الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » «الإخوان المسلمون» وتغير المرجعيات السياسية

«الإخوان المسلمون» وتغير المرجعيات السياسية

أمة العرب تعاني اليوم من انقسامات طائفية خطيرة تعيق عمليات التنمية

منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء ملكت الولايات المتحدة مفاتيح الأبواب الأكثر تأثيرا على العالم وأصبحت السياسة الأمريكية مهيمنة على غيرها من السياسات لاسيما بعد تراجع النفوذ الشيوعي وتفكك الاتحاد السوفيتي.

لقد قام الفكر السياسي الأمريكي منذ عصر تشارلز بيرس المتوفى عام 1914 على البراغماتية كاتجاه سياسي غالب في الفكر الامريكي، ورغم كثرة التيارات الفلسفية والسياسية التي ظهرت في الولايات المتحدة منذ منتصف القرن التاسع عشر الى اليوم الا ان البراغماتية تعد أهمها جميعا، ان الفكر البراغماتي لا يهتم بالحديقة الغناء اذا لم تطرح له ثمراً يأكله.

السياسة البراغماتية هي التي تحكمنا اليوم، ومنذ منتصف السبعينيات وبعد أزمة منع تصدير البترول الشهيرة التي تزامنت مع حرب أكتوبرعام 1973 أصبحت مصادر الطاقة التي تعتمد عليها آلة المدنية الغربية بعيدة عن الأمن القومي الغربي، وكنتيجة لذلك خططت الولايات المتحدة، كما اشارت لذلك وثائق صحافية بريطانية، خططت من اجل احتلال حقول النفط العربي لولا ان فرضت البراغماتية عليهم تغيير الاتجاه من أجل تحقيق الفوائد نفسها بأقل الضرار.

كان من المهم في تلك الفترة تغير مسار التأثيرات الإقليمية، لذا تمت مسايرة الغضب الايراني ضد عرش الطاووس وعدم مساندة حليفهم الشاه، وبذلك تم اسقاطه وتوحيد المرجعية السياسية الشيعية تحت قيادة السيد الخميني.

منذ ذلك التاريخ انقسم التأثير الاسلامي وأصبح للشيعة، على الرغم من قلة عددهم في العالم الاسلامي مقارنة بالسنة، أصبح لهم مرجعية سياسية موحدة وقوية مكنتهم من خلق تأثيرات أقوى من واقعهم في عالمهم الاسلامي.

وحين زار الرئيس الامريكي باراك اوباما القاهرة عام 2009 أعلن عن بداية جديدة للعلاقة بين الولايات المتحدة الامريكية والعالم الاسلامي، كما أكد دعمه للتحولات الديموقراطية ومساندته للحلم العربي في قيام حكومات تعكس ارادة الشعب، منذ ذلك التاريخ توقفت آلة الدعم الامريكي لحلفائها في العالم العربي، وقد التقطت الشعوب العربية بقايا أحلامها وجسدتها عبر ما أصبح يعرف لاحقا بالربيع العربي.

اليوم تتشكل مرجعية سياسية سنية يقودها الشارع العربي، وقد نجحت حركة الاخوان المسلمين، بما لديهم من تاريخ سياسي طويل، نجحت في فهم أصول اللعبة الدولية كما انهم نجحوا في خلق أجواء ايجابية عنهم لدى القوى العالمية من أجل ان يصبحوا ممثلين للتيار السني في العالم.

واذا كانت المرجعية الشيعية عند تشكلها في آخر السبعينيات من القرن الماضي لم تجد تيارات اقليمية اومحلية قوية تقف ضدها لأسباب عديدة لا مجال لاختصارها في هذا المقال، فان مرجعية الاخوان المسلمين على عكس ذلك تجد عداءً كبيراً من قبل تيارات حاكمة تقليدية كانت تملك بعض خيوط تلك المرجعية تساعدها على البقاء بالحكم وكذلك تيارات طائفية لا تعجبها توحيد المرجعية السنية خوفا على مكاسبها التي تحصلت عليها.ولعل اكبر التحديات هي ما نراه اليوم من مساندة روسيا للطائفية السورية خوفا من توحيد المرجعية السنية التي ستدعم الجمهوريات الاسلامية المعادية للروس والتي كانت ضمن الدولة السوفيتية القديمة، من أجل ذلك يلاحظ المراقبون اليوم توحيد جبهات عدة وأحيانا متناقضة من أجل الهجوم على تيار الاخوان المسلمين وعلى عكس ما هو متوقع، فلم تُهاجم الحركة وهي ضعيفة دون سلطة كما تهاجم اليوم وهي قوية تملك السلطة.

اليوم تعاني حركة الاخوان المسلمين من هجمات غير مسبوقة ومحاولة الاطاحة بهم واظهارهم بأنهم لا يستحقون ذلك التوجه المساند لهم لجعلهم مرجعية السنة في العالم، ورغم فوزهم بانتخابات حرة في مصر وتأثيرهم في تونس وليبيا وكذلك تواصلهم مع الثوار في سورية، على الرغم من كل ذلك الا ان عدم تفاهمهم مع حكومات دول الخليج التي تمثل جزءاً تاريخياً مهماً في المرجعية السنية يمكن ان يؤخر استحقاقهم لقيادة المرجعية السنية التي يحتاج اليها أهل السنة اليوم أكثر من اي وقت مضى.

ان التوجه العدائي الظاهر والذي برز بشكل مفاجئ من بعض دول الخليج تجاه حركة الاخوان المسلمين واظهار الحركة كغول يحاول افتراس دول الخليج والاطاحة بمكتسباتها، هذا التوجه ليس في صالح دولنا الخليجية، وعلى قادتنا التعمق في فهم السياسة البراغماتية الأمريكية التي اصبحت ترغب في التعامل مباشرة مع ممثلي الشعوب من اجل ضمان مصالحها.

اليوم تعاني أمة العرب من انقسامات طائفية خطيرة تعيق عمليات التنمية وتقلل من تعاون الدول الكبرى معنا لاسيما بعد محاولات روسيا التسلل داخلنا ولا حل امامنا الا التفاهم مع المرجعيات الشعبية للوصول الى تآلف جماعي نطوع فيه البراغماتية الامريكية لنا بدل ان تكون علينا.

—————

نقلاً عن الوطن الكويتية 

-- د.خالد أحمد الصالح

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*