الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016

لن يكتفوا بسيناء

لم تسلم الدول الإسلامية من شرور الجماعات التي تضفي على نفسها مسمى جهادية، أرهبوا المسلمين في الأسواق والشوارع والمدارس، حتى المساجد، بيوت الله، لم تسلم منهم.

يحلو لي أن أسميهم «التبريريين»، لأنهم يجيزون كل فعل محرم أو موبق أو فاحش بناء على ما تتطلبه مآربهم، من المتاجرة بالحشيش والمخدرات وغسل الأموال وقتل النفس التي حرم الله من المدنيين، كلها أمور مشروعة في سبيل قتالهم المزعوم في سبيل الله، تعالى الله عما يفعلون.

سيناء المصرية، بؤرة السياحة والواجهة الدبلوماسية المصرية، والمحاذية لقطاع غزة الذي تحكمه حركة حماس، باتت عرضة لعصابات جهادية تكفيرية ضيعت الطريق. كانت في الأساس تقول لنا إن طريقها باتجاه إسرائيل، ولكن يبدو أنها تاهت فعكست وجهتها من الشرق إلى الغرب.

بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية عام 2006، تحولت الحركة إلى طاووس، وزادها اختيالا دعم طهران والنظام السوري لها حتى امتلأت بالعظمة ونفذت انقلابا عنيفا على الشرعية بعد عام ونصف العام، فهاجمت المقرات الأمنية والاستخباراتية للسلطة الفلسطينية في غزة وأحرقتها، وقطعت الطرق، ونفذت عمليات إعدام جماعية علنية، وألقت بضباط أمن من فوق الأبنية وهم مقيدون شبه عرايا، ثم استفردت بالحكم. هذا ما ارتكبته حماس في حق أهلها، بني جلدتها، وليس غيرهم.

وحينما قامت الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2008، ثم توالت الضغوط الدولية على إيران بسبب ملفها النووي، لحقها تهديد النظام السوري بتهاوي قلعته في مارس (آذار) 2011، كل ذلك شكل ضربات متتالية أضعفت موقع الحركة وأخافتها. في ظل هذا الضعف، نشطت في غزة عناصر متطرفة تنسب نفسها للسلفية الجهادية، لا تتمتع بما لدى حركة حماس الإخوانية من مهارة سياسية وتحزبية وقدرة على الانحناء في وجه العاصفة. تركتهم حماس ينشطون ويتكاثرون تحت حمايتها، تمترسوا وتغذوا ثم دبوا كالأفاعي خلال الأنفاق إلى الأراضي المصرية، وليس إلى الأراضي أو السواحل الإسرائيلية.

لا أعرف كيف لأي نظام سياسي أن يثق في أي معاهدة أو اتفاق يبرم مع حركة حماس، فهي سياسيا مقالة من عملها، وحركيا فقدت ثقة الناس في كونها تمثل مقاومة إسلامية كانت فيما مضى تهديدا حقيقيا للكيان الإسرائيلي قبل أن تتحول إلى مقاول أنفاق.

في سيناء، تتجمع عناصر إرهابية قادمة من غزة، وأخرى تم تهريبها من السجون المصرية خلال فوضى الشارع بعد انطلاق الثورة، مع القادمين من ليبيا وتونس وأفغانستان والعراق، وستتحول سيناء إلى صحراء خصبة بالمقاتلين الإسلاميين إن تراخت يد الدولة المصرية عن صدهم.

الجهاديون يتخذون سيناء حاضنة ولا ينوون المكوث فيها طويلا، يخططون لأن تكون الصحراء نقطة تجمعهم كما كانت جبال تورا بورا، ولكنهم يستهدفون المدن الكبرى؛ القاهرة والإسكندرية وأسوان.

المعضلة أيضا أن مصر اليوم تعيش تهديدا أمنيا جادا ليس فقط لأن أجهزتها الأمنية لا تزال في طور التعافي، ولكن لأن طروحات السلفية الجهادية تلقى قبولا، أو لنقل شيئا من التفهم، لدى شريحة ليست بالهينة من الإسلاميين في مصر، وهذه أم الكوارث بالنسبة لأي نظام سياسي قائم.

ولكن ليحذر المصريون، وليتخذوا تجارب الدول التي عانت من الإرهاب عبرة لهم. السعودية مثلا، كانت ولا تزال هدفا أوليا لتنظيم القاعدة، ولولا حزم الدولة في معركتها معهم لما استطاعت الأجهزة الأمنية طوال هذه السنين ضبط الأمن في مساحات شاسعة وعلى الحدود مع دول متوترة. صحيح أن مصر عانت من عمليات إرهابية هددت أمنها القومي واستهدفت السياحة التي تمثل عصب الاقتصاد، في ظل الرئيس السابق حسني مبارك، ولكن الأراضي المصرية لم تكن مستباحة كما نرى اليوم، منذ حرب 1967.

الإرهاب لا عقيدة له، لذا فإن ركن العصا الغليظة واستبدال «المروحة» بها سيكون وبالا على مصر، مع شعورنا بأسف عميق ونحن نرى أن إسرائيل هي من يحد من تدفق المسلحين الجهاديين من غزة إلى مصر.

ولأن الشيء بالشيء يقارن، فإن كان الجهاديون استطاعوا أن يحققوا خلال 6 أشهر مكاسب ثمينة في سيناء، وفرضوا وجودهم بقوة السلاح والمكر، فهذا يعني أن القلق أشد في الواقع الثقافي والفكري الجديد في مصر. الإرهاب لا يبدأ بحمل السلاح بل بحمل الأقلام، في المدارس والجامعات والإعلام، الطروحات التي نقرأها للإسلاميين مخيفة، والحوادث التي تحصل للناس في المدارس والشوارع والمحال التجارية من تضييق وملاحقات وقذف توحي بأن التطرف القادم من سيناء يقابله المد الثقافي الإسلامي المتطرف في بقية المدن. إن واقع مكافحة الإرهاب لم ولن يتغير؛ المقاومة ثقافية قبل أن تكون مسلحة، ومن يدعم فكر المتطرفين بكلمة فكأنما حمل السلاح معهم.

لا قيمة للتصريحات الرئاسية التي تؤكد على مدنية الدولة إن كان الواقع أن أسلمة الدولة تتم وفق عملية ممنهجة لها مؤشرات تقلق المصريين الذين يشعرون بأن رئيسهم يتعاطف مع الإسلاميين المتشددين من خلال التراخي معهم، حتى إنه سمح بعودة 3000 قيادي وكادر من جماعة «الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» من أفغانستان والشيشان والصومال والبوسنة وإيران وبريطانيا. هذه القيادات لم تعتزل عملها ولم تتغير مفاهيمها ولم تتنازل عن أهدافها، ستعود إلى مصر كما خرجت منها؛ أي مصدر تهديد.

a.alhazzani@asharqalawsat.com

—————

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- آمل بنت عبدالعزيز الهزاع

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*