السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ثقافتنا بين الخلاف والاختلاف

ثقافتنا بين الخلاف والاختلاف

الخلاف أمر طبيعي لا بد من حدوثه بين البشر، ويكون مثمرا إذا ما اتسم بالعقلانية ونبذ الأهواء، بينما يصبح الاختلاف أمرا معاديا، إذا ما اتسم بعدم الاكتراث بأولويات وأهداف الطرف الآخر

تتميز ثقافة عصرنا هذا بثقافة الاختلاف وتوتر الحوار بين فريقين أو شخصين أو ثقافتين. ولعل كنه هذا اللون يرجع إلى تدني الوعي وتدني الثقافة عند البعض، مما يتمخض عن انحدار مستوى الحوار، فهو عصب الحياة والحضارات وأكسير البناء والارتقاء، دون مراعاة ذلك الخيط الرفيع بين الخلاف والاختلاف، فنقع في هوة سحقيقة بين هذين الطرفين أو نكاد.

والخلاف أن ينهج كل شخص طريقاً مغايراً للآخر في حاله أو في قوله. أما الاختلاف فهو مطلق المغايرة في القول ويطلق عليه فلسفيا بالـ (دجمى).

فالخلاف أمر طبيعي لا بد من حدوثه بين البشر، ويكون مثمرا إذا ما اتسم بالعقلانية ونبذ الأهواء، بينما يصبح الاختلاف أمرا معاديا، إذا ما اتسم بعدم الاكتراث بأولويات وأهداف الطرف الآخر، وهذا أخطر ما في الأمر، لأنه تحكمه أهواء ونوازع شخصية ومصالح وذاتية مفرطة، وبهذا يتحول الخلاف إلى اختلاف إلى تنافس على مراكز وتصادم على أمل تحقيق أهداف معينة مرجوة على حساب الطرف الآخر، فهو نجاح على حساب الفريق الآخر. 

فالأول محمود لأنه يثري الثقافة ويعمل على تلاقح الأفكار وتصحيح المسارات الفكرية إلى ما فيه نفع عام إذا ما نشأ في بيئة سليمة وناضجة وبعقول منفتحة وبمعرفية واسعة وصدر رحب يسقي ويستقي من روافد العلم والمعرفة بدون توتر أو تصلب، “والصفة الرئيسية المميزة لهذا النوع هو أنه لا يحدث تعارضاً في المصالح ولا يؤدي إلى نزاع وتصادم مادي. بل إن هذا النوع من الخلاف قد يكون لزاماً ومطلباً ملحاً حتى تتمكن كافة الأطراف من إثراء الفكر بآراء مختلفة مما تساعد على الكشف عن السلبيات التي قد تكون محجوبة عن بعض الأطراف، وتزيد من الرغبة في مواصلة البحث وتقصي الحلول والوسائل الأفضل للحصول على النتائج المرجوة بأقل تكلفة وفي أقصر وقت”، وهو على العكس تماما لما يحدثه الاختلاف من تسفيه لآراء الآخرين والتعالي وانتفاخ الذات وتصلب الرأي والتحيز لفكرة واحدة تتيبس في الذهن، فلا يقبل سواها لأنه يعدها من نتاج فكره الذي لا يتنازل عنه، وهذا أخطر ما في الأمر. ولهذا فقد صنفه العلماء (بالاختلاف المذموم). إنه آكلة المعرفة وآفتها التي تأكل الفكر والثقافة والوجدان والعقل والشخصية وبالتالي ثقافة مجتمع بأسرة، يقول أحد العلماء الأجلاء في هذا الصدد:

“هذا النوع من الخلاف هو خلاف في الغايات. ويطلق عليه خلاف مذموم لأنه يؤدي بكل فرد أو مجموعة أو فريق للاعتزاز برأيه والعمل على تسفيه آراء الآخرين وفرض رأيه على الآخرين، من دون النظر لصحة الأسس التي ينطلق منها، وبالتالي الخروج عن نطاق النقاش الحر إلى النقاش المصلحي الذي يهتم فقط بما يفيده بغض النظر عن مصالح الأطراف الأخرى. والهدف من ذلك هو تغليب وفرض الرأي من دون النظر إلى جدواه.. وهذا الخلاف لا يؤدي إلى التعاون والبحث عن السبل الأفضل، بل يؤدي إلى الفشل والفرقة والنزاع والضغينة، ويشجع الطرف الآخر على القيام بأي عمل مضاد لإفشال الرأي المقابل ولو بوسائل غير مشروعة”.

