السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » أبرز إفرازات الثورة المصرية .

أبرز إفرازات الثورة المصرية .

1 ـ مصر من الثورة إلى الصدمة : لم يكن المصريون ، وهم يخوضون ثورتهم ضد نظام مبارك ، يتوقعون أن تدور الدائرة عليهم باسم “الشرعية الثورية” التي باتت ماركة مسجلة لفائدة التيار الديني ــ الإخواني والسلفي ــ يشهرها في وجه المعارضة الديمقراطية حتى يفرض واقع الاستبداد بنفس التعلات التي استعملها النظام السابق ، وأعاد استعمالها مرسي في خطابه ليوم الجمعة 23 نونبر الجاري ؛ وتتمثل في حماية “الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في مصر، والمحافظة على الوطن والشعب والثورة”. 

بموجب قرار مرسي هذا تحول الثوار إلى بلطجية يُحولون إلى “محاكم الثورة” التي لسيت سوى محاكم التفتيش التي تؤسس لمرحلة الحكم باسم  “الحق الإلهي” . وإذا كانت قرارات الرئيس المخلوع مبارك تأخذ طابع “السيادية” ، فإن قرارات مرسي تأخذ طابع القداسة الذي يمنع عنها كل طعن دستوري أو نقض قضائي . 

وهذا الذي قرره بموجب الإعلان الدستوري الذي فرضه على الشعب المصري باسم الشرعية الثورية ،يوم الخميس 22 نونبر 2012 ،  والذي ينص في مواده على التالي :

المادة الثانية: ( الإعلانات الدستورية والقوانين والقرارات السابقة الصادرة عن رئيس الجمهورية منذ توليه السلطة في 30 يونيو 2012 وحتى نفاذ الدستور وانتخاب مجلس شعب جديد تكون نهائية ونافذة بذاتها غير قابلة للطعن عليها بأى طريق وأمام أية جهة ، كما لا يجوز التعرض لقراراته بوقف التنفيذ أو الإلغاء وتنقضي جميع الدعاوى المتعلقة بها والمنظورة أمام أية جهة قضائية). فالرئيس مرسي يضع نفسه فوق القانون ويحيطها بقداسة لم تكن حتى للأنباء والرسل عليهم السلام . 

 المادة الخامسة: ( لا يجوز لأية جهة قضائية حل مجلس الشورى أو الجمعية التأسيسية لوضع مشروع الدستور). وأراد الرئيس مرسي بهذه المادة تحصين هاتين الهيئتين ضد كل حكم قضائي تستعد النطق به المحكمة الدستورية العليا ــ خلال أسابيع قليلة قادمة ــ  في دعوى دستورية مجلس الشورى قياسا على الحكم الذي صدر بحلّ مجلس الشعب في 14 يونيو الماضي. 

ولم يخف مرسي خلفية قراره هذا حين قال “البعض يريدون حلّ كل شيء”، في إشارة إلى القوى السياسية التي انسحبت من التأسيسية ولجأت إلى القضاء لحلها .

وبهذا الإعلان الدستوري ينقلب الرئيس مرسي على الثورة وأهدافها وكل الأطراف السياسية والمدنية التي خاضت ثورة 25 يناير من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية؛ ليضع أسس ديكتاتورية لم تشهدها مصر في تاريخها المعاصر. 

إذ حتى خلال حكم مبارك كان اللجوء إلى الدستورية متاحا للطعن في قرارات الرئيس نفسه . 

أما الرئيس مرسي الذي أتت به الثورة منع على المعارضة حتى التظلم إلى القضاء . وهذا يذكرني بحكاية الرجل البدوي الذي فاخر  صديقه المديني بتذلل زوجته إليه خوفا منه. 

وحين زاره صديقه في قريته وجده يبكي من أثر ضرب زوجته إياه . وبعد مدة زمنية محدودة زار الرجل القروي صديقة المديني فتفاجأ بالزوجة تضربه . ولما اختلى المديني بضيفه قال له احمد الله يا صديقي أن زوجتك تضربك وتسمح لك بالبكاء ، أما أنا فتضربني ولا تدعني أبكي . وكذلك هو حال المصريين مع مرسي حين يمنعهم من الاحتجاج ومن التظلم إلى القضاء.  

وهو ، بهذه الفعلة ، يلغي السلطة القضائية ويصادر دورها في مراقبة السلطتين التشريعية والتنفيذية اللتين استحوذ عليهما بموجب قراره هذا الذي أتى على أسس الدولة المدنية : دولة القانون  وفصل السلط . 

وكما حصّن الرئيس مرسي التأسيسية من أي حكم قضائي بحلها ، حصنته هذه الأخيرة بإقرار  نص المادة (227) التي تحمي الرئيس من أي إقالة وتضمن له البقاء رئيسا للجمهورية حتى انتهاء مدته الـ 4 سنوات كالتالي “تنتهى مدة رئيس الجمهورية الحالى بانقضاء أربع سنوات من تسلمه منصبه الحالى”. 

هي ثورة مصر إذن ، التي قامت بدون قيادة أو نخبة سياسية وفكرية ترسم لها معالم المستقبل وسبل البناء الديمقراطي السلمي والسليم . 

لقد اثبتت مجرياتها أنها لم  تكن ثورة بمفهومها السياسي ، بل فورة أو انتفاضة عمياء لا تدري أين تسير بعد إسقاط النظام . فحماسة الشباب واندفاعهم في ميدان التحرير كانت تنقصهما حنكة المناضلين وحكمة المنظّـرين ؛  وبدونهما تكون كل ثورة نقمة على شعوبها . وآية هذا أن مرسي الذي جاءت به الثورة ينصّب نفسه باسمها حاكما مطلقا واجب السمع والطاعة ، لا يُعصى له أمر ولا يُرد له قرار . 

وهذه نتيجة حتمية لمسار “الثورة” المنحرف ، حيث أخطأ الثوار في انتخاب الرئيس قبل وضع الدستور . وكرروا خطأهم حين قاطعوا انتخابات الدور الثاني متوهمين أنهم أقدر على إسقاط حكم الإخوان مثلما فعلوا مع حكم العسكر . 

التاريخ يثبت أن حكم العسكر يزول بينما حكم الإخوان يطول. وسبب دوام حكم الإخوان ارتكازهم على الدين واحتكارهم النطق به والحكم بشرعه . فكل الأنظمة العسكرية سقت في عالمنا الإسلامي إلا الأنظمة الحاكمة باسم الدين مهما زادت سطوتها وتغول استبدادها (إيران ، السودان ، غزة ، طالبان). 

فلا مخرج أمام المصريين اليوم سوى توحيد الصفوف وخوض ثورة حقيقية لمواجهة الاستبداد الناشئ قبل أن يتمكن من مفاصل الدولة . دون هذا ستكون مصر دولة الإخوان صورة طبق الأصل لدولة الملالي في إيران .  

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*