الخميس , 8 ديسمبر 2016

من البديل في إيران؟

النظام الحاكم في إيران نظام هش في طبيعته، لأنه نظام لا يتعلق بهذا العصر، ولا يستطيع تحقيق متطلبات شعب ذي تاريخ تليد وحضارة إنسانية عريقة، فكان من المفترض أن يتهاوى جراء الأعاصير التي عصفت به خلال أكثر من ثلاثة عقود.. لكنه بقي هذه الفترة الطويلة لعدة عوامل نذكر منها:

– أولها؛ استخدام القمع الوحشي ضد معارضيه السياسيين، حيث بلغت حصيلة قمعه أكثر من مائة ألف إعدام سياسي، وارتكاب أكبر المجازر بحق السجناء السياسيين من أعضاء وأنصار منظمة «مجاهدين خلق» عام 1988 وأعدم منهم ما يقارب ثلاثين ألف سجين. كما استخدم أبشع صنوف التعذيب الهمجي وبشكل منهجي ضد مئات الآلاف من السجناء. وقد ذكرت عدة مرات أن النظام الإيراني، الذي يدعي الإسلام ويسمي نفسه نظاما إسلاميا، قتل أكبر عدد من المسلمين في التاريخ الحديث.

– العامل الثاني؛ هو أن الغرب بشكل عام؛ والولايات المتحدة الأميركية بشكل خاص، تعامل مع هذا النظام وكأن له الحق في انتهاك جميع المواثيق الدولية في مجال حقوق الإنسان والاعتداء على سيادة الدول الأخرى وتصدير الإرهاب. هذه المسايرة أدت إلى تجرؤ نظام الملالي على ارتكاب مزيد من الجرائم الإرهابية ضد المعارضين الإيرانيين وضد أتباع الدول الأخرى. ويمكن القول إن قمة هذا التعامل الشائن تمثلت في إدراج اسم المعارضة الرئيسية، منظمة «مجاهدين خلق» الإيرانية، في قائمتي الإرهاب الأميركية والأوروبية وغيرهما.

– العامل الثالث؛ هو أن الولايات المتحدة الأميركية ارتكبت أخطاء استراتيجية في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام؛ وخاصة في العراق وأفغانستان، وبذلك وفرت لنظام الملالي جني أرباح لم يكن يحلم بها في المنام.. ففي العراق، قامت أميركا باحتلال هذا البلد العربي، ثم وضعته على صينية فضية وقدمتها للملالي الحاكمين في إيران.

لكن الآن نرى أن هذا النظام أصبح محاصرا بدوامة من الأزمات الخانقة؛ فمن جهة يواجه أزمة دولية كبيرة بسبب تماديه في مواصلة مشروع السلاح النووي، حيث أدى هذا التمادي إلى صدور عدة قرارات من مجلس الأمن الدولي وفرض العقوبات الاقتصادية عليه، ويخاف النظام أن تؤدي العقوبات إلى مظاهرات وانتفاضات شعبية ضده، فمن الواضح أن الشعب الإيراني لا يريد القنبلة النووية؛ بل يريد الحرية والديمقراطية ولقمة العيش والرخاء الاقتصادي والرفاهية.

ومن جهة أخرى، يرى النظام الإيراني أن حليفه الاستراتيجي الوحيد طوال ثلاثة عقود، النظام الحاكم في سوريا، في مهب إعصار الانتفاضة الشعبية والمعارضة المسلحة. ومع أن إيران الملالي لم تدخر أي جهد لمساعدة النظام في سوريا بالمال والسلاح والتقنية وتجارب القمع والقتل ومشاورات القيادة الميدانية.. لكن يبدو أن الشعب السوري قد أراد الحياة. ولا شك أنه بسقوط بشار الأسد يفقد النظام الإيراني إحدى ذراعيه، وبعد ذلك، لن يستطيع الاستمرار في التحكم بمصير لبنان واللعب بالقضية الفلسطينية وغيرهما.

من جهة ثالثة، يتهيأ النظام لإجراء انتخابات الرئاسة في شهر يونيو (حزيران) من العام المقبل، ومع أن الجميع يعرفون أن لا فائدة من الانتخابات في ظل نظام ولاية الفقيه والاستبداد المطلق، فإن التجربة تقول إن أبناء الشعب يستفيدون من تصاعد حدة الصراعات الداخلية بين أقطاب النظام ويقتحمون الشوارع كما فعلوا عام 2009 وتحدوا كيان النظام، فترتعد أوصال زعماء النظام من الآن لما يمكن أن تؤول إليه الانتخابات المقبلة. لذا نرى أن خامنئي بدأ من الآن يتهجم على أحمدي نجاد والآخرين من زعماء نظامه ويصف الصراع العلني في ما بينهم بـ«الخيانة العظمي»!

– وفي هذه الحالة، يدخل عامل رابع أهم من الجميع، وهو شطب اسم منظمة «مجاهدين خلق» من القائمة الأميركية للإرهاب. فبعد 15 عاما، استطاعت هذه المنظمة من خلال التمسك بالمبادئ والتركيز على الأسس التي بنيت عليها الحضارة الغربية، أن تفرض حقها على القوة العظمى الأوحد في العالم. ولم يكن لدى الساسة الأميركيين والخارجية الأميركية نية الخضوع أمام مطلب جماعة معارضة إيرانية ترفض الاستسلام أمام الهيمنة الأميركية وغير مستعدة لقبول موازنة القوى كمبدأ. وصرح بيان الخارجية الأميركية الذي أعلن فيه خروج «مجاهدين خلق» من القائمة، أن عملية الشطب جاءت بسبب حكم المحكمة وليس من منطلق تغيير السياسة حيال النظام الإيراني. ومع أن صحيفة «نيويورك تايمز» كتبت قبل أيام أن إدارة أوباما ومنذ اليوم الأول من رئاسته كانت في مفاوضات مع النظام الإيراني، ويمكن أن تستمر هذه الوتيرة في الولاية الثانية أيضا، لكن لفهم مدى أهمية خروج «مجاهدين خلق» من القائمة يجب أن نرى أن النظام الحاكم في إيران استشاط غضبا من هذا التطور. وقد دخل القاصي والداني ابتداء من خامنئي وجميع أقطاب النظام إلى الساحة لإدانة هذه العملية والتهجم على أميركا.

ولا شك أن هذا الخوف ينبئ عن واقع أن هذه المعارضة هي معارضة حقيقية وهي البديل للنظام الحاكم في إيران، وعندما يتم فك القيود من على هذه الحركة، فإن النظام يشعر بالخطر.

ومن الغريب في الأمر أنني سمعت أنه بعد صدور حكم المحكمة الأميركية لصالح «مجاهدين خلق» وبعدما علا صوت المطالبين بشطب «مجاهدين خلق» من قائمة الإرهاب، فإن 37 شخصا من الإيرانيين – الأميركيين أصدورا بيانا حذروا فيه الحكومة الأميركية من شطب «مجاهدين خلق» من القائمة، زاعمين أن هذه العملية تضر بالحركة الديمقراطية في إيران! وبعد دراسة الموضوع والتساؤل من المتابعين في الشأن الإيراني، ظهر أن هؤلاء منتمون أو مؤيدون لما سمي «الحركة الخضراء»، وأنهم يخافون من شطب اسم حركة المعارضة الرئيسية للنظام من قائمة الإرهاب. ولا يمكن وصف هؤلاء إلا بأنهم ذيل وامتداد للنظام الإيراني، أو بالأحرى من النظام نفسه، لكنهم يعملون بوصفهم مجموعة ضاغطة تعمل في أميركا من أجل مصالح النظام الإيراني.

ونحن العرب والمواطنين في العالم الثالث لدينا هذه التجربة، حيث إن الأنظمة الديكتاتورية المتسلطة عندما تشعر بالخطر من الشعب ومن المعارضة الحقيقية، فإنها تعمل من أجل دخول بعض المنتمين إلى النظام حلبة الصراع رافعين شعارات مشابهة لشعارات الشعب، وذلك بهدف سحب البساط من تحت أقدام المعارضة الحقيقية والشعب معا ومن أجل الحفاظ على كيان النظام.

وهذا ما حدث في إيران عام 2009؛ فالمظاهرات التي اندلعت على أثر الانتخابات الرئاسية والانتفاضة الشعبية تحولت بسرعة إلى حركة مطالبة بتغيير حقيقي ورفض النظام الحاكم.. هنا أعلن النظام أن هذه الأحداث تقف خلفها منظمة «مجاهدين خلق»، كما أعلن زعماء ما يسمى «الحركة الخضراء» أن «هذه الشعارات وهذه الحركات العنيفة لا علاقة لنا بها»، وفي المقابل، بدأوا الهجوم على «مجاهدين خلق».

من هنا، أدرك الشعب الإيراني أن من يتقمص بالأخضر لا يريد سوى بقاء النظام، وأن الطرف الذي يريد مواصلة النضال حتى التخلص من نظام القهر والاستبداد هو حركة المقاومة الإيرانية.

 

* رئيس وزراء الجزائر سابقا رئيس اللجنة العربية – الإسلامية للدفاع عن سكان معسكر «أشرف»

——————-

نقلاً عن الشرق الأوسط

-- *سيد أحمد غزالي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*