الجمعة , 2 ديسمبر 2016

الإسلام «الفرنسي»!

نشرت صحيفة (الشرق الأوسط) يوم 28/ 9/ 2012 خبراً حول تدشين مسجد في ستراسبورج (فرنسا) الذي اعتُبر تحفة فنية، تقع على مقربة من كاتدرائية (نوتردام) الشهيرة . 

واعتبر الفرنسيون الرسميون أن المسجد أحد أجمل مساجد أوروبا، كما عبّروا عن عواطف نبيلة تجاه المسلمين؛ في الوقت الذي ذكر أحدُ مسؤولي المسجد أن المسجد ليس للمسلمين فقط بل لكل سكان (ستراسبورج) والمنطقة، بعد أن شكرَ السلطات المحلية وممثلي الديانتين المسيحية واليهودية على دعمهم للمشروع، في الوقت الذي سمع الحضور ثلاث رسائل من وزير الداخلية وشؤون العبادة الفرنسي طمأنَ المسلمين وأفهمهم أنهم جزء من النسيج الوطني والاجتماعي الفرنسي، وأن الإسلام مُرحب به وبمساجده. ودعت الرسالة الثانية المسلمين إلى تحمل مسؤولياتهم لبناء (الإسلام الفرنسي) كمواطنين فرنسيين، والثالثة حذرت المتشددين الذين ينشرون الحقد والظلامية ولا يحترمون القيم والمؤسسات في البلد الذي يعيشون فيه. (انتهى). ولقد دار لغط كبير حول الرسالة الثالثة كونها حملت تحذيراً للمسلمين المخالفين للقوانين المحلية؛ واعتبر البعض أن ذلك هجوماً غير مبرر في تلك المناسبة.

لقد وجدتُ في هذا الخبر ما يدعم وجهات نظري ووجهات نظر كثيرين من المسلمين والعرب حول التوجهات الإسلامية الإيجابية التي تُحببُ الآخرين في الإسلام وتجعلهم يقدّرون المسلمين ويحترمون رؤاهم دونما تعصّب أو كراهية. فما صرّح به القائمون على المسجد – من المسلمين- هو رسالة حب لكل الأديان وكل البشر. وهكذا يجب أن «تورد الإبل»!. وهو ردّ بليغ على تصرفات «الغوغاء» الذين اعتدوا على الآخرين واعتدوا على الحرمات الدبلوماسية في بعض العواصم العربية، ونشروا الرعب في عائلات الدبلوماسيين والأمريكيين خاصة، إثر قيام متعصبين بإنتاج فيلم يسيء للنبي- صلى الله عليه وسلم- وما تلاهُ من قيام مجلة فرنسية بنشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للإسلام والمسلمين. هكذا تكون الردود الإيجابية على الإساءات التي نتعرض لها -كمسلمين وكعرب- وهكذا يجب أن تكون رسائلنا تجاه الآخرين، ومنهم بعض الحاقدين المتشددين الذين يكشفهم الرأي العام العالمي. فالبناء دوماً أعمق من الهدم، والإيجابية تطرح نفسها بقوة أمام السلبية، والتسامح يتفوق على روح الكراهية وشهوة الانتقام، والعقلانية تخلق الجسور التي يدمرها العمل الغوغائي، الذي يفقد الناس عقولهم وبصائرهم ويجعلهم خارج الإطار الإنساني، بل وخارج دائرة التسامح والنبل الإسلامي. لقد عانى المجتمع الأوروبي من كثير من المتطرفين المسلمين الذين قاموا بتفجيرات قاتلة في أمريكا وبعض العواصم الأوروبية -وهم من الذين يحتمون بالقوانين الرائعة في تلك البلدان- بعد أن لفظتهم بلدانهم الديكتاتورية، وبعد ممارسات قام بها هؤلاء لم تقترب من روح الإسلام النبيلة وسماحته ونظافتة. وصار أن عاش كثير من المسلمين المهاجرين في مناطق بائسة، لم يطوّروا أنفسهم، أو يتخلصوا من مشكلاتهم التي كانوا يعانون منها في بلدانهم، وأصحبوا عبئاً على تلك الدول وعلى مؤسسات الإغاثة نظراً لخروج بعضهم على تعاليم الدين وانخراطهم في ممارسات غير سوية ومخالفة للقوانين المحلية. ولقد شهدت بأم عيني حادثتي سرقة في (جنيف) قام بها مهاجرون عرب ومسلمون، خلال ثلاثة أيام في ذاك البلد الجميل. وهذه حقيقة يجب ألا نخجل من ذكرها. هذا بالطبع إلى جانب المسلمين والعرب الملتزمين بالقانون ومعتدلي السيرة والناجحين في أعمالهم ودراساتهم.

كان الانغلاق، وعدم الاندماج في الدول الجديدة من أسباب تردي العلاقة بين المهاجرين العرب والمسلمين -وأغلبهم من ذوي الدخل الضعيف والتعليم المتواضع- وبين المجتمع الذي يؤمن بقيم الانفتاح والديموقراطية والإنتاجية والعدالة والتسامح. وهذه قيم جديدة لم يألفها العقل العربي والإسلامي، نظراً لطول بقاء الحقبة الديكتاتورية والبوليسية في بعض الدول العربية والإسلامية. وهذا ما أدى إلى «استغلال» تلك القيم والمتاجرة بها والإستفادة من ظلالها، حتى وصل الأمر بالبعض إلى الاعتداء على الآخرين تحت غطاء الحرية أو الجنسية الجديدة. وهذا ما أدى إلى إعادة تفكير تلك الدول في منح الجنسية للعرب والمسلمين.

جميل أن يفكر المسلمون في البناء لا الهدم أو الترويع في أوروبا!. وجميل أن يشاركوا المجتمعات التي يشاركوها آمالهم وآلامهم ومشاريعهم الإيجابية، وهم بذلك يقدمون خدمات جليلة للإسلام. لقد جاء الوقت كي تتغيّر الممارسات الغوغائية في الشارع العربي والإسلامي! بل وتتغيّر النفسيات والأفكار والسلوكيات في الشارع الأوروبي والأمريكي (من جانب المسلمين والعرب تجاه غيرهم). وأن تكون ردود الأفعال -حتى على الحاقدين والمارقين والظالمين- متسمة بالتأني والتسامح وكشف أخطائهم بالأدلة والإقناع لا بإزهاق الأرواح والتهديد المتشنج وكأننا في غابة.

نعم، جاء الوقت لأن يبني المسلمون ألفَ مسجد وألفَ مدرسة وألفَ مكتبة، في أوروبا وأمريكا، بدلاً من تبديد المليارات في مشاريع فاشلة في دول تعيش فوق براكين سياسية متفجرة. وتقديم مساعدات لأنظمة ديكتاتورية تعشق سلطة الانتقام وتتملكها نوازعُ الحرب والاعتداء على الآخر، بل ومحاربة شعوبها بالحديد والنار.

وحتى لا يفهم البعضُ خطأ معنى (الإسلام الفرنسي)، فإنه يعني حرية ممارسة المسلمين (المواطنين الفرنسيين) لشعائرهم دون اعتداء على الآخرين وشعائرهم ومؤسساتهم، أو تجاوز للقوانين والقيم المحلية.

————-

نقلاً عن الشرق 

-- أحمد عبدالملك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*