ولعل ما نراه في يومنا هذا من حدة الحوار وتصلب الرأي دون علم أو معرفة ودون ثقافة واسعة وقراءة مطلعة على بواطن الأمور ومدارك الغايات وكنه الأقاويل وتعدي الثقافة المتواضعة في المعرفة على أصحاب الفكر والثقافة والعلم يعد تطاولا غير لائق على رموزنا الفكرية دون مراعاة الحدود والمنازل مما يخالف هويتنا وثقافتنا وإسلامنا الذي تربينا عليه وتأصل فينا.

قال الشاطبي – رحمه الله -: “…فكل مسألة حدثت في الإسلام فاختلف الناس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنها من مسائل الإسلام، وكل مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتنافر والتنابز والقطيعة علمنا أنها ليست من مسائل أمر الدين في شيء.

وأسباب تفشي هذه الظاهرة في الوطن العربي – كما ذكرها أحد العلماء في دراسة موسعة لهذا الشأن – كثيرة، منها:

• تدني مستوى المصادر المعرفية.

• صراع الأهداف.

• الفشل في التواصل المعرفي.

• الاحتياجات الوظيفية.

• الاحتياجات النفسية أو الشخصية.

وبهذه الخواص التي ذكرها عالمنا الجليل في دراسته نضع الإنسان أمام نفسه حين يتحدث، حين ينشئ حواراً يبتغي منه إما مصلحة عامة أو مصلحة خاصة تحكمها هذه الخواص الخمس التي تأخذه بعيدا عن مجتمعه ودينه وواقعه وبيئته فيصبح منبوذا مذموما كخلافه أو اختلافه. 

وبهذا أصبح الحوار- أو التواصل – يأخذ منعطفا خطيرا، فالمعرفة يتيمة تقبع على قارعة الطريق، ولا من ملتقط، وأصبح التعالي في القول والفعل سمة تطال الرموز الفكرية والثقافية والعلمية من أبناء جلدتنا، وهو ما أصل له المنظر الأميركي فريدريك أنديك في نظريته (سقوط الكاريزما)، ساعد على ذلك ظهور تقنية يجب ألا تستخدم في هذا الأمر إما بأسماء وهمية – لا تنم عن أهم المناقب العربية وهي المواجهة! فلم يعهد تاريخنا الذي نعتز به أن نقذف بالحجارة من وراء جدار- وإما عبر أجهزة الإعلام علنا وبدون مراعاة لقيم لنا تندر في شعوب أخرى.

وإذا ما تأملنا بيئة هذا الاختلاف المذموم ومرتعه في ثنايا الطبقات الاجتماعية نجد أن الشوكاني يقول في البدر الطالع في ترجمة علي بن قاسم: “الناس على طبقات ثلاث:

فالطبقة العالية: العلماء الأكابر، وهم يعرفون الحق والباطل، وإن اختلفوا لم ينشأ عن خلافهم الفتن لعلمهم بما عند بعضهم بعضاً.

والطبقة الدنيا: عامة على الفطرة لا ينفرون عن الحق وهم أتباع من يقتدون به إن كان محقاً كانوا مثله وإن كان مبطلاً كانوا كذلك.

والطبقة المتوسطة:… وهم الذين لم يمعنوا في العلم حتى يرتقوا إلى رتبة الطبقة الأولى ولا تركوه حتى يكونوا من أهل الطبقة الدنيا. فإذا رأوا واحداً ما لا يعرفونه ممن يخالفهم صوبوا إليه سهام التقريع ونسبوه إلى كل قول شنيع.. فعند ذلك تقوم الفتن على ساق”.

إن هذه الظاهرة تتفشى وتأخذ مسارا مخيفا من آراء شخصية ترتقي إلى حد التوتر والمنازعة والتسفيه والتحقير حتى ينطق المرء بما لا يليق، فكيف لنا بذلك ونحن صناع الحضارات ومنبعها.

————–

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- ملحة عبدالله

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*