الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحضور الفرنسي في الربيع العربي

الحضور الفرنسي في الربيع العربي

قبل الغزو الأميركي للعراق عام 2003م تحدث الرئيس جورج بوش (الابن) عن القيم الأميركية، التي تسعى إدارته لفرضها في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً المنطقة العربية كالحرية والديمقراطية وغيرها، وفي عام 2006م بشّرت وزيرة خارجيته كونداليزا رايس بشرق أوسط جديد …. 

سيتشكل، في ظل حديث مستمر عن أن فرض تلك القيم وإقامة ذلك النظام سيكون من خلال ما اصطلح عليه (الفوضى الخلاقة)! وهو مصطلح سياسي يُعبّر عن فكرة جهنمية ابتكرها المحافظون الجدد في إدارة بوش، الذين كانوا ينُظّرون للسياسة الخارجية الأميركية. 

في ذلك المشهد الملتهب الذي أفرز عدواناً همجياً أمريكياً على العراق بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل ثم إسقاط نظام صدام الاستبدادي، كان الأوروبيون – بخلاف البريطانيين – في الصفوف الخلفية وبالذات الفرنسيين، الذين أعلنوا بدايةً رفضهم للحل العسكري بالعراق، خصوصاً أنه يفتقر لقرار أممي أو تفويض من مجلس الأمن، إلا أن هذا الرفض تحول إلى قبول للسياسة الأميركية، ثم الانضواء تحت جناحها بعد أن تبين حجم الكعكة، التي قد تستفرد بها الولايات المتحدة وحلفاؤها، غير أن المشروع الأميركي واجه مقاومة داخلية شديدة تزامن معها دخول الإيرانيين في الشأن العراقي، وظهور قوة طالبان من جديد في أفغانستان. 

ومع الأيام صار همّ الأمريكان – بعد عودة الديمقراطيين إلى البيت الأبيض بولاية الرئيس أوباما – أن يخرجوا من ورطتي أفغانستان والعراق بأقل الخسائر مع ضمان بقاء القواعد الأميركية لحماية إمدادات النفط العراقي، ومنع عودة الطالبان للسيطرة العسكرية على أفغانستان. 

اليوم يعود الحديث عن فكرة (الفوضى الخلاقة) عقب اندلاع ثورات ما يسمى الربيع العربي، فقطاع كبير من المفكرين والمحللين السياسيين يرون أن هذه الثورات لم تندلع لأسباب تتعلق بالظلم والفقر والفساد، إنما هي ترجمة عملية لتلك الفوضى، باستغلال عوامل الاستبداد والفساد والفقر والظلم لصناعة فوضى عامة واضطرابات شعبية تخرج من بين ركامها أنظمة جديدة تتناسب مع المرحلة الجديدة، التي يرسم خطوطها العامة ومسارها الرئيس الغرب بشقيه الأميركي والأوروبي، في مقابل فريق آخر من المفكرين والسياسيين ينفون فكرة (الفوضى الخلاقة) لرفضهم القاطع تفسير الواقع بـ(نظرية المؤامرة)، وأنها بالفعل ثورات شعبية خالصة أسقطت أنظمة ديكتاتورية، وحجتهم أن الغرب لا يمكن أن يتخلى عن حلفائه من الزعماء العرب وبالذات مصر وتونس، لأن البديل هو التيار الإسلامي المعادي للغرب ولإسرائيل. 

اللافت هنا ليس الجدل حول طبيعة الثورات العربية، وهل هي (ثورات شعبية) أم صناعة أجنبية أو (إسرائيلية) كما صرح أحدهم ! إنما اللافت في تقديري هو (الحضور الفرنسي) الطاغي في كل مراحل هذه الثورات مقارنة بالحضور الأميركي أو البريطاني، من تلك اللحظة التي رفضت فيها فرنسا – كما يقال- استقبال طائرة الرئيس الهارب زين العابدين بن علي، ومروراً بالدعم الفرنسي القوي للثورة الليبية لدرجة سرعة عسكرة الثورة وتدويل قضيتها حتى سقط القذافي.

ونهاية ً بما يقوم به الفرنسيون بالنسبة للثورة السورية! فعلى الرغم أن هذه الثورة المباركة لم تتلق حتى الآن الدعم المطلوب كتسليح الجيش الحر، إلا أن الفرنسيين في طليعة الدول المؤيدة للثورة السورية على مستوى المواقف السياسية حتى مع تغير رئاستها من اليمين إلى اليسار في مايو 2012م، بدلالة تعيين سفير لائتلاف قوى المعارضة والثورة السورية في فرنسا بعد أيام قليلة من تشكيل الائتلاف. 

ما يعني أن فرنسا استوعبت لحظتها التاريخية تماماً بهذه الفرصة الذهبية لإعادة صياغة علاقاتها العربية بالنسبة لبلدان الثورات وانعكاس ذلك على بلدان عربية أخرى، بما يحقق لها فرص استثمارية عديدة ذات عوائد اقتصادية كبيرة، فضلاً عن حصولها على نفوذ قوي في صناعة القرار العربي، خاصةً أن دول الثورات العربية لم تعد في مدارات الفلك الأميركي، كما أن فرنسا خسرت كثيراً في ملف العراق، ولم تعد تملك السيطرة من حيث النفوذ الفعلي على مستعمراتها الأفريقية.

إضافة إلى أن الدعم الفرنسي للثورات العربية يعزز الناحية الإيجابية لقيم الثورة الفرنسية في الذهنية العربية، كالحرية والعدالة والمساواة في ظل عدم الثقة بالخطاب الأميركي عن هذه القيم بسبب سياسات الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، ما خلق حالة من التقارب العربي مع الجانب الأوروبي.

فجاءت هذه الثورات فرصة لتعميق العلاقة الفرنسية العربية وتتويج هذا التقارب، ما يؤكد أن الحضور الفرنسي في الربيع العربي ليس طارئاً، أو أنه ردة فعل على تحولات خطيرة في المنطقة العربية، إنما هو حضور حقيقي يتطلع لمستقبل عربي يكون السياسي الفرنسي أحد واضعي خطوطه العامة وأدواته الفعلية. 

moh.alkanaan555@gmail.com 

تويتر @moh_alkanaan 

——————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

 

-- محمد بن عيسى الكنعان

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*