الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » هل الإسلاميون السياسيون ديمقراطيون ؟

هل الإسلاميون السياسيون ديمقراطيون ؟

إن مبررات ودواعي طرح السؤال الذي بات يؤرق كل الديمقراطيين “هل الإسلاميون ديمقراطيون” كثيرة ومتعددة . فالمقال والحال كلاهما يجيبان بالنفي . 

فمن جهة المقال ، أن كتابات الإسلاميين ، في كليتها ، تميز في الديمقراطية  بين الآليات  التي تسمح بحسم المنافسة بين الأحزاب عدديا عبر صناديق الاقتراع ، بحيث يفوز بالمقعد من يتصدر النتائج ، وبين المبادئ والقيم التي تؤطر هذه الآليات وتجعلها حَكَما محايدا بعيدا عن الإذاية أو الغواية. 

فمتى ضمنت الديمقراطية للإسلاميين الوصول إلى الحكم كانت مطلوبة ؛بعدها يتم الانقلاب عليها وأدا لمبدأ التداول السلمي على السلطة . 

ذلك كان دأبهم في إيران حين قضى الخميني على كل المعارضين أحزابا وتيارات ، وأسس لحكم ولاية الفقيه ؛ ثم في السودان حين أطاح حسن الترابي بحكومة الصادق المهدي المنتخبة ديمقراطيا ليقيم حكما شموليا سرعان ما انقلب السحر على الساحر فاستفرد بالسلطة عمر البشير الذي أجهز على وحدة السودان ومقدراتها ، فبات الحاكم الأوحد. 

وعلى نفس النهج سارت حماس في غزة حين انفردت بالقطاع وشقت الوحدة الوطنية سياسيا وإيديولوجيا وهوية. فانكشفت، إذن ، شعارتها الزائفة حول تحرير الوطن ومقاومة الاحتلال ، وغدا الكرسي أهم من الوطن والإنسان. 

وها هم الإخوان في مصر ينتجون نفس تجربة الانفراد بالسلطة تحت نفس الذرائع “حماية الثورة” من أعداء الوطن . كانت كل المؤشرات تدل على هذا المسار منذ إصرار الإخوان على تقديم الانتخابات الرئاسية على وضع الدستور، إذ وعدوا ألا يقدموا إليها مرشحهم، فتبين أنها خديعة قصد  التأمين وطمأنة المنافسين. 

بعدها كانت لهم باقي الرئاسات ( الحكومة ، مجلس الشعب ، التأسيسية). ولم يترك الرئيس مرسي أي فرصة إلا اغتنمها لإزاحة العناصر التي قد تواجه مخططاته الطوطاليتارية ، فأقال المشير طنطاوي وقد يحاكمه في أي وقت يراه مناسبا ، ثم أتبعه برئيس المخابرات وكبار قادة الجيش والأمن بمجرد وقوع حادث سيناء الإجرامي الذي شغل المصرين عما يعتمل في مطبخ الإخوان ، ليتوج إجراءاته التحكمية بإقالة النائب العام  وإذاعة الإعلان الدستوري  مباشرة بعد وقف العدوان الإجرامي على غزة حيث استغل مرسي تنويه الدول بدور الوساطة المصرية في تحقيق الهدنة بين حماس وإسرائيل. 

في ظرف خمسة شهور باتت مصر في قبضة الإخوان الذين لم يأبهوا بانسحاب الأقباط من التأسيسية ومعهم الأزهر ومعظم ممثلي الطيف السياسي والمدني بما فيه هيئة نقابة الصحفيين التي أكد نقيبها  ممدوح الولي، في بيان عقب الاجتماع أن مسودة الدستور المطروحة حالياً تحتوي على نصوص تهدد الحقوق والحريات العامة، وخصوصا حرية الصحافة والإعلام، حيث ألغت حظر الحبس في قضايا الرأي والنشر، كما ألغت حظر تعطيل ومصادرة وإغلاق الصحف، وألغت أيضاً النص على أن الصحافة سلطة شعبية مستقلة .. 

فقد فتحت المسودة باباً خطيراً وغير مسبوق يهدد كل النقابات بالنص على إمكانية حل النقابات وإلغاء كيانها القانوني). والأخطر في كل هذا هو  إصرار التيار الديني داخل التأسيسية  على “إلغاء المواد الخاصة بالمساواة بين الرجل والمرأة وجميع المواد التي اعترضت عليها في السابق القوى “العلمانية” ،وفق ما صرح به الدكتور يونس مخيون، القيادي بحزب “النور” وعضو التأسيسية .

نحن إذن ، أمام إستراتيجية محكمة للانقلاب على الثورة ومصادرة حق الشعب وسيادته باسم “حماية الثورة” . فكل تجارب الإسلاميين في الحكم تكرر بعضها وتستنسخ سوءاتها في إقصاء الآخر وتعطيل الآلية الديمقراطية. 

وهذا ما نفهمه من تأكيدات بهاء أبو شقة الفقيه الدستوري وعضو التأسيسية ، على أن “أعضاء الجمعية يخرجون كل يوم بمسودة جديدة ويتجاهلون رأي هذه القوى، علماً بأن الأصل في الدساتير هو التوافق وليس الأغلبية ، إضافة إلى نبرة الاستعلاء والاستخفاف بالقوى المدنية من قبل التيارات الإسلامية في الجمعية التأسيسية”. 

فالرئيس مرسي وجماعته خططوا “التكويش” على مصر وإقصاء باقي الأطراف السياسية والدينية والمدنية . فحتى الرئيس نفسه لم يخبر مستشاريه ولم يستشرهم في أمر “الإعلان الدستوري” وفق ما صرح به أيمن الصياد، مستشار الرئاسة من أن “الرئيس لم يأخذ رأيى فى قراراته الأخيرة ، وكل من سألتهم من المستشارين لم يكونوا يعلموا شيئا عنها”. 

فما جدوى تعيين مستشارين وتأثيث الرئاسة بهم إلا أن يكونوا ديكورا يخفي حقيقة الرئيس ونزوعات الهيمنة والانفراد بالقرار ، وهو ما جعل معارضوه يتهمونه بتحويل نفسه إلى “فرعون” جديد.   

وكلما تمكن الأخوان من مؤسسة إلا وخونجوها ، وقد جاء الدور على دولة مصر وكأن قدرها أن تخرج من استبداد عسكري لتدخل استبدادا إخوانيا وهو أشد أنواع الاستبداد شراسة . فالمصريون اليوم مطالبون  بإنقاذ ثورتهم  وتحريرها من يد كل الذين يغامرون بمصير مصر ويسعون لنشر الفوضى بهدف تصفية الخصوم .

وهذا المخطط أعلنه عضو مجلس شورى جماعة الإخوان المسلمين  ناجح إبراهيم حين توقع حدوث اغتيالات سياسية قد تطال ليبراليين وسياسيين ومفكرين.  ونفس المخطط كشف عنه الكاتب الصحافي عصام كامل، أحد المستهدفين بالتصفية الجسدية ضمن القائمة التي وضعتها الجماعة بناء على  معلومات استقاها من مصادر موثوقة، تفيد بأن جماعة الإخوان المسلمين أعدت بالفعل قائمة إغتيالات، تشمل 500 شخصية من المناوئين لسياساتها، ما يضفي المصداقية على خبر اللائحة.

وأضاف كامل لـموقع “إيلاف” ” وصلتني معلومات مؤكدة بأن الجماعة أعدت قوائم للإغتيالات تشمل 500 شخصية مناوئة لسياستها، وأنا أحدها”.

فالسيد كامل مقتنع بأن الجماعة تعمل حاليًا على نشر الفوضى في أنحاء مصر، من أجل تنفيذ مخطط الاغتيالات ، كما حدث مع جيكا، الناشط الثوري الذي قتل في ميدان التحرير بأربعة رصاصات أطلقت عليه من مكان قريب، إذ لا يمكن أن يتصور المرء إقدام ضابط شرطة بعد الثورة على قتل مصري بتلك الطريقة ومن مكان قريب، وما يؤكد ذلك تعرض منزل صديق له للمداهمة والتفتيش من قبل مجهولين”. 

وتشمل قائمة الاغتيالات ، حسب كامل ، ” رجل الأعمال نجيب ساويرس، والسيد البدوي رئيس حزب الوفد، ومالك شبكة قنوات الحياة رجل الأعمال حسن راتب، ومالك قنوات المحور الإعلامي إبراهيم عيسى، إضافة إلى الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح المرشح السابق لرئاسة الجمهورية، بالرغم من أنه كان أحد قيادات الجماعة، فمنذ انشقاقه عنها وترشحه للرئاسة، صارت الجماعة تنظر إليه بالكثير من القلق”. 

وليس غريبا على الجماعة اعتماد أسلوب الترهيب والاغتيال ضد خصومها ، فهذا من صميم العقيدة القطبية (نسبة إلى سيد قطب ) التي تقوم على صناعة الموت . ولعل إقدام أعضاء الجماعة على منع المتظاهرين في “جمعة الحساب” من إقامة منصة الخطابة بميدان التحرير وتكسير المعدات الصوتية وتعنيف المواطنين ، لعله دليل قاطع على أن الجماعة غير مؤمنة بقيم الاختلاف ومبدأ التداول والإطار المدني للسلطة السياسية. 

إن الجماعة تسعى لإقامة حكم شمولي لا يقبل بمبادئ وقيم حقوق الإنسان .

لا خيار أمام المصريين ، أحزابا ومجتمعا مدنيا ، وعموم المواطنين ، غير توحيد جهودهم ونبذ الخلافات الداخلية لتقوية الصف الوطني والتصدي لمخططات جماعة الإخوان المسلمين. 

فإما ينجح المصريون في إنقاذ مصر ووضعها على سكة التغيير الحقيقي والقطع النهائي مع الاستبداد ، وإما نقرأ الفاتحة على روح الثورة ومستقبل الشعب المصري .

-- سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*