الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل ستفلح جماعة أنصار الدين في وقف التدخل العسكري في شمال مالي؟

هل ستفلح جماعة أنصار الدين في وقف التدخل العسكري في شمال مالي؟

تتسارع الأحداث المرتبطة بشمال مالي الذي تسيطر عليه المجموعات المسلحة المتشددة منذ أبريل 2012 بعد طرد مقاتلي الحركة الوطنية لتحرير إقليم أزواد . فرغم الجهود التي بذلتها دول الميدان ، خاصة الجزائر وموريتانيا لإيجاد حل سياسي لأزمة مالي ، ظلت المجموعات المتشددة الموالية لتنظيم القاعدة الأم أو المرتبطة بفرع القاعدة بالمغرب الإسلامي  ، ترفض أي حوار أو حل سياسي ؛ لأن هذه الحلول تستوجب طرد مقاتليها من شمال مالي الذي أعلنته “إمارة إسلامية” وفتحته لكل “الجهاديين” من مختلف الدول من أجل القتل في صفوفها دفاعا عن الإمارة . 

وقد أثبتت واقعة اختطاف موظفي القنصلية الجزائرية بمدينة غاو أن التنظيمات المرتبطة بالقاعدة هي المسيطرة عمليا على شمال مالي ، وهي من يتحكم في مجريات الأحداث به ويدير الشؤون اليومية للسكان . ولعل حوادث قطع الأيدي ورجم الزناة وجلد المخالفين لأحكام الشريعة كما يفهمها المتطرفون دليل قاطع على أن المسيطر على أرض الواقع ليست حركة أنصار الدين التي فشلت كل مساعيها في الإفراج عن القنصل الجزائري ومرافقيه . لقد غير المتطرفون من ميزان القوى لصالحهم بعد أن التحقت بصفوفهم أفواج عديدة من المقاتلين المنحدرين من دول الجوار فضلا عن السودان والصومال . 

بل يوجد مقاتلون غربيون ( فرنسيون وأمريكان ) التحقوا بالجماعات المتطرفة للدفاع عن “الإمارة” . إذن ، من الناحية العددية ، بات المتشددون قوة لا تقوى الحركات المحلية الأزوادية على طردها أو دحرها دون الاستعانة بالتدخل العسكري . وقد زاد من القدرة القتالية للمجموعات المتشددة العتاد العسكري الذي حصل عليه مقاتلوها من مخازن القذافي ، فضلا عن مئات الملايين من اليورهات التي راكموها بفعل جرائم الاختطاف والاتجار بالمخدرات . 

ومن شأن هذه الأموال أن تساهم في تجنيد أعداد كبيرة من الشباب الإفريقي الذي تنخره البطالة حتى وإن لم يكن على عقيدة هذه التنظيمات المتشددة . لقد أدركت هذه الحقيقة ، من قبل ، الحركة الوطنية لتحرير أزواد التي اندحر مقاتلوها أمام التنظيمات المتشددة ، فاضطرت إلى التراجع عن إعلان استقلال أزواد عن دولة مالي الذي أعلنته في مارس 2012 ، وطالبت المجموعةَ الدولية بالتدخل العسكري لطرد المتطرفين . 

لكن حركة أنصار الدين حافظت على علاقتها بالتنظيمات المتطرفة الموالية لتنظيم القاعدة وقاسمتهم السلطة على مدن الشمال المالي إلى حين تبين لها أن المجموعة الدولية جادة في حشدها العسكري وعازمة على محاربة الإرهاب الذي يسطر على الإقليم ويهدد دول الساحل وحتى أوربا . 

وفي محاول من حركة أنصار الدين وقف التدخل العسكري الذي بات وشيكا لمجموعة “إيكاواس” لإعادة بسط سيادة مالي على كل ترابها ،  سارعت الحركة إلى طلب الحوار  من أجل إيجاد حل سياسي . 

