الخميس , 8 ديسمبر 2016

النقد طريق الإصلاح

المـؤمن بالإصلاح المتحمس له، لا خيار له أبدا، إلا أن يفتح أذنيه وقلبه وعقله لكل الآراء والأفكار، لابد أن يحسن الإنصات والاستماع للرأي الآخر، لابد أن يتمتع بسعة الصدر وطول البال، وأن يستعد للتعامل مع المستجدات والمتغيرات، وأن يهيئ نفسه ويوطنها لسماع ما قد يثير حفيظته وغضبه وانفعاله، ويرفع درجة التوتر والقلق عنده، لابد أن يفتح كل الأبواب والنوافذ الموصدة أمام التطلعات الراغبة في الوصول إلى الأفضل والأحسن، وأن يخلع عن نفسه صفة الكمال والاقتدار، وييسر كل السبل التي تجسر الفجوة بين الأوضاع غير المرغوب فيها وما يطمح إلى تحقيقه من غايات نبيلة، لابد أن تكون النوايا حسنة، والحماسة متقدة، وعمليات التفاعل والتفعيل تواكب إرادة الإصلاح. 

من أهم سمات الإنسان المميزة له عن سائر المخلوقات، أنه يتطلع دائما إلى التجديد، لا يقبل أبدا البقاء على حال من الرتابة والجمود، هذه الحال تخنقه، وتثير انفعاله وغضبه، إنه يؤمن بمقولة: تجدد أو تبدد، ويؤمن بأن الماء إذا ركد أسن وفسد، لهذا تجده دائما يبحث عن الجديد، ويتطلع إلى الأفضل والأحسن، وله في تحديد خياراته وتفضيل هذا أو ذاك، جملة من المعايير والمحكات والمؤشرات التي يحتكم إليها في بيان موقفه وتسويغه لما يتذمر منه أو يتطلع إليه، كما أن لديه أدوات للتقييم، ومحكات أداء موضوعية، يسند بموجبها الآراء التي يتحمس لها، والمواقف التي يرفضها أو يعترض عليها، والمقترحات التي يطرحها، والحلول التي يؤمن بها ويرى مناسبتها، التغير والتبدل والتطور سمة الحياة، لا يمكن بحال التسليم بأن ما كان بالأمس هو الأفضل، والقبول به واعتباره الخيار الأوحد والسبيل الأنجع في التسيير والتنظيم، إن عقلية الإيمان بما كان عليه الآباء (ممارسة أو تأديبا) لم تعد صالحة متوافقة مع وتيرة الحياة الحالية ومتغيراتها، فلكل زمان آية وآلة. 

يروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه مقولته: (لا تقسروا أولادكم على آدابكم، فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم)، ومن منطلق هذه المقولة الرائعة، ودلالاتها البليغة، أقول: إن الأساليب التي كان الآباء يتبعونها في تسيير شؤون حياتهم، وينظمون بها علاقتهم بغيرهم، وكانت مناسبة لزمانهم، فإنها حتما ليست مناسبة لهذا الزمان، وهذا يعني أن على كل مسؤول ألا يقسر من له علاقة بهم على ما ورثه هو ممن سبقه، أو آمن به وألزم نفسه بالسير وفق المنهج الذي ورثه، وهذا يقتضي بالتالي البحث عن أساليب تتوافق مع مفاهيم هذا العصر وآدابه ومتطلباته وليس ما كان عليه الآباء حتى وإن كان صالحا ومناسبا في حينه، ولهذا يجب على كل من يتولى مسؤولية أيا كان مستواها ألا يقسر من له علاقة بهم، بأن يلزمهم بالتعامل معه أو هو يعاملهم بمثل ما كان آباؤه يعاملون الآخرين به في زمانهم، لأنه إن أصر على ذلك سوف يصنع فجوة بينه وبينهم يستحيل تجسيرها، ويصنع حواجز عميقة تحول بينه وبينهم، فتنقطع سبل التواصل، عندئذ تتهيأ مناخات القطيعة وما يتبعها من مكائد وشكوك وظنون وتخوين وغيرها من عناوين التوتر النفسي التي تزيد العلاقات سوءا. 

للأمس آدابه وأساليبه في التسيير والتنظيم والاستماع إلى آراء الآخرين ومعالجة الأخطاء، كما كان للأمس حاجاته ومتطلباته التي تختلف جذريا عما نشاهده ونلمسه في هذه الأيام، وبالتالي فإن الحكمة تقتضي التكيف مع أدبيات هذا العصر ومتغيراته، والبحث عن أساليب جديدة تتوافق مع حاجات الناس وترتقي إلى طموحاتهم، أما الإصرار على ما كان عليه الآباء من أساليب موروثة وفق منطوق الآية الكريمة 22 من سورة الزخرف بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ لم يعد مناسبا ولا نافعا لأن العقليات إختلفت، والمتطلبات تنوعت وتعقدت. 

إن مقولة: إنا وجدنا آباءنا على طريقة وإنا على آثارهم سالكون ومتبعون ومقتدون ليست اليوم معقولة ولا مقبولة، لأنها لا تتوافق مع متغيرات العصر، ولا تصدق على واقعه، ولا يصح الركون إليها لأن مفاهيم الناس وأساليب التعامل معهم تتطلع إلى الجديد والتجديد. 

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. عبد الله المعيلي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*