الإثنين , 5 ديسمبر 2016

وفيكم سمّاعون لهم

لا أظنه يخفى على من لديه أدنى اطلاع على تاريخ الأمم والدول والشعوب، سيما ما حدث من فتن ومصائب في تاريخ الدول الإسلامية منذ عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فمن جاء بعدهم، أن من أكبر أبواب هذه الفتن التي وقعت بسببها الشرور وأريقت بسببها الدماء وتمزق جسد الأمة الإسلامية، باب الطعن في الولاة والأمراء والعلماء وذوي الفضل وأهل الحل والعقد، وإيغار صدور عموم الناس عليهم.

لا أظن من لديه أدنى عقل يخفى عليه أن من بين صفوفنا من يسعى لتمزيقها، وممن يعيش على أرضنا ويظهر النصح لنا من يبذل كل جهده في تحول أمننا إلى خوف، واستقرارنا واجتماعنا إلى فرقة وقلاقل

ومما يؤسف له وفي ذات الوقت يستدعي إعادة النظر والتأمل، أن أول من يسعى إلى تأجيج الفتنة وإيقاد نارها هم المنافقون وأعداء الأمة والدولة، ولكنها لا تستعر ويتطاير شررها وتفعل فعلها القبيح في الأمة إلا إذا تلقفها بعض العبّاد والزهاد والمعروفين بالديانة من قليلي العلم والفقه، وكان شعار هذه الفتن والطعن في الأمراء والعلماء ووجوه الدولة، هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فأصبحت هذه الشعيرة الإسلامية التي لا جدال ولا مراء في شرعيتها وأهميتها، غطاء وذريعة لإفساد أمر المسلمين وشق عصاهم وبث روح الفرقة والشقاق بينهم. وأصبح بعض المعروفين بالفضل والدين وقوداً لهذه الفتنة وقائمين على تأجيجها، بحسن نية وقلة علم وضعف بصيرة.

وفي مثل هذه الأحداث تعظم الحاجة وتشتد إلى العلماء الربانيين الراسخين في العلم. ولعل أول من أسس لمنهج الطعن في الأمراء والعلماء واتخذ ذلك معبراً لجر المسلمين إلى أعظم فتنة عصفت بهم بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة، المنافق اليهودي (عبدالله بن سبأ) لعنه الله، الذي كتب إلى أعوانه بكتاب يقول فيه: “انهضوا في هذا الأمر، فحركوه وابدأوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر تستميلوا الناس وادعوهم إلى هذا الأمر”.

وفي عصرنا هذا رأينا ما هو أعظم مصيبة وأشد شراً، من خلال تسليم كثير من الناس عقولهم لمجهولين لا يعرف حالهم من الدين، ولا موقعهم من الفضل، وأصبحت الإشاعات وقالة السوء هي الرائجة عند من يتلقفون السوء ويفرحون بالقبيح، واختلط ذلك كله بدعاوى الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة للمسلمين. وساهم في سرعة انتشار قالات السوء هذه وسائل الاتصال والتواصل الحديثة على الانترنت.

وكما كنت في مقالي السابق أشرت إلى شيء من المضامين الكريمة العميقة والدلالات التي لا ينبغي المرور عليها دون تأمل، التي اشتمل عليها حديث خادم الحرمين الشريفين – أيده الله وأمده بالعافية والتوفيق – الذي ألقاه في أيام الحج في منى، وحذّر – أيده الله – من الفتن التي تحيط ببلادنا من كل جانب، فإن من المناسب في هذا اليوم أن أشير إلى حديث لفضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان كان جزءاً من محاضرة ألقاها فضيلته في الأيام الماضية قال فيه: “إن من يحرّض المجتمعات الخليجية على حكوماتها بدعوى أن بعض ولاة الأمر فيها لا تجتمع فيهم شروط الولاية، يدعو إلى فتنة وتحريض، وهو داعية شر وضلال، ولا صحة لقوله، لأن من ولي أمر المسلمين وهو مسلم، فإنه تجب طاعته في غير معصية الله، ويجب له ما يجب لولاة الأمر”.

وإشارتي اليوم إلى هذا الحديث من فضيلته للتنويه بمدى التطابق والتوافق بين قائد الأمة وعلمائها الناصحين، في تحذيرهم من الفتنة وحرصهم على منع الناس من الانزلاق فيها، وهو ما يجعل كل عاقل مدرك يحرص على حسن تلقي هذه النصيحة والتوجيه، والحذر من مخالفته لما يترتب على ذلك من شرور لا تحمد عاقبتها.

ولا أظن من لديه أدنى عقل يخفى عليه أن من بين صفوفنا من يسعى لتمزيقها، وممن يعيش على أرضنا ويظهر النصح لنا من يبذل كل جهده في تحول أمننا إلى خوف، واستقرارنا واجتماعنا إلى فرقة وقلاقل، ومثل هؤلاء لو أنهم لم يجدوا من يسمع لهم ويسلمهم عقله وينخدع بزيف دعاواهم، لما كان لهم أي أثر أو ضرر على الأمة، ولكن حين وجدوا من يتلقف شعاراتهم، ويظاهرهم في دعاواهم، ويكثّر سوادهم، زاد شرهم وعظم خطرهم، وهذا كما قال الله عز وجل عن المنافقين: (لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم، يبغونكم الفتنة وفيكم سمّاعون لهم والله عليم بالظالمين).

فأعوذ بالله أن نكون كمن قال الله فيهم من اليهود: (يخرّبون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، فاعتبروا يا أولي الأبصار).. أسأل الله سبحانه أن يحفظ علينا ديننا وأمننا ووحدتنا، وأن يمد بالعون والتوفيق ولاة أمرنا وعلمائنا، وأن يجمع شملهم ويوفقهم لما فيه صلاح أحوالنا آمين.

——————

نقلاً عن الرياض

* القاضي السابق في ديوان المظالم والمحامي حالياً

-- محمد بن سعود الجذلاني *

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*