وفي هذا الإطار ، أرسلت الحركة بعثة إلى واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو  يرأسها العباس اغ انتالا  للقاء رئيس البلاد بليز كومباوري  الذي كلفته المجموعة الاقتصادية لدول غرب افريقيا بالوساطة في ازمة مالي باسم . وصرح آغ انتالا   لفرانس برس بان “انصار الدين مستقلة عن اي مجموعة اخرى” في إشارة إلى حركة التوحيد والجهاد وباقي التنظيمات الموالية لتنظيم القاعدة .  ودفعا لكل تهم بالخضوع لأوامر المجموعات المتشددة ، قال لنفس الوكالة “لا نتلقى الاوامر من أي مجموعة غير انصار الدين”. وتابع اغ انتالا وهو نائب عن شمال مالي واحد ابرز كوادر انصار الدين “انها مجموعة محلية تفاوض ومستعدة للتفاوض كي يكون هناك سلام في المنطقة وفي مالي خصوصا”. 

ولا شك أن الشروط التي وضعتها المجموعة الدولية لأي حوار سياسي لن يترك لحركة أنصار الدين أي خيار غير قطع كل صله وروابط لها مع المجموعات المتطرفة . وفي هذا الإطار أعاد   وزير خارجية بوركينا فاسو جبريل باسولي التذكير بان الوساطة التي تتولاها بلاده تسعى الى اقناع انصار الدين “بالتخلي عن الارهاب والجريمة المنظمة” اي قطع صلاتها بحلفائها الجهاديين في شمال مالي بينهم  القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي.

ونفس الأمر شدد عليه  باسوليه اثر اجتماعه بوزير خارجية مالي تييمان كوليبالي  ، حيث أوضح ان رئيس بوركينا فاسو  سيذكر وفد الجماعة ب”شروط المجموعة الافريقية والقاضية بان تفك انصار الدين ارتباطها بالرعب والجريمة المنظمة” وتنضم الى “عملية الحوار السياسي”. 

كما أرسلت جماعة انصار الدين ، يوم الجمعة 2 نونبر الجاري ، للغرض نفسه . ونقلت صحيفة الوطن الجزائرية عن “مسؤول جزائري كبير” ان انصار الدين التي تطبق مع حلفائها الشريعة الاسلامية في شكل عنيف في شمال مالي مستعدة للقيام بتنازلات تتصل بعلاقاتها مع تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي.

وأوضح نفس المسؤول ان اياد اغ غالي الذي لم يقطع صلاته بالجزائر “سيكون مستعدا للإدلاء ببيان” خلال “الايام المقبلة” يعلن فيه “رسميا اخذ مسافة من تنظيم القاعدة ويوافق على ممارسة لعبة الديموقراطية”. ومعلوم أن مجلس الامن الدولي  سبق وأصدر في 12 تشرين الاول/اكتوبر قرارا يتبنى  نشر قوة قوامها ثلاثة آلاف عنصر في مالي، تحظى بدعم لوجستي من فرنسا والولايات المتحدة. وامهل المجلس مجموعة غرب افريقيا حتى 26 تشرين الثاني/نوفمبر لتوضيح خططها . وفي نفس الوقت ، دعا المجلس في قراره الحكومة المالية والمتمردين الطوارق الى “المشاركة في اسرع وقت في عملية تفاوضية ذات صدقية”.

 فهل ستنجح حركة أنصار الدين في قطع علاقتها بالتنظيمات المتطرفة الموالية للقاعدة ؟ أكيد أنها ستنجح في هذا لكنها لن تستطيع طرد هذه التنظيمات خارج شمال مالي ح الأمر الذي سيفرض على حركة أنصار الدين الدخول في مواجهة مسلحة مع المتطرفين بمشاركة الجيش المالي وبدعم من مجموعة إيكاواس . 

فالحرب ضد التنظيمات المتطرفة لا مفر منها . وما ستكسبه حركة أنصار الدين هو أنها لن تجعل مقاتليها هدفا للتدخل العسكري الأجنبي . 

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*