الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حتى لا تقودنا الديمقراطية العربية إلى المنافي

حتى لا تقودنا الديمقراطية العربية إلى المنافي

انتهت الانتخابات الأمريكية، وفاز الرئيس الديمقراطي باراك أوباما بفترة أو ولاية رئاسية ثانية وأخيرة، وفق الدستور الأمريكي، على حساب المرشح الجمهوري ميت رومني.

كانت هذه الانتخابات هي الأطول والأشرس في التاريخ السياسي الأمريكي، مثل ما كانت الأكثر إثارة وكشفاً لحالة الانقسام الفكري والسياسي الذي يسود المجتمع الأمريكي.

تابع العالم كله مجريات الانتخابات الأمريكية، وتابعها كذلك جمهور الوطن العربي، بشرائحه، ونُخبه، وأطيافه، ومرجعياته، وعلى وقعِ عِلاَّته ومشكلاته، وأزماته وصراعاته. وتفاعل أكثر مع شفافية نظام وآلية الانتخاب والتصويت، وثقافة احترام النتائج، وقبول الخاسر لخيار الناخبين.

هذه الثقافة الفكرية والسياسية تتمحور حول مبادئ “احترام القانون” وأنَّه فوق الجميع، وفي مقدمتهم السلطة التنفيذية بكل مؤسساتها ورجالها وأدواتها القائمة، بما جعل من مصطلحات: التزوير والتلاعب في نتائج الانتخابات، غير واردة إطلاقاً في القاموس السياسي الأمريكي، حتى في أشدِ حالات التجاذب والصراع والانقسام السياسي. فكان من الطبيعي والأمر كذلك أن يخرج المرشح الخاسر لمخاطبة مناصريه، ليُقر بخسارته، ويتصل بخصمه مهنئاً، بلْه ويقول إنه سيصلّي للرئيس، داعياً الأمريكيين للصلاة له .

لم يكن هذا المكتسب الثقافي عالي القيمة، وليد لحظة زمنية معينة، أو قرارا رئاسيا، بقدر ما كان نتاج سلسلة من المبادرات الإصلاحية لمحتوى النظام السياسي والاجتماعي الأمريكي، الذي كان يئن تحت وطأة مظاهر الكراهية والعبودية، وسياسات الفصل والتمييز العنصري والعرقي، بكل إفرازاتها المريرة، التي لا تزال عالقة بندوبها وشروخها على جدار الذاكرة الأمريكية والعالمية.

من رحِم هذا النظام العنصري المعِوج، انطلقت جهود المصلحين والعقلاء المؤمنين بحقوق الإنسان وحرياته، لتغيير هذه السياسات والثقافات الظالمة، وإصلاح النظام السياسي والاجتماعي الأمريكي، عبر خطوات متدرجة ومتصاعدة خلال القرنين الماضيين، وصولاً إلى نظام يخدم تنوع المجتمع الأمريكي، ويكفل حق الممارسة السياسية لكل الأمريكيين دون النظر إلى أصولهم العرقية أو الاجتماعية.

وبالأمس القريب قطف الأمريكيون ثمار هذا التناغم المطّرد في الثقافة والفكر السياسي والاجتماعي بانتخاب” باراك أوباما ” ذي الأصول الأفريقية لقيادة أقوى دولة عالمية، في لحظة تاريخية فارقة. كما قطف الأمريكيون ثمار المساواة السياسية في الحقوق والواجبات، فكان ذلك الحضور القوي والمؤثر في المشهد السياسي الأمريكي للناخبين المحسوبين على الطبقة الوسطى، والأمريكيين من أصول أفريقية ولاتينية وكوبية، وحتى عربية، في موازاة اللوبي اليهودي، واليمين الأمريكي المتطرف، ورأس المال الذي تقوده الشركات ومؤسسات الأعمال، الداعم التقليدي للحزب الجمهوري.

كلمة أخيرة:

لا يوجد على المستوى المجتمعي الكلي، على الأرجح، ما يمكن تسميته بالديمقراطية الكاملة، إذ تظل أدواتها وآلياتها منقوصة، ولو بدرجات متفاوتة. ولكن من المهم جداً أن تتوفر على الأقل ثقافتها الأساسية، وهي البيئة القانونية والتشريعية الحاضنة لها، التي تحفظ لقواعد هذه اللعبة عنفوانها وشفافيتها، بعيداً عن الممارسات الخاطئة، والمصالح الضيقة. والانتخابات الأمريكية رسالة لكل النُّخب السياسية والفكرية في دول الربيع العربي، بمرجعياتها المتباينة، بأن لا تجعل من لعبة الديمقراطية أداة لتصفية الحسابات، والعبث بإرادة الشعوب، وتخوين هذا الطرف أو ذاك. وإلا فإنَّها ستقود بعض اللاعبين إلى السجون، والبعض الآخر إلى المنافي، مثل ما ستؤدي إلى تراكم الاحتقان السياسي والاجتماعي، بمفاعيله الخطيرة على ديمومة الاستقرار، والنهوض الاقتصادي المنشود.

حكمة: رُبَّ هِمّةٍ أحيتْ أُمّة

———–

نقلاً عن الرياض

-- د. عبد المجيد بن محمد الجلاَّل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*