الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التطوع.. الدعوة إلى إطار مؤسسي فاعل (3-4)

التطوع.. الدعوة إلى إطار مؤسسي فاعل (3-4)

عندما نتطرق بالحديث إلى «التطوع» – وهو حديث ذو شجون، تنحو بنا نحو الاسترسال فيه دوافع عقدية ونفسية وتربوية، عمل على ترسيخها معايشة فعلية بحكم العمل – تقفز إلى الذهن التحولات الكبيرة والتغيير العميق الذي تقوده فعاليات المجتمع المدني لبناء قدرات الناس وتحقيق رفاههم وتنمية مجتمعاتهم تنمية مستدامة. 

لقد أضحى مفهوم المواطنة بمعناه الصحيح والشامل هو مشاركة المواطنين حكوماتهم من أجل تغيير يضع المواطنين في خانة الفعل لا التلقي؛ فالإنسان في الأمم الحية هو محور التنمية وصانعها في الوقت نفسه، والعمل التطوعي الذي يُعَدّ دافعاً من دوافع التنمية بمفهومها الشامل والمستدام على الصعد الاجتماعية والاقتصادية والثقافية كافة مؤشر على حيوية الأمم وتفاعلها الحي مع قضاياها، بوصفها كياناً واحداً، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. 

وإذ نلتفت إلى البيئة التي يتكئ عليها العمل التطوعي في بلادنا نجدها زاخرة بكل العوامل التي تدفع بالعمل التطوعي إلى آفاق بعيدة، قلما تستطيع دولة أخرى بلوغها، ويكفي هنا أن نشير إلى أن بلادنا هي مهبط الوحي، ومنطلق الرسالة الخالدة التي تصل بالتطوع إلى أقصى مراحله، حتى أنه يصبح واجباً في بعض الأحيان. 

هذه الحيثيات تجعلنا نطالب بالتأسيس لأدبيات إدارية، توظف هذه البيئة الحاضنة؛ من أجل أن يساهم العمل التطوعي في التغيير المنشود في بناء القدرات البشرية، وفتح قنوات هذا العمل؛ لتصب في قناة واحدة، يمتح من معينها المجتمع بكامل شرائحه وفئاته. 

وتبدو الحاجة ماسة إلى إنشاء كيان يتولى التنظيم والإدارة لعمل تطوعي مؤسسي، تتداعى له الفعاليات الإدارية في الجمعيات والمنظمات الخيرية والجامعات السعودية والمسؤولون الحكوميون القائمون على تنظيم العمل الخيري. 

إن خطوة كهذه من شأنها أن تتلافى كل السلبيات والمعوقات التي تعيق عملاً تطوعياً مؤسسياً، يستفيد من خلال التقصي والدراسات العلمية من بلورة فكر إداري تطوعي، وتسخيره في استثمار هذا التوق لعمل الخير في نفوس المواطنين الاستثمار الأمثل الذي يجعل من التطوع عطاء مستمراً ومتواصلاً، ويضعه في إطاره التنظيمي المقنن الذي يحصنه مما يمكن أن تلحقه به الفردية من تجاوزات تضر به، سواء من حيث قلة مردوده أو من حيث فقدان حماس المتطوع نفسه بفعل شعوره بعدم جدوى عمله؛ وبالتالي فقدان طاقة بشرية كان يمكن استغلالها في رفد جماعي تطوعي، يشعر الجميع بجدواهويعمل على تقويته ما تبعثه الجماعة المتآزرة من حماس في النفوس، والتغلب على ما يمكن أن يلاقيه الفرد من تثبيط للهمة من بعض الفئات التي لا تؤمن بجدوى عمل مؤسسات المجتمع المدني. 

إن المشكلة لا تكمن في إيجاد المتطوع؛ فالمزاج النفسي مهيأ تماماً لدى كثيرين في بلادنا للانخراط في هذا العمل الذي يجد حوافزه من التنشئة المجتمعية، التي ترى أن عمل الخير هو مقياس لتحديد الشخصية في غالب الأحيان، وإن كانت عوامل أخرى تدخلت للإخلال بهذه المقاييس في نظر المجتمع، ولكن ما يجب الانتباه إليه هو ضرورة أن نستنفر طاقات هذا المتطوع في سد الاحتياجات الأساسية للمجتمع، وتوجيه هذه الطاقة حسب قدرات المتطوع وإمكاناته ورغبته، وهو أمر يساعد على أن يعطي أفضل ما عنده، ويساعده على الاستمرار وعدم الانقطاع عن العمل الذي يجد فيه نفسه، ولا يصطدم بمفاهيمه وثقافته المجتمعية، ومن باب أولى ألا يتعارض عمله الطوعي مع وظيفته وعمله الأساسي، ولا مع القوانين السارية للدولة التي يمكن أن تطوله قانونياً. 

إن المعايير التي يتم بها اختيار المتطوعين للانخراط في العمل التطوعي تبدو على جانب كبير من الأهمية؛ إذ يستند إليها نجاح العمل برمته، وهو اختيار لا يتم خبط عشواء؛ فمن المهم أن تمتلك المنظمة التي تدير العمل طواقم من الخبرات ذات الاختصاص بعملية الاختيار، سواء من الإداريين أو المدربين المتمرسين أو الأطباء النفسيين؛ ما يمكنها من ضمان سلامة الاختيار؛ الأمر الذي يضع أرضية مشتركة لكلا الطرفين: جهة العمل والمتطوع، تحدد الالتزامات والفوائد المكتسبة لكل الأطراف. ومن خلال الاختيار الصحيح للمتطوعين نستطيع أن نستنفر كل طاقات المتطوعين من أجل أن تصب في صالح الأهداف المحددة بكفاءة وسرعة؛ ما يقلل من كلفة العمل المنفَّذ من غير أن نحمِّل المتطوع عملاً فوق قدراته. إن هذا التحديد والاختيار للمتطوع يهيئان المجال لتفهم المتطوع سياسات المنظمة وتوجهاتها، وخلق الانسجام الذي لا بد منه لتحقيق النجاح في أي عمل. 

يغيب عن أذهان الكثيرين الذين يعملون في مجال العمل التطوعي أهمية التدريب والتأهيل للمتطوع. أما تدريب القائمين على إدارة العمل التطوعي أنفسهم فهو لا يخطر على البال، رغم أهميته البالغة في نظري؛ لأن المنظِّرين العالميين لا يتطرقون إليه بوصفه مسألة بدهية، لا يقوم العمل الطوعي من غير وجود هذه الإدارات المدربة ذات الكفاءة العالية التي تنظم العمل التطوعي وتديره. 

وهنا أتمنى أن يعمل الكيان التنظيمي للعمل التطوعي الذي اقترحته آنفاً على أن تكون أولى خطواته ابتعاث إداريين ومدربين، بالتنسيق مع منظمات العمل الطوعي في الأمم المتحدة، لنيل ما يمكن أن يؤسس لعمل منظمي فاعل. 

وبالنسبة للمتطوع فإن التدريب يكسبه مهارات جديدة، تزيد من تفاعله مع الأعمال التي يقوم بها، ويوفر جهده ووقته للدفع بالعمل إلى مزيد من التجويد. 

وكما أن المتدربين يختلفون في مدى الوقت الذي يحتاجون إليه لإجادة الأعمال الملقاة على كواهلهم فإن الأعمال التطوعية نفسها تختلف بساطة وتعقيداً؛ ما يجعل من الدورات التدريبية من أجل القيام بها وإنجازها بكفاءة وفاعلية تتباين هي أيضاً في نوعيتها ومددها المقررة. 

ومن هنا يستطيع أن يؤدي التدريب دوره المأمول في ربط المتطوع بالمنظمة والمؤسسة، وترسيخ الانتماء إليها؛ ما يعمل على تشجيعه وتحفيزه للاستمرار فيها، خاصة وهو يشعر بأنه يؤدي عمله بشكل أفضل، ويرى نتائجه واقعاً ماثلاً على الأرض. ويجيء دور إدارة العمل التطوعي وفهمها لدورها تجاه المتطوع عاملاً لا يستهان به في إذكاء الحماس في نفوس المتطوعين، وعدم انقطاعهم عن المنظمة؛ ما يعيدنا إلى أهمية التدريب والتأهيل بصورة أكبر للإدارات الاستراتيجية نفسها، اللذين طالبنا بهما. 

وتتميز إدارات العمل التطوعي بميزات، يجب توافرها لانطلاق العمل التطوعي في مساره الصحيح، والمحافظة على المتطوع بوصفه رأس المال الأغلى بل الضروري لاستمرار العمل. 

ومن أهم تلك الميزات إشعار المتطوع بأنه جزءٌ من المؤسسة، ومشارك في إنجازاتها، وليس هامشاً يمكن الاستغناء عنه، وأن تتسم أعمال المنظمة بالشفافية والنزاهة، بحيث يكون العمل الذي تقوم به والفوائد المكتسبة من العمل ومدخلات المنظمة ومخرجاتها واضحة ومعلنة للجميع. وتعمل البيئة الديمقراطية التي يتبادل فيها الجميع الآراء، ويساهمون في القرارات، بوصفها أقوى عوامل الجذب للمتطوع، الذي يحتاج إلى التقدير من المنظمة كون البحث عن التقدير غريزة مترسخة في الإنسان، يحتاج إليها، ويبحث عنها بحثه للأمن وسد الجوع. 

إن إدارة العمل التطوعي والمتطوعين تحتاج بين فترة وأخرى للوقوف وتقييم المسيرة، والبحث عن مكامن القوة ودعمها، والوقوف على السلبيات ودرئها، من خلال دراسة مواضع القوة والنقص وبيئة العمل في داخل المنظمة ومجال عملها؛ لوضع خريطة طريق مستقبلية، تقنع جميع الأطراف بجدواها. 

————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية 

-- د.صالح بن حمد التويجري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*