الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ثورات الربيع العربي سراب يحسبه الظمآن ماءً

ثورات الربيع العربي سراب يحسبه الظمآن ماءً

مـن أكــثــر المـصـطـلـحات السـيـاسية تداولاً وشيوعاً في عالمنا العربي هذه الأيام مصطلح “الثورة”، والذي ارتبط بشكل مباشر بحركات التغيير السياسي التي سرت في بلادنا العربية إبان السنوات الأخيرة، وبصورة هستيرية غريبة وعجيبة، تطرح أمام الرّاصد والمتأمِّل العارف بحركة التاريخ القارئ في صفحات الماضي علامات استفهام لا نهاية لها؟؟، ولا أعتقد أنّ اختيار هذا المصطلح دون غيره من المصطلحات الشائعة في قاموسنا السياسي كـ”الإحياء والنهضة والبعث والانقلاب والتغيير و…” جاء عبثاً، أو كان مجرّد صدفة، بل هو نتيجة طبيعية لقناعة قادة ومنظِّري وداعمي ومسوِّقي هذه الحركات – التي أطلق عليها من باب التفاؤل أو قل التضليل اسم “ثورات الربيع العربي “ – بأنّ ما يقومون به هو في حقيقته حركة تغيير مجتمعية مفاجئة شاملة ومتكاملة!!، ولو رجعنا إلى معاجم اللغة وقواميسها لوجدنا أنّ الثورة في لغتنا العربية: مأخوذة من مادة “ثَوَرَ”، وهي في غير دلالتها الحسِّية التي تسمّى بها الأشياء، تفضي هذه اللفظة ومشتقاتها – في قراءتي التحليلية لها – إلى المعاني التالية: 

1- الهياج: وهو الحركة العنيفة المتمرّدة بعد السكون، وهي حركة يصعب السيطرة عليها غالباً لأنها تكون شديدة قوية وكلِّية جماعية. 

2- الانتشار: مما يعني الخروج على النظام والتمرُّد عليه بلا ضابط. 

3- شدّة الحمرة في الشفق: وهي إيذان ببزوغ الفجر، فيها سطوع وشدّة، وتحكي حالة التغيُّر من الظّلمة إلى النور!. 

4- الكثرة: فالكثرة رديف الثورة والانتشار والسيطرة والحركة الجماعية وصعوبة الضبط. 

5- الاستثمار والاستغلال، يقال: (أثار الأرض قلبها على الحب بعدما فُتحت مرة) قال الله تعالى: {وَأَثَارُوا الْأَرْضَ …} أي حرثوها وزرعوها واستخرجوا منها بركاتها. والحرث في حقيقته هو محاولة جادة لاستبدال شيء بآخر يكون أكثر جدوى ومنفعة.. والواضح في هذا اقتراب هذه المعاني جميعاً من دلالة الثورة بمعناها الاصطلاحي الذي يتبنّاها منظِّرو الربيع العربي، إذ يرى البعض من أهل الاختصاص أنّ الثورة في دلالتها الاصطلاحية تعني: (التغيير الجوهري المفاجئ في الأوضاع السياسية والاجتماعية للدولة بوسائل تخرج على النظام المألوف، ولا تخلو من العنف)، وهي بهذا تختلف عن الانقلاب، لأنّ الأخير يرمي إلى مجرّد قلب نظام الحكم وإحلال سُلطة محل أخرى، والثورة الحقيقية – في نظر هؤلاء البعض – (هي التي تنبعث من الشعب، وتعبِّر عن ميوله ورغباته، وإنْ دبّرها وقادها أشخاص سياسيون). وهذه الرؤية ليست دقيقة، فقد لا تكون الثورة مفاجئة، بل تمر بمرحلة طويلة من الإعداد، وتتجمّع نذرها على مدى سنوات بل عقود من الزمن، ويكون لها مفكِّروها وقادتها وتنظيماتها السرية وربما العلنية، كما أنه ليس من الضروري أن تكون الثورة شاملة، إذ إنّ هناك ثورة سياسية وأخرى علمية وثالثة اجتماعية، واليوم كثيراً ما نسمع عمّا يسمّى بثورة الاتصالات مثلاً.. 

وهناك من ينظر إلى الثورة على أنها حقٌّ مشروع بل إنها حتمية تاريخية تساير النواميس الطبيعية، ووسيلة من وسائل النهوض، وصورة من صور التقدم الإنساني، وبها تتحقق العدالة والحرية والمساواة على الرغم مما قد يصاحبها من عنف. ويمثل هذا الفريق الماركسيون، والمغلوب على أمرهم نتيجة للاحتلال أو الظلم بأيّ صورة من صوره!!.. وفي مقابل هذا الفريق فريق آخر ينظر إلى الثورات على أنها حصيلة مشاعر شعبية غير منضبطة تفضي إلى الدمار والقتل.. والحقيقة أنّ الثورة لا يمكن تقييمها إلاّ وفقاً لظروفها، وشرطها التاريخي، وأسبابها، فقد تكون ضرباً من ضروب المجاهدة ضد الغزاة أو المستعمرين أو الطواغيت، وقد تكون تمرُّداً لا مبرّر له، يقود إلى الفتنة، والضلالة، وتفريق كلمة الأُمّة، وزرع الأحقاد بين أبنائها، وإراقة الدماء والواقع اليوم خير شاهد وأعظم برهان، وأتحدّى أكثر المتفائلين منذ اندلعت ثورات الربيع العربي وحتى اليوم، أن يورد ولو بإيجاز أهم منجزات هذا الضجيج القاتل المدمِّر.. ولا يعني هذا بأنني أتبنّى مقولة القائل “ليس بالإمكان أحسن ممّا كان” ولكن للإصلاح باب وللتغيير عنوان وللنهضة مفاتيح فأتوا البيوت من أبوابها وحسب عناوينها، وأنتم تحملون المفاتيح التي بها يكون البناء والتشييد، لا الإفساد والتدمير و.. دمتم بخير، ووقانا الله شرّ الفتن ما ظهر منها وما بطن، فنحن في هذه البلاد المباركة – كما قال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لقواتنا العسكرية خلال استقباله لها – أيّده الله وحفظه رعاه بمنى – أمام فتن كبيرة وكثيرة، وأعداء الأُمّة يتربّصون بوطننا من أجل الإخلال بأمنه وتفكيك وحدته وتدمير لحمته وإيقاف منجزاته ومسيرته التنموية ونهضته الشمولية المستدامة، حفظ الله أرضنا وشعبنا ووليّ أمرنا وقادة بلادنا ورجال أمننا وحرّاس ديارنا ودعاتنا وعلماءنا.. ودمت عزيزاً يا وطني وإلى لقاء والسلام. 

—————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.عثمان بن صالح العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*