الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » قضايا المرأة.. وضرورة وعي المرحلة

قضايا المرأة.. وضرورة وعي المرحلة

كان المنافقون يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يعلم بما أطلعه الله عليه أنهم يكيدون له، ويبطنون الكفر ويظهرون الإسلام نكاية بدعوته، وتحريضاً عليها، وتأليباً للناس عليه هو وصحابته الكرام، فجاءه الصحابة وقالوا: يا رسول الله لم لا تقتل هؤلاء المنافقين؟ فقال: “لا أفعل، حتى لا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه”، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤسس منذ البداية لفكرة سياسية مصلحية عقلية تنظر إلى تقدير المفاسد والمصالح، ويعطي درساً عظيماً في كيفية “تحسين الصورة الذهنية للأمة” في مقابل (الناس) الذين كانوا يمثلون الأمم التي لم تدخل في دعوته عليه الصلاة والسلام.

لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ينطلق من القناعة الخاصة في تنفيذ ما يراه حقاً بعيداً عن ترصد الناس ونظرهم له ولدعوته، بل كان يعتبر الصورة التي ترسم عنه وعن دعوته وصحابته، فيترك ما يراه حقاً في سبيل الحفاظ على الصورة النقية، وخاصة في القضايا “الملتبسة” التي تقرأ من أكثر من زاوية، فهو يقتلهم لأنهم منافقون مناهضون له ولدعوته، والناس تنظر إلى أنهم جزء من أصحابه، فكيف لنبي أن يقتل أصحابه؟ 

أردت من هذا التأسيس للرؤية المصلحية الشرعية أن أشير إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أدرك اللحظة التاريخية التي يعيش فيها وتعيش فيها دعوته، وكان لا يعتبر رؤية من آمن به فقط، بل حتى رؤية من لم يؤمن به، ويحاول أن يقدم نفسه بأحسن صورة وأبهاها حتى لو ترك بعض ما يعتقد بأنه ممارسة صحيحة مثل (قتل المنافقين) أو (هدم الكعبة وبنائها على قواعد إبراهيم) فقد ترك هذا، لأنه كان يرى (أن قومه حديثو عهد بجاهلية). 

فقد قال لعائشة: “يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيا وبابا غربيا، فبلغت به أساس إبراهيم”.

إن ملف “المرأة” في السعودية من ضمن ملفات كثيرة ترصد، فقضايا “الحقوق” و”الحريات” و”الأقليات” كلها ملفات حاضرة في المنظمات الحقوقية العالمية، وهؤلاء ليسوا أهل نزاهة دائماً في استعمال هذه الملفات، بل هي ملفات “مسيسة” لتحقيق مآربهم السياسية، وتحديد علاقاتهم الدبلوماسية مع الدول، ولربما بنيت قرارات كبرى وتاريخية بناء على هذه الملفات، فكيف يمكن التعامل معها في ظل التغيرات الكبرى التي تشهدها المنطقة؟ 

وهل يمكن أن نمرر قناعات فئة لها رؤيتها الخاصة فيما يتعلق بوضع المرأة بعيداً عن “الصورة الذهنية” التي ترسم ضد المملكة العربية السعودية في المحافل الدولية، والتي تركز على أن المرأة في السعودية ينقصها الكثير من الحقوق المدنية والسياسية، وأن هناك طرحا متطرفا يحاول فرض رؤيته على وضعها، وأن وضع المرأة في السعودية ليس منفصلاً عن البيئة التي تراها المعاهد ومراكز الدراسات الغربية والتي يرتبط بعضها بمراكز القوى السياسة في الغرب بأنها بيئة حاضنة للإرهاب والعنف والتطرف والإقصاء والتبشير بـ(الصراع الحضاري) مع الغرب وخاصة بعد أحداث 11/ 9 ووجود مجموعة كبيرة من المهاجمين، إضافة إلى عملية الرصد للخطاب الديني في السعودية والتي يرونها خطابا تحريضيا عنيفا؟ 

كيف يمكن لنا أن نواجه مثل هذه الرؤى؟ وكيف يمكن لنا أن نصحح الصورة الذهنية في تقديم البراهين والأدلة على أننا نكرم المرأة ونعطيها كافة الحقوق ونوضح لها كافة الواجبات، وخاصة في تلك القضايا التي يختلط فيها الديني بالاجتماعي، أو تكون من المسائل القابلة للنظر والاجتهاد والتي لا تخالف محكمات الشريعة وقواعدها الكبيرة وقطعياتها المعتبرة، والتي هي مدار صراع وخلاف بين الفرقاء ما بين محافظين ومتشددين في بعض القضايا، وبين منفتحين يدفعون باتجاه إعطاء فرصاً أكثر للمرأة في السعودية وخاصة في سوق العمل والتوظيف والمشاركة الاجتماعية؟

إن المسؤول ينظر إلى أوضاع المجتمع نظرة تختلف عن نظرة المثقف أو الداعية أو العالم، فهو يقرر من خلال اعتبارات وموازنات كثيرة، ينظر إلى سياق ونسق المجتمع الثقافي، ولا يهمل الوضع العالمي وقضاياه، ويحاول أن يسدد ويقارب، ويحتاج في أحيان كثيرة إلى القرار الذي يحقق المصلحة الشرعية والدنيوية بحزم وعزم وإقدام لتتم المحافظة على كينونة الدولة وسلامتها من المخططات التي تريد بالمجتمع شراً، وهذا يحتاج إلى انفتاح ومشاركة ومكاشفة للمعنين بأمر المجتمع، وسماع وجهات النظر المختلفة، والحوار الذي يبين ما قد يخفى على بعض الممانعين لكثير من القرارات والتي تقتضي المصلحة تمريرها سواء كانت المصلحة داخلية أو خارجية.

————–

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- بدر بن سليمان العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*