الإثنين , 5 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » القصد الخالص من الدعوة.. إلى تطوير المناهج الدراسية للتربية الدينية (4)

القصد الخالص من الدعوة.. إلى تطوير المناهج الدراسية للتربية الدينية (4)

قد يكون في بعض مسائل الفقه رأيان، أحدهما يتسم بالسماحة، والثاني متشدد.. هذا التشدد الذي بعثت عليه أو دعت إليه ظروف محلية أو وقتية عاشها هذا الفقيه أو ألف أو أفتى مجتهداً في ظلها، وفي وقتنا الحاضر ليس هناك ما يدعو لمثل هذا الرأي أو الفتوى المتشددة

سيظل الحديث في هذا الشأن أثيراً على نفسي، سابقاً لكل اهتماماتي؛ لأن دين الله هو أوجب ما يشغل كل مسلم، والتزود به على أصوله ألزم ما يفرض علينا جميعاً.

ومما لاحظته واتفق معي كثير ممن استشرتهم من رجال العلم في مختلف التخصصات هو قلة اتباع روح السماحة التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في صياغة المقررات الدراسية.

هذه السماحة التي وصفها النبي – صلى الله عليه وسلم – بأنه (حنيفية سمحة)، وأنه (صلى الله عليه وسلم) ما خُيّر بين أمرين إلاّ اختار أيسرهما.

من هذا فإنه قد يكون في بعض مسائل الفقه رأيان، أحدهما يتسم بالسماحة، والثاني متشدد.. هذا التشدد الذي بعثت عليه أو دعت إليه ظروف محلية أو وقتية عاشها هذا الفقيه أو ألف أو أفتى مجتهداً في ظلها، وفي وقتنا الحاضر ليس هناك ما يدعو لمثل هذا الرأي أو الفتوى المتشددة.

إن الذي أراه أن المقررات الدراسية يجب أن تقف مع الرأي والاجتهاد الذي يفسر الأدلة الشرعية متخذاً سناده روح السماحة الأصيلة في بناء الدين نفسه، وهي روح دلت عليها نصوص لا تحصى من الكتاب الكريم والسنة المطهرة فوجب بالتالي تنقية المناهج من الآراء التي قد تنحو نحواً لم يدفع أصحابها إلا ظروف مكانية أو زمانية ينتفي تأثيرها في الفتوى والاجتهاد بانقضائها.

وهذه المسائل هي موضوع تخصص العلماء والفقهاء، ولا ينبغي أن يُشغَل بذكرها وتعلمها طلاب التعليم العام، إلا بالقدر الذي يخدم الهدف العام لتشرب روح الدين الإسلامي عند الطلاب.

وقد ألف كثير من العلماء في أساسيات الدين، وألف بعضهم فيما لا يجوز الخلاف فيه بين المسلمين، والخلاف في الفروع الاجتهادية أصل محتمل، وقاعدة العلماء سواء أكانوا من المذهب القائل بتصويب كل مجتهد أم كانوا من المذهب القائل بتصويب واحد وأن الباقين يؤجرون على اجتهادهم وإن أخطأوا، قاعدة الجميع: أن الخلاف في الفروع الاجتهادية لا تثريب فيه على أحد، ولا يجوز للمجتهد أن يحمل غيره، من المجتهدين أو أتباع غيره من المجتهدين على ما يراه صواباً، ولهذا قالوا: (لا يُعتَرضُ بمذهب على مذهب).

وتعليم الطلاب في مراحل التعليم العام كلها يجب أن ينحو هذا المنحى، حتى تتشبع نفوسهم باحترام الآخرين وتقديرهم، وينظروا إلى الخلاف وإلى المختلفين عنهم – أو معهم – نظرة صحية تتفق مع الخلق الإسلامي الحميد.

ويترتب على اتباع النهج السالف ذكره في التأليف والتعليم أن ينشأ الطالب على أساس صحيح من التفتح الذهني والمرونة (الفكرية) والقدرة على تقبل وجود الآخر، والعيش معه والعمل إلى جواره، وقد أصبحت هذه ضرورات لازمة لحياتنا في طورها الحالي؛ فنحن لا نستطيع العيش في عزلة عن الدنيا، ونحن نحتاج في تطوير بلادنا وتحديثها إلى خبرات وطاقات من العالم كله، بل إن بعض بيوتنا قائمة في أعمالها على جهود بعض من نستقدمهم من بلاد أخرى، وقد يكون فيهم غير المسلم ذكوراً وإناثاً، وأبناؤنا يسافرون إلى كل أركان الأرض طلباً للعلم أو الرزق أو الراحة أو غير ذلك من الأغراض، وكل هذه الصور من التواصل البشري نتعرض فيها إلى أناس غيرنا لابد – كي نحسن الإفادة منهم والإفادة لهم – أن يقوم تعاملنا معهم على قاعدة الاحتمال والقبول للغير والتفهم لأساس تكوينه الذي يؤدي في النهاية إلى اختلافه عنا واختلافنا عنه، ثم برغم هذا الاختلاف نحن نعمل معاً ونعيش معاً، بل إن حسن تعاملنا لهم قد يدفع غير المسلم منهم إلى الإسلام، ولابد لصلاح ذلك من تأصيل معنى قبول الاختلاف في نفوس أبنائنا وعقولهم.

مثل هذه الأخلاقيات ليست واضحة – كما يلزمها – في المقررات الدراسية الحالية، والأمل ألاّ تغيب عن إخواني وأخواتي من يقومون بإعادة صياغة المناهج والمقررات الدراسية.

وهناك بعض الملامح الأخرى من صور التطوير، وما يلزمه في لقائنا القادم إن شاء الله.

وفقنا الله جميعًا إلى الخير والصواب والأخذ بأسباب القوة مهما غلا ثمنها، اللهم اجعل صدورنا سليمة معافاة، وأمدنا يا ربنا بتأييد من عندك وتسديد.

-- محمد بن أحمد الرشيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*