الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الحركة الخضراء في إيران

الحركة الخضراء في إيران

لا أحد في إيران الرسمية والشعبية يجادل اليوم بأن الحضور السياسي والاعلامي والشعبي للحركة الخضراء قد تقلص وبشكل تدريجي في الفترة الممتدة بين عام 2009 حتى نهاية العام الجاري 2012, حتى إن الغالبية تعتقد بأن الحركة بمعناها الحقيقي الذي جسدته قبل أربعة أعوام حين حشدت في شوارع العاصمة طهران قرابة خمسة ملايين متظاهر قد اضمحلت وبدأت تتلاشى, لكن مسيرات الاحتجاج الأخيرة التي خرج بها بعض التجار في بازار طهران الكبير احتجاجًا على تدهور سعر صرف الريال الإيراني دللت على قضية غاية في الأهمية, وهي أن الشعار الذي رُفع في بازار طهران يكاد يكون نسخة معدلة عن شعار الحركة الخضراء قبل سنوات؛ فالتجار هتفوا “أوقفوا دعم سوريا وانتبهوا إلى حالنا”, بينما يتذكر الجميع كيف صدحت حناجر المتظاهرين في إيران: “لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران”. أكثر ما يمكن أن يؤكده هذا التقارب هو أن غياب الحركة سياسيًّا وحجز قياداتها في الإقامة الجبرية لا يعني أن شعاراتها لم تحجز لها مكانًا ما في ذهنية المواطن الإيراني العادي. 

قيادات الحركة وتوجهاتها

منذ البداية كشف مير حسين موسوي عن أنه زعيم شعبي بلا منازع, وهو القادم من اليسار الثوري والخبير في تنظيم الحركة الطلابية المناهضة للشاه قبل انتصار الثورة في إيران. ومنذ البداية أيضًا أوضح موسوي أنه ليس مجرد سياسي هاوٍ يريد تحقيق بعض المكاسب لتسجيلها في سيرته الذاتية, فالرجل طرح نظرية سياسية تليق بمن كان يومًا رئيسًا للوزراء قبل إلغاء المنصب عام 1988. ركّز موسوي في أفكاره السياسية على البعد الخارجي بشكل لافت, وطالب بإعادة تقويم أفعال الجمهورية الإسلامية خارج حدودها, واستثمر موسوي خبرته جيدًا كوزير خارجية سابق في حكومة الرئيس الإيراني محمد علي رجائي عام 1981. كذلك بيّن موسوي أنه عائد من زمن الحوادث الكبرى ومرحلة التأسيس عبر طرحه فكرة التغيير داخليًّا وخارجيًّا. سريعًا فهم النظام الإيراني خطورة الرسالة التي يحملها الفكر الموسوي الجديد, وهذا يفسر ربما عنف السلطات الإيرانية في التعامل مع موسوي ومؤيديه حين رفعوا شعار (أين صوتي؟) بعد اتهام وزارة الداخلية بتزوير الانتخابات الرئاسية لصالح الرئيس الحالي محمود أحمدي نجاد عام 2009. لم يتراجع موسوي, بل خطا خطوات واسعة حين وقف ولو جزئيًّا بوجه المرشد الأعلى مطالبًا بتقليص صلاحياته, وإعادة النظر في نظرية ولاية الفقيه كنظرية حكم وحيدة في إيران.

اليوم يُمضي زعيم الحركة الخضراء وقته في إقامته الجبرية التي فُرضت عليه في فبراير/شباط من العام الحالي 2012 في عزلة تامة وسط تغييب رسمي له دون اعتقاله أو محاكمته رسميًّا, أو حتى توجيه تهم واضحة له. منذ أن غيَّب النظام زعيم الحركة الخضراء والحركة تعيش حالة أشبه بالغيبوبة, فلا هي قادرة على التواصل مع زعيمها, وليس باستطاعتها إنتاج قيادة جيدة تتجاوز موسوي وتؤسس لمرحلة جديدة. هذا التردد مثَّل -ولا يزال- أهم نقاط ضعف الحركة الخضراء, مالم نقل: إنه شكّل نقطة مقتل للحركة داخل إيران.

جُل ما ذكرناه بشأن موسوي ينطبق إلى حدٍّ ما على زعيم الصف الثاني مهدي كروبي القادم من صفوف اليسار الإسلامي؛ فكروبي مثّل خط الإصلاح “الخاتمي” (نسبة للرئيس السابق محمد خاتمي) في حركة الاحتجاج الخضراء, وجرّ وراءه معظم جماهير الإصلاح, فضلاً عن منحه الحركة بُعدًا دينية مهمًّا باعتباره رجل دين معممًا ومقربًا من مؤسس الجمهورية الإسلامية روح الله الخميني الذي اختاره ضمن لجنة إعادة النظر في دستور البلاد عام 1989.

لم تنظر السلطات في إيران بعين واحدة إلى الرجلين، فكروبي مرتبط فكريًّا وسياسيًّا ودينيًّا إلى حدٍّ بعيد بنظرية ولاية الفقيه حيث عمل في ظلها رئيسًا للبرلمان, كما أنه يُعتبر أحد أقطاب الإصلاح الذي أعاد تقديم نظرية ولاية الفقيه للعالم بحُلة جديدة أكثر قبولاً عندما حكم تياره البلاد لثماني سنوات متتالية, مع ذلك لقي الرجل مصير موسوي نفسه من إقامة جبرية وتغييب شبه كامل.

وقد ترك تغييب قادة الحركة الخضراء دون إعطائهم أي وضع قانوني آثارًا سلبية عميقة على وضع الحركة شعبيًّا وسياسيًّا من أوضحها: 

بقاء الحركة بلا قيادة في مرحلة حساسة من كفاحها أدخل الحركة وجمهورها في حالة تخبط غدت معه الحركة عاجزة عن تجديد أو إنتاج قيادات جديدة منسجمة مع مرحلة هي في أمَسّ الحاجة فيها إلى زعيم ذي تجربة يعرف ما يريد.  

غياب أو تغييب القيادة بصفيها الأول والثاني جمّد الخطاب الفكري والسياسي للحركة التي بقيت ولوقت طويل تطالب بإعادة الانتخابات الرئاسية للعام 2009, وهذا بدوره أدخل اللاواقعية إلى منطق الحركة وفكرها.  

التعامل الأمني المتشدد مع موسوي وكروبي وهما من أبناء النظام أدى إلى فرار الناشطين المؤثرين إلى خارج البلاد ما ترك الحركة تقريبًا بلا قيادات ميدانية واضحة.  

غياب الزعماء أدى ببعض رجالات الحركة إلى الاستعانة بالخارج ماليًّا وإعلاميًّا وحتى سياسيًّا, وبذلك قدموا للسلطات فرصة ذهبية لتتهمهم بالعمالة وخيانة الثورة والجمهورية.

الواقع الفكري للحركة الخضراء

وليس من المبالغة القول: أنْ لا أفكار واضحة للحركة الخضراء, فعلى عكس أغلب الحركات السياسية الاحتجاجية البعيدة عن الفكرة الثورية التي قد تظهر بشكل مفاجئ، رفعت الحركة الخضراء مطالبها قبل أن تُبلور أفكارها بشكل منظم يمكِّن من تتبعها تاريخيًّا. في البداية لم يكن للحركة سوى مطلبين رئيسيين، هما:  

إعادة النظر في نتائج الانتخابات الرئاسية للعام 2009.  

المطلب الثاني تلخص في ضرورة البقاء في الشارع حتى تحقيق المطلب الأول. 

مع مرور الوقت فهم موسوي وكروبي وجمهور الحركة الخضراء أن لا فائدة من التمسك بمثل هذه المطالب, فأحمدي نجاد تُوِّج رئيسًا لولاية ثانية وبمباركة المرشد الأعلى ومؤسسات النظام كافة، العسكرية منها والدستورية. في هذه اللحظة الفارقة وُلِدت أفكار الحركة الحقيقية الأكثر تأثيرًا والتي تعرضت لتأويل كبير حتى تخلّى عنها زعماء إصلاحيين من أمثال الرئيس السابق محمد خاتمي, فضلاً عن شخصيات إيرانية تاريخية لها وزنها داخل النظام كرئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني, وكلا الرجلين: خاتمي ورفسنجاني عادا وشاركا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في ظل وزارة داخلية يقودها وزير معين من أحمدي نجاد شخصيًّا, فُسِّر هذا يومها على أنه تراجع كبير, وإنهاء العلاقة مع الحركة الخضراء، واعتراف ضمني بنتائج انتخابات عام 2009. لكن بقيت الحركة حتى اليوم تنادي بأفكار تُلخَّص في جُلِّها عبر مبادئ ثلاثة:

1- مبدأ إيران أولاً

كان هذا المبدأ الأهم في مبادئ الحركة الخضراء كونه لامس مناطق اعتبرها النظام الإيراني محرمة, ومن هذا المبدأ وُلِد الشعار الأخضر الشهير (لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران). عبر هذا المبدأ طالب موسوي -ومن خلفه الشيخ كروبي بدرجة أقل- برفع السرية عن ملفات حساسة تعتبر أحد أسرار إيران الاقليمية، كملف العلاقة مع حزب الله وحركة حماس, والموازنة بين دعم هذه الأحزاب والمنظمات والحركات التحررية واحتياجات البلاد الاقتصادية.

هذا المبدأ نجح في جذب فئات مهمة كطلاب الجامعات وبعض النخب العلمية والفكرية والاقتصادية, كما أنه استطاع التغلغل وبسرعة في ذهنية وعقلية الإيرانيين حتى غدا الحاضنة الأساس لأية شعارات تخص جمهور الحركة ومؤيديها. التزم جمهور بشكل واضح الحركة والطبقات المؤيدة لها بهذا المبدأ الذي يتعارض مع بعض مبادئ الثورة الإسلامية في إيران ومن بينها فكرة تصدير الثورة إلى دول الإقليم. بكل الأحوال لا يزال هذا المبدأ يحظى بتأييد شعبي حتى اليوم بل إنه -في جوانب معينة- بات أكثر قوة وأكثر وضوحًا وانتشارًا. بات ذلك واضحًا فيما أطلقه المحتجون في بازار طهران الكبير بضرورة وقف دعم النظام السوري والالتفات نحو ما يعانيه الشعب الإيراني من أوضاع اقتصادية صعبة بسبب العقوبات. 

2- مبدأ إعادة النظر في صلاحيات ولاية الفقيه

هذا المبدأ شكّل أخطر ما جاءت به الحركة الخضراء, كما أنه استفز النظام بشكل مباشر, وبالطبع كان لذلك تداعيات كبيرة جدًّا على قيادات الحركة وجمهورها. فمبدأ الفتنة كما سماه النظام وضع الحركة الخضراء في مواجهة مفتوحة مع السلطات التي قررت التعامل مع الحركة كتيار فتنة يتوجب اجتثاثه من المجتمع ومؤسسات النظام. علنًا نادى موسوي بضرورة إعادة النظر في صلاحيات الولي الفقيه المطلقة, وإعادة النظر أيضًا في نظرية ولاية الفقيه كنظرية سياسية صالحة للحكم, فضلاً عن المطالبة بزيادة صلاحيات رئيس الجمهورية. هكذا عبر موسوي ومن خلفه جمهور الحركة الخضراء خطًّا أحمر عريضًا جعل البعض من المؤيدين يقف ويعيد التفكير في تأييده لموسوي؛ إذ لم يكن باستطاعة أحد من مسؤولي النظام ممن أيدوا موسوي بدرجات متفاوتة الانحياز لمثل هذا المبدأ, من هؤلاء رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام هاشمي رفسنجاني, ورئيس البرلمان علي لاريجاني, والقائد السابق للحرس الثوري محسن رضائي, والرئيس السابق محمد خاتمي وغيرهم. هذا المبدأ أعاد وبشكل مباشر فرز الجمهور الإيراني بين مؤيد بالكامل لموسوي ومطالبه ومعارض له, لم يعد هناك مناطق رمادية فتم رفع الغطاء السياسي لتتلقى الحركة ضربة موجعة جدًّا: 

على الصعيد السياسي أصبحت الحركة شبه منبوذة من بعض من أيدها يومًا, كما استثمر النظام ذلك وطالب الجميع بإعلان موقفه الحقيقي والتبرؤ من موسوي وأفكاره, وهذا بدوره أضعف الحركة الخضراء وأفقدها نقاط قوة مهمة. تأثير ذلك لا يزال مستمرًّا حتى اليوم من خلال عدم قدرة بعض النخب على إعلان تبني جانب من مطالب الحركة الخضراء.  

على الصعيد الشعبي أدى فقدان الحركة لشخصيات كرفسنجاني وخاتمي ولاريجاني ورضائي وغيرهم لانسحاب الكثير من مؤيدي هؤلاء من ساحة تأييد موسوي ومطالبه. وهكذا خسرت الحركة الخضراء تدريجيًّا شعبيتها بين المتدينين من المحافظين وبين الخط المحافظ المعتدل ووجدت نفسها تفتح مواجهة جديدة مع مراجع الدين في مدينة قم, كل هذا سلبها رصيدًا شعبيًّا غاية من الأهمية, لتبدأ بعدها مرحلة جمهور اللون الواحد المستمرة حتى  اليوم. 

3- مبدأ العلاقات مع الخارج

لا يعتبر هذا المبدأ حكرًا على الحركة الخضراء, فالإصلاحيون عندما حكموا البلاد بقيادة الرئيس السابق محمد خاتمي طبقوه عمليًّا من خلال إعادة النظر في علاقات إيران مع محيطها العربي والإسلامي, فضلاً عن إعادة رسم حدود العلاقة مع بقية دول العالم بعيدًا عن الأيديولوجيا والترجمة الحرفية لفكرة تصدير مبادئ الثورة الإسلامية, بيد أن موضوع العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية بقي بيد المرشد دون غيره, كونه صاحب القرار النهائي بتعيين سقف التقارب بين طهران وواشنطن. هذا بالضبط ما حاولت قيادات الحركة الخضراء وتحديدًا مير حسين موسوي سحبه من يد المرشد من خلال طرح قضيتين اثنتين: 

باستثناء العلاقة مع إسرائيل لا يوجد محرمات في العلاقات بين إيران وبقية دول العالم بما فيها الولايات المتحدة الأميركية, شرط أن يمر كل ذلك عبر مؤسسات البلاد وأولها البرلمان الذي يمثل الشعب, وهذا اعُتبر يومها تدخلاً مباشرًا في صلاحيات المرشد الأعلى. 

لم تمانع الحركة الخضراء وقياداتها في بناء علاقات مع مؤسسات دولية تُعنَى بحقوق الإنسان ومراقبة الشفافية. هذه النقطة فُسِّرت محليًّا من قبل النظام على أنها استقواء بالخارج ضد المصلحة الوطنية العليا للبلاد.

هذه المبادئ الثلاثة شكّلت معًا الإناء الفكري والتنظيري للحركة الخضراء, وكانت اللبنة الأصل في صياغة الخطاب السياسي والفكري القادم للحركة الخضراء, لكنها هي نفسها جرّت وراءها إشكاليات لا تزال موجودة حتى يومنا هذا. 

إشكاليات الخطاب الحالي للحركة

انطلاقًا من الواقع الحالي للحركة الخضراء داخل إيران, يمكننا إدراج إشكاليات خطاب الحركة السياسي كالآتي:

1- القيادة لخطاب الشارع

لم تنجح الحركة في صياغة خطاب سياسي من خلال إجراء مراجعات فكرية عميقة, بل أنتجت خطابًا اعتمد بالدرجة الأولى على شعارات صيغت شعبيًّا وبأسلوب ارتجالي في الشارع ليعاد صياغتها وتهذيبها من قبل مثقفي النخبة اعتقادًا منهم بأنهم ينطقون بلسان الناس وهمومهم. فبدلاً من أن تقود النخب الفكرية والثقافية الشارع وجدت نفسها تقف خلف جمهور من المتظاهرين والمحتجين تسير في طريق غير محسوب العواقب, كما أن زعيمًا كمير حسين موسوي وجد نفسه أمام مطالب شعبية رفعت السقف عاليًا دفعة واحدة دون أن تشكّل أغلبية كاسحة بين طبقات المجتمع الإيراني, هذا مثّل إشكالية حقيقية للحركة لم تتجاوزها بعد؛ إذ لا يزال تجار البازار وطلاب الجامعات يصوغون البداية الأولى لأي تحرك قادم, بينما تضطر القيادات لأن تسير خلفهم كي لا تتهم بأنها تخلّت عن الشارع. 

2- موسمية التحرك وفