الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مع الوهابية التاريخ يعيد نفسه

مع الوهابية التاريخ يعيد نفسه

سمعت أن الدكتور أنور عبدالله، نشر كتابين غير ما نحن بصدده الأول: العلماء والعرش: ثنائية السلطة في السعودية، والآخر كتاب: البترول والأخلاق في الجزيرة العربية. أما العنوان الذي صدرنا به هذا الحديث فهو أحد محاور الكتاب الذي أعرضه وهو: خصائص وصفات المجتمع السعودي – الوهابي: بحث سوسيولوجي – انثروبولوجي، للدكتور أنور عبدالله نشر مكتبة الشرق في باريس 2012م. جاء الكتاب في 250 صفحة من الحجم المتوسط، ويحتوي على ثلاثة فصول؛ الفصل الأول: خصائص وصفات المجتمع السعودي – الوهابي، والفصل الثاني: مجتمع الظواهر، والفصل الثالث: خلاصة التجربة الوهابية – السعودية. وملحق بعنوان: دروس من التجربة الوهابية – السعودية. هذه عناوين الفصول الرئيسة، وتحتها عناوين فرعية جاءت بصورة صدامية وتعميمية لا تمت للعلم والموضوعية بصلة.

تولد عندي حقيقة أن بعض الأكاديميين العرب المأزومين لا يتأثرون بالبيئة العلمية والمنهجية الغربية التي يعيشون في أكنافها، بل إنهم يطبقون ويتبنون ما يعيبونه هم على بعض القيادات العربية والفعاليات الدينية. فينسون الموضوعية، ولا يستندون إلى مصادر ومراجع كما في حالة الدكتور أنور عبدالله

يقوم الكتاب في مجمله على ثلاثة محاور: تكرر التجربة السعودية نفسها بنجاح، وهو ما سماه التاريخ مع الوهابية يعيد نفسه. والمحور الثاني جدلية الصحراء ويقصد بها معيشة الإنسان في جزيرة العرب وعلى الأخص في نجد ضمن وعاء صحراوي، وعاء بدوي جعلت من نجد النموذج المثالي للبداوة المهددة للحضارات. والمحور الثالث مجموعة صفات اختارها المؤلف وعممها على مجتمع السعودية. وهي صفات لا ضير منها، لكنها جاءت عنده من باب النقد السلبي والهجوم الغاضب بعناوين فرعية مبتذلة. مثل: مجتمع الفتوى ومجتمع اللاءات ومجتمع الغضب ومجتمع النصيحة ومجتمع الصمت والسكون ومجتمع التفكك وغير ذلك من البذاءات.

أشار المؤلف إلى حقيقة تاريخية وهي مقدرة الدولة السعودية على قيامها بعد تعرضها للسقوط. لكنه لم يقم بتحليل هذه الظاهرة، وعوضاً طفق يسأل ويكرر السؤال لينتهي بالقول إن افتخار السعوديين ونجاحهم في تكرار دولتهم إنما هو افتخار سلبي، ويضيف ان هذا النجاح يؤكد مشروعية إدانتهم كقوة اجتماعية سياسية. لماذا؟ لأن الدولة السعودية في كل مراحلها اعتمدت على بذرة سماها: المطوع، شكلت تلك البذرة مع مرور الزمن الخشونة والتعصب وهما صفتان صحراويتان. هل هذا تحليل من متخصص يتصدى لظاهرة سياسية وتجربة وحدوية سياسية غير مسبوقة في تاريخ العرب المعاصر.

ويقول ان جدلية الصحراء تعبر عن ثالوث وهو: عشب وبئر وجمل وهي مكونات إنسان الجزيرة العربية وعلى الأخص نجد، ليخلص إلى أن نجدا تتميز بكونها: المعقل الأساسي للبداوة، وهي خزان بشري لا ينفك يقذف بموجات جائعة وغازية. مما جعل مهد الوهابية منتجاً نجدياً خالصاً ، وهو منتج مهدد للحضارة والمدنية. أيعقل أن يخرج هذا الكلام غير المنتظم من أكاديمي، ناهيك أنه لا يحيل لأي مصدر معاصر يسند استنتاجاته غير المنطقية.

أما جدليته الثالثة فهي تقوم على انتخاب صفات سلبية. وهذا شأنه. أما أن يجعلها صفات تشمل كل المجتمع السعودي منذ القرن الثامن عشر حتى يوم تحرير الكتاب عام 2004م، دون أن يقدم بين يدي تعميمها دراسات حديثة سبرت غور المجتمع فهذا ليس شأنه، ثم يزيد ويوظف تلك الصفات للتهكم والهجاء. وهذا لا يقبله متعلم في عالم اليوم. فهو مثلاً يقول عن علماء الدين السعوديين انهم أصحاب نظرة فوقية وأنهم يتصفون بالوصاية الأبدية. لقد شن المؤلف حملة قاسية على ما يسميهم برجال الدين الوهابي، حملة لا يمكن أن تدخل ضمن المعقول. ومعالجة أو تفكيك الجسم الديني في المملكة لا يأتي بالهجوم وإلصاق صفات بذيئة، بل والقول ان علماء الدين يديرون مملكة خفية لا نعرفها.

تولد عندي حقيقة أن بعض الأكاديميين العرب المأزومين لا يتأثرون بالبيئة العلمية والمنهجية الغربية التي يعيشون في أكنافها، بل إنهم يطبقون ويتبنون ما يعيبونه هم على بعض القيادات العربية والفعاليات الدينية. فينسون الموضوعية، ولا يستندون إلى مصادر ومراجع كما في حالة الدكتور أنور عبدالله.

ويخلص الدكتور أنور عبدالله إلى أن المجتمع السعودي فقد هويته التاريخية وهو في عقر داره. ولم أجد سببا مقنعاً أو عرضاً ممنهجاً لأقتنع أن السعوديين فقدوا هويتهم الثقافية، وفقدوا معها فضاءهم الجغرافي التاريخي، اللذين تكونا عبر تاريخهم الطويل كشعب عربي مسلم في جزيرة العرب. السبب الوحيد عند مؤلف الكتاب هو قبول السعوديين تسمية وطنهم باسم: المملكة العربية السعودية. ويكفي هذا السبب لنعرف مقدار علمية المؤلف. وهي علمية تنبي عن هجاء واسترزاق ممزوجة بجهل مطبق بتاريخ المملكة، مما جعل المؤلف يُطلق على علماء المملكة اسم: الفاتيكان الوهابي. ما يزعج المؤلف هو: السعودية والوهابية. طبعاً يحق له أن ينزعج مع نجاح المملكة دون أن تمر بمحطات الحضارة والتمدن التي يراها مؤلف الكتاب عالم السوسيولوجيا والأنثروبولجيا المقيم في باريس.

————

نقلاً عن  الرياض

-- د. عبدالله بن إبراهيم العسكر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*