السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التطوع.. بين ضرورة العمل التطوعي وغياب ثقافته 1-4

التطوع.. بين ضرورة العمل التطوعي وغياب ثقافته 1-4

التطوع واجب ديني ومظهر حضاري، وهو الترجمة السلوكية لمعاني المروءة والشهامة والإيثار، والممارسة الفعلية لأعمال الخير، كما أنه وسيلة من وسائل بناء الفرد والمجتمع، وعندما يمد إنسانٌ يداً حانية إلى أخيه الإنسان، أو أن تفيض مشاعره جياشة تجاه آلام الآخرين، فيمسح بيد الرحمة الدموع من مآقيهن أو أن يخرج من ماله للذين يتضورون جوعاً أو لا يجدون ملبساً أو مسكناً يؤويهم فهو لا يرجو من ذلك عائداً مادياً ولا نفعاً تجارياً، تلك المشاركة الوجدانية الراقية التي تسمو فوق المنافع الدنيوية، هي سمة إنسانية عامة، ومشترك بشري لا يخلو منه مجتمع مها كان دينه الذي يدين به أو لونه أو عرقه، ربما يزيد التفاعل عند البعض فيُشكِّل سلوكاً دائماً يُحرك حوافزه الداخلية، هؤلاء للبذل والعطاء ومشاركة الآخرين في كل وقت وكل حين، وربما تقل مظاهره عند بعض الناس فلا يظهر إلا حينما تهز مشاعر أولئك خطوبٌ هائلة وأحداثٌ جِسام، كالحروب والكوارث الطبيعية فيحيق بهم الدمار والخراب، ما يدعوهم إلى أن يهبوا للنجدة ومد يد العون للآخرين. 

ونحن عندما نتحدث عن العمل الخيري، فإننا نجد أن هذا القطاع يتسع اتساع كلمة «الخير» نفسها التي لا يمكن أن نتمثَّلها أبداً في حيز محدود، فاتساعها يُمثّل تزكية النفس في كل عمل يمتد أثره من الوقوف عند تلبية حاجات الذات إلى تلبية حاجات المجتمع الكبير، جيراناً أكانوا أم مواطنين أو بشراً يجمعهم العالم الكبير، أو حتى بالإحسان إلى مخلوقات الله الأخرى من حيوان ونبات وبيئة، وهنا لا بد أن نقف أمام وسيلة من وسائل العمل الخيري، بل لازمة من لوازمه وقرين لا ينفك عنه ولا ينفصل منه، وهو العمل التطوعي الذي يتمثَّل في جهود إنسانية يبذلها أفراد أو جماعات أو مؤسسات تسهم في تلبية احتياجات اجتماعية أو قضايا تهم المجتمع.

ولا تكون دوافع المتطوع من هذا الفعل مادية أو ربحية، فالتطوع سواء كان مادياً أو بجزء من وقت المتطوع أو بدنياً أو فكرياً عن طريق نقل الخبرات أو التدريب وغيرهما، يعزز شعور المتطوع بالانتماء إلى المجتمع وتفاعله معه، كما يبعث الثقة بين أفراد المجتمع في المستقبل فلا يبدو أمامهم مخيفاً وقاتماً، بفعل التكافل بين أفراده وإشراك المجتمع برمته في مجابهة التحديات الإنمائية وتحقيق الرفاهية للجميع، ويتجلى مثل ذلك في أوضح صوره وأجملها في مسارعة الناس لمساعدة جمعيات المرضى وذوي الاحتياجات الخاصة والفقراء والمعوزين، ويتحوَّل هذا الإحساس العميق والمشاعر المتدفقة عند هؤلاء إلى أن يصبحا أعينهم التي يبصرون بها وأقدامهم التي يمشون بها والدواء الذي يشفيهم بفضل الله. 

في السنوات القليلة الماضية زاد انتشار النشاط التطوعي بشكل لافت، وأضحت أدبياته تأخذ طريقها بثبات لتصبح علوماً تُدرَّس في الجامعات والكليات والدورات التدريبية التي تنظمها مؤسسات عالمية وإقليمية ومحلية، ولم يأت هذا من فراغ بل نتج – بدءاً – من تطور المجتمعات البشرية وهيمنة مفهوم المجتمع المدني وتأثيره الكبير على الحياة والاقتصاد، وبسبب ما بات يُعرف بالقرية الكونية أو العولمة، وبسبب تداعيات الكوارث الإنسانية من حروب مدمرة وفيضانات جارفة وعواصف مدمرة وجفاف في بعض المناطق أهلكَ الزرع والضرع، هذا قابله رد فعل إنساني بتكوين كثير من الكيانات والمؤسسات في جميع أنحاء العالم، لمقابلة تلك الخسائر البشرية المادية ومساعدة المحتاجين والمنكوبين.

كما زاد الاهتمام في القطاع الخاص بمبادرات المسؤولية الاجتماعية من واقع التنافس الحاد بين الشركات لتحسين الصورة الذهنية لهذه الشركات في المجتمع وزيادة الربحية، فضلاً عن الدوافع الخيرية في النفوس البشرية التي تُحرِّك مثل هذه النشاطات، وليس في ذلك أي غرابة إذ إنه بفعل تطور المجتمع المدني وزيادة قوته وأثره، صار يُنظر بشكل أكبر إلى المجتمع المدني بوصفه مشاركاً في ربحية القطاع الخاص، ويجب أن ينال نصيبه منها. 

لقد مثَّل تبني الأمم المتحدة لـ»برنامج الأمم المتحدة للمتطوعين» وهو: منظمة أممية تُسهم في تحقيق السلام والتنمية من خلال العمل التطوعي في جميع أنحاء العالم، في نقلة نوعية هائلة أدّت إلى عمل مؤسسي استفادت منه جميع دول العالم، وأسهم بصورة كبيرة في ترسيخ قواعد وأسس علمية للعمل التطوعي بفضل استقطاب أفضل الخبرات والكفاءات العالمية في المجال، وتم الإقرار بالتطوع كعامل مهم في التنمية عام 2001 باشتراك 126 دولة من أعضاء الأمم المتحدة في نهاية السنة الدولية للمتطوعين ما مهَّدَ لتوصيات سياسية عديدة للحكومات، ولهيئات الأمم المتحدة وللمنظمات غير الحكومية بشأن الطرق الكفيلة بالنهوض بالتطوع ودعمه. 

لقد جاء في تقرير الأمم المتحدة 2011 عن حالة التطوع في العالم: إن التطوع هو تعبير أساس للعلاقات الإنسانية، فهو يتعلق بحاجة الناس للمشاركة في مجتمعاتهم، ولأن يشعروا بأنهم مهمون بالنسبة للآخرين، نحن نعتقد بقوة بأن العلاقات الاجتماعية المتأصلة في العمل التطوعي هو أمر بالغ الأهمية لرفاهية الأفراد والمجتمعات المحلية، إن روح التطوع متشرِّبة بقيم عديدة بما فيها التضامن والتقدير والثقة المتبادلة، وحسن الانتماء والتمكين، وجميعها تساهم مساهمة كبيرة في نوعية الحياة، وبيَّن التقرير الكيفية التي أصبح فيها التطوع وسيلة يتمكَّن من خلالها الناس من السيطرة على حياتهم وتحقيق تغيير لأنفسهم والناس الذين حولهم.. وقد جاء قرار الأمم المتحدة إلى أن عدم إدراج التطوع في رسم الخطط الوطنية قد يؤدي إلى تجاهل مورد قيم وتقويض تقاليد التعاون التي تُؤلف بين المجتمعات المحلية وتعمِّق انتماءها الوطني. 

لم تعد الحكومات وحدها قادرة بتلبية حاجات الناس الاجتماعية التي تعقَّدت في ظل التطورات المتسارعة للعصر الحديث، وتشابكت مع قضايا عديدة اجتماعية واقتصادية، وحتى خارجية ولم يعد تأثيرها أو ما يُؤثر فيها يقتصر الخدمات التي تقدمها الحكومات، وكان لا بد والحال كذلك من وجود قطاعات موازية تكمل الدور الحكومي في تلبية الاحتياجات المجتمعية.

ولقد أثبتت هذه القطاعات في كثير من الأحيان أنها السبَّاقة والمُبادِرة في سد الفجوات التي تعتري تلبية حاجات المجتمع، ولقد أحدثت التغييرات التي تسارعت وتيرتها بفعل العديد من العوامل، التي سلف ذكرها، تغييراً في احتياجات الناس الاجتماعية ما أحدث بدوره تطورات في غايات العمل التطوعي وأهدافه، فتحوَّل الهدف للنشاط التطوعي من تقديم الرعاية والخدمة للمجتمع ومختلف شرائحه المستهدفة إلى إحداث تغيير إيجابي في مكونات هذا المجتمع ودعم التنمية المجتمعية المستدامة فيه. 

لقد بات العمل التطوعي والتفاعل المجتمعي يُمثِّل سلوكاً حضارياً رفيعاً يدل على مدى رقي المجتمع ومدى تمتع أفراده بقيم التكافل والتعاون ومقدرتهم على العطاء والبذل، كما أصبح أثره الإيجابي واضحاً في حياة الفرد والجماعة على كافة المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتنموية. 

ولما كان العمل التطوعي عملاً اجتماعياً شاملاً لا يعزل فئة ولا يستثني أحداً وتُحرِّك دوافعه الخيّرة في النفوس الكبيرة لأن تتحسس آلام الآخرين وحاجاتهم فتتطوع بجهدها ومالها ووقتها من أجل مساعدتهم، لا ترجو من وراء ذلك فائدة ربحية مادية، فإن نجاحه يعتمد على الموارد البشرية التي تحركها النزعة التطوعية والاختيار الحر، وأن يتسع ميدانه للجميع من غير تمييز من مبدأ العدل والمساواة، بل يستهدف الإنسان وتنمية مقدراته ورفاهية حياته. 

————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.صالح بن حمد التويجري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*