (فصلت: 34).

————-

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- عطاء الله مهاجراني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*