الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التربية الدينية.. القصد الخالص من الدعوة

التربية الدينية.. القصد الخالص من الدعوة

لأني أردد قول الشاعر:

ولم أجد في عيوب الناس عيباً***كمثل القادرين على التمام

فإني بما ذكرته سابقاً أبتغي قرب الكمال لمناهجنا الدراسية عامة، ومناهج التربية الدينية خاصة.

صورة المقررات على ما هي عليه مع ما حدث في الإخراج والطباعة من تطوير لا يزال مضمونها قاصراً، وتركيزها مستمراً على الموضوعات نفسها منذ عشرات السنين إلى اليوم، وهذا قد يقود إلى فصام غير محمود بين الدين والمتدينين

إن مما لاحظته أيضاً أن في المنهج تكرار بعض الموضوعات لأكثر من سنة دراسية لا حاجة إلى تكراره، مثل تكرار الوضوء وصفاته وغير ذلك، صحيح أن في كل سنة تفصيلاً أكبر، لكن الحاجة إلى هذا التفصيل نفسه محل نظر، ويحسن في مثل هذه الموضوعات المكررة الاكتفاء بجملة من المعلومات المناسبة لأعمار التلاميذ، وأن يستبدل بالقدر المكرر توجيهات خلقية من القرآن والسنة تفيد التلميذ في حياته كلها.

ولذلك يجب أن يعاد النظر في مفردات المنهج، وفي مواضع التكرار فيه؛ ليستفاد من الوقت الذي ينفق في دراسة المكررات في تدريس ما ينقص المناهج الحالية من قيم الإسلام وآدابه وأحكامه، ومن ربط بين الدين والحياة بطريقة عملية تجعل تصور الطلاب لدينهم تصوراً صحيحاً نافعاً يستشعرون معه عظمة الإسلام في كل عمل يقومون به أو يمتنعون عنه.

في المنهج موضوعات تخصصية دقيقة لا يمكن أن يكفي وقت المنهج ولا استعداد الطلاب في هذه السن للإحاطة بها.

ولننظر إلى باب الزكاة المقرر على طلاب السنة الثانية المتوسطة وأعمارهم تتراوح بين (13و14 سنة) نجد أنه يصعب فهمه على الكبير فضلاً عن الصغير؛ ففيه ذكر للسائمة من بهيمة الأنعام – وتفصيل مقدار نصاب كل منها وما يجب فيه من زكاة – وذكر الركاز (وهو ما وجد من دفن الكفار من أهل الجاهلية) مع أن ذكر هذه الأمور لا نعتقد أن الطالب في حاجة في مثل هذا العمر إليه – ويكفي أن نذكر له الزكاة، مؤكدين على أنها ركن من أركان الإسلام جاءت بعد الصلاة مباشرة، وأنها مفروضة على كل الأموال، عروض التجارة وغيرها، ونكتفي بما الناس في أمس الحاجة إلى معرفته.

ومثال ذلك: ما كان من موضوعات الخيار والعقود والمسماة الجعالة والغصب، والعول، والرد، والوارثون وأنواعهم في منهج الفقه للمرحلة الثانوية، فهي تتحدث عن مسائل تتسم بالدقة الفقهية البالغة التي لا يمكن الإحاطة بتفاصيلها الفقهية من طالب عمره أربعة عشر عاماً أو خمسة عشر عاماً، وحين تقع سيجد من يفتيه فيها، وهو بالقطع لن يحتاج إليها في أثناء الدراسة، ولن يعود إلى كتاب الفقه لمعرفة حكمها إذا احتاج إلى معرفة لها بعد الدراسة.

إن التطور المحلي والعالمي، وتطور الصلة بين المملكة العربية السعودية والعالم بوجه عام، والعالم الإسلامي والعربي بوجه خاص، وسهولة المواصلات والتنقل والاتصال، وعالمية وسائل الإعلام بما تحمل من قيم ونوازع ونزعات، وتغير أنماط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، ودخول جديد من هذا الأنماط في نطاق تعامل الناس كل يوم تقريباً.. إلى آخر ذلك. كل ذلك يفرض بالضرورة تطوير المناهج بعامة ومناهج التربية الدينية بخاصة، بحيث يستجيب التعليم لحاجات الإنسان المعاصر، وبحيث تحاول المناهج أن تعطي الطالب في مرحلة التعليم العام مفاتيح العيش المتكافئ في المحيط الذي يخرج إليه عند انتهاء تعليمه، خاصة أن الإنسان بإمكانه الاستزادة من أي معارف في أي مجال باستخدام ما نعرفه من الوسائل الإلكترونية الحديثة.

إن صورة المقررات على ما هي عليه مع ما حدث في الإخراج والطباعة من تطوير لا يزال مضمونها قاصراً، وتركيزها مستمراً على الموضوعات نفسها منذ عشرات السنين إلى اليوم، وهذا قد يقود إلى فصام غير محمود بين الدين والمتدينين، يغذي نبتتين خبيثتين – إذا ما حدث – نبتة الغلو والتطرف، ونبتة الالتفات عن الدين والتدين، وكلتاهما أمر غريب على الفطرة، مكروه في مجتمعنا المسلم المعتز بدينه، ويجب أن نعمل ليظلا كذلك ولتكون الكلمة العليا – في تكوين الفرد الصالح الذي هو عماد هذا المجتمع الصالح – لدين الحق الذي جعل الله أمته أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس.

وحين أتحدث عن تطوير المقررات لمواد التربية الدينية فإن ذلك ناتج من أن تطوير المواد الدراسية الأخرى لا يقابل من العنت تجاه تطويرها مثل الذي يلقاه السعي إلى تطوير مقررات التربية الدينية، ومع كل المحاولات التى بذلتها ومعي غيري من ذوي الاختصاص شارحين أن السعى إلى ترسيخ المُثل والقيم الإسلامية في نفوس الناشئة له الأولوية على ما عداه لم تتحقق الغاية من ذلك السعي، وذلك نتيجة رؤية مخالفة لما يجب، وهي رؤية أصحابها مؤثرون، وترى ضرورة التمسك بما هي عليه المناهج والمقررات الآن.

وفقنا الله جميعًا إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.

————

نقلاً عن الرياض

-- محمد بن أحمد الرشيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*