السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » عسكرة لنجة.. حاضرة عرب الضفة الشرقية للخليج

عسكرة لنجة.. حاضرة عرب الضفة الشرقية للخليج

في خطوة تصعيدية، الغرض منها الهروب من أزماتها الداخلية والخارجية المتفاقمة بتهديد دول الجوار العربية وتعزيز احتلالها الجزر الإماراتية الثلاث (أبو موسى وطنب الصغرى وطنب الكبرى)، أقدمت طهران أخيرا على تدشين قاعدة عسكرية في ميناء لنجة على الساحل الفارسي المواجه لمضيق هرمز، تحت اسم “قاعدة الإمام محمد الباقر”، لتعسكر بهذا الميناء الهادئ البعيد عن الصخب والضجيج، وتجعله خط النار الأول في أية مواجهة بحرية إذا ما اندلعت حرب جديدة في الخليج.

ولمن لا يعرف لنجة من الإخوة القراء غير الخليجيين، فإنها مدينة على ساحل الخليج العربي، وجزء إداري من محافظة هرمزكان التي تمتد على سواحل الخليج بطول 187 كيلو مترا وبمساحة 7.7 ألف كيلو متر مربع تقريبا، وعدد من السكان يبلغ 1.5 مليون نسمة. وتحد هذه المحافظة الإيرانية، التي تشتمل على أرخبيل من الجزر الكبيرة والصغيرة (من ضمنها جزر الإمارات المحتلة الثلاث) من الشمال محافظة كرمان، ومن الشرق محافظات سيستان وبلوشستان، ومن الغرب محافظات فارس وبوشهر، ومن الجنوب بحر عمان وخليج العرب. وتعتبر لنجة بوابة الدخول إلى بر فارس السني، حيث تقطن الأقوام والقبائل ذات الجذور العربية (مثل المرازيق والمناصير وبني حماد وآل بشر وآل بوسميط وآل علي وآل عبيدلي وغيرها) ممن اضطر الكثيرون من أبنائها للنزوح إلى دول الخليج العربية في هجرات متتابعة منذ القرن التاسع عشر بحثا عن الرزق أو هربا من الاضطهادين المذهبي والعرقي.

وهذه المنطقة التي استوطنتها القبائل العربية منذ عصور ما قبل الإسلام، ظلت -طبقا للرحالة الدانماركي “كارستن نيبور”- مستقلة لمدة طويلة عن السيادة الإيرانية، وحافظ أهلها على لسانهم وزيهم العربي وعاداتهم وأنماط مساكنهم العربية، مكتفين بامتهان أعمال الصيد البحري ونقل البضائع ما بين الساحلين العربي والفارسي للخليج، إلى أن رسم نادر شاه الإفشاري خطة لتفريس المنطقة بالقوة عبر نقل سكانها العرب بعيدا إلى بحر قزوين وإحلال الفرس الشيعة مكانهم. غير أن هذه الخطة لم تنجح تماما بفضل صمود العرب السنة من أهل لنجة وما جاورها من مقاطعات مثل بندر عباس، وأبو موسى، وجاسك، وخمير، وقشم، أو بلدات مثل بستك، وجناح وكوخرد، وباغ، وجارك، وغابند، وكنك، ومغوه، ودركهان، وهشتبندي، ولاور، وكلدار، وبوجير، أو قرى صغيرة مثل تشاه مسلم، وتشاه عبد الرحمن، وبستانة، وسورو، وجنكل، وديوان، ودزكان، وكندران، وشناص، وبيسة.

والمعروف أنه في العصور الحديثة، كما تروي المصادر التاريخية المختلفة، سيطر أبناء عمومة القواسم من حكام إمارتي الشارقة ورأس الخيمة الحاليين على أراضي لنجة وتوابعها بدءا من 1750، وخاضوا معارك بحرية شرسة للدفاع عنها في مواجهة الغزوات البرتغالية والهولندية، ومحاولات الفرس من جهة وحكام عمان الإباضيين من جهة أخرى بسط سيطرتهم عليها.

ولعل أشهر حكام لنجة من القواسم هو الشيخ خليفة بن سعيد بن قضيب القاسمي الذي تولى حكمها من 1820 حتى وفاته في 1874، حينما خلفه ولده الصغير علي الذي فـُرض عليه وصي سيئ اسمه محمد يوسف. فانتهزت الحكومة الإيرانية هذا الوضع للتدخل في شؤون لنجة وفرضت ضرائب باهظة على سكانها ممن لم يستطيعوا أداءها وفضلوا الهجرة إلى المشيخات العربية الواقعة على الضفة الأخرى من الخليج، خصوصا أن الأخيرة كانت تشهد وقتها ازدهارا في تجارة التجزئة واللؤلؤ. ولم يكتف الإيرانيون بفرض الضرائب، إنما عاودتهم أحلام نادر شاه في السيطرة التامة على لنجة وتغيير هويتها العربية، فشجعوا الوصي محمد بن يوسف على التخلص من الحاكم علي بن خليفة القاسمي قتلا، متعهدين للأول بتعيينه حاكما بديلا. وقد تم بالفعل تنصيب محمد بن يوسف حاكما على لنجة في 1878 بعدما نفذ ما طلب منه، لكنه لم يهنأ بالسلطة طويلا. إذ قتله بعد سنوات قليلة قضيب بن راشد القاسمي الذي تولى الحكم من بعده. وحاول الأخير الاستقلال بلنجة عن الحكومة المركزية الإيرانية بدعم من حكام رأس الخيمة والشارقة القواسم. إلا أن المقيم البريطاني في بوشهر حذر حكام هاتين المشيختين من الاشتراك في ذلك النزاع، الذي سوي بشكل مؤقت بموجب اتفاقية وقعت في 1885 اعترفت فيها إيران بحكم الشيخ قضيب مقابل ضريبة سنوية قدرها 190 ألف قران إيراني.

لكن الاتفاقية لم تنه حالة التوتر في العلاقات بين الإيرانيين وحكام لنجة القواسم. إذ سرعان ما تراجع الإيرانيون، بعد موت الشيخ قضيب في 1895 وتولى الشيخ محمد بن خليفة بن سعيد بن قضيب الحكم، عن تعهداتهم بكف اليد عن لنجة وأهلها. حيث عادوا إلى التعامل بقسوة مع القواسم ورعاياهم من عرب لنجة وبر فارس العربي، وذلك من خلال إرسال أحد قادتهم العسكريين الغلاظ (حاجي أحمد خان دريابيكي الشهير بأحمد خان كبابي) على رأس حملة عسكرية.

واستطاع دريابيكي المعروف بقسوته وظلمه أن يلحق الهزيمة بجيش الشيخ محمد بن خليفة القاسمي رغم استبساله وصموده لعدة أيام. ولم يكن لدريابيكي أن ينتصر لولا تحايله وتآمره وتجسسه على القواسم الذين أحسنوا الظن به وأكرموه كعادة كل العرب، ناهيك عن مناصرة الإنجليز والأقلية الشيعة في لنجة له. ولما رأى الشيخ محمد الفظائع والمجازر وأعمال التخريب والاغتصاب التي يرتكبها دريابيكي بأهل لنجة، آثر أن يغادرها إلى الشارقة رحمة بأهلها من العرب السنة. وهكذا طويت في 1898 صفحة حكم العرب للنجة التي دامت نحو 150عاما، وبدأت حقبة السيادة الإيرانية عليها، علما بأن السنوات الأولى التالية مباشرة لانتهاء حكم القواسم في لنجة كانت أمورا تــُدار من الباطن بأيادي الإنجليز.

إن التاريخ ليس مجرد حكايات تروى فقط، إنما أحداث تستفاد منها بالدروس والعبر، لذا فإننا لم نسرد ما سردناه هنا من وقائع تاريخية اعتباطا، إنما لنؤكد من خلالها حقائق عدة: أولها: أن الأطماع الفارسية في أراضي العرب وممالكهم قديمة جدا وليست وليدة اليوم أو وليدة ظهور النظام الفقهي الحالي في طهران، وهو ما يتجدد الآن في تصريحات وتهديدات ملالي طهران وقادة حرسهم الثوري، وثانيتها: أن الفرس لم يحترموا يوما تعهداتهم إزاء شركائهم في بحيرة الخليج، إنما كانت أطماعهم تدفعهم دوما للتخلي عما وقعوا عليه، وهو ما لاحظناه في السنتين الأخيرتين حينما عادت الأبواق الرسمية وشبه الرسمية الإيرانية إلى المطالبة بالبحرين، دونما احترام للاتفاقيات والقرارات الدولية الخاصة بإعلان البحرين وطنا عربيا مستقلا (قرار مجلس الأمن الدولي رقم 278 لعام 1970). أما الحقيقة الثالثة: فهي أن القوى الغربية مثل بريطانيا العظمى ساهمت تاريخيا بصور مختلفة في تشجيع الإيرانيين على الإضرار بالحقوق والسيادة العربية، وهو ما تقوم به اليوم مجددا بريطانيا ومعها الولايات المتحدة عبر اصطفافهما مع عملاء إيران في دول الخليج العربية، وتشجيعهم على ممارسة الفوضى والخروج على الأنظمة الشرعية تحت شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان.

————

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد الله المدني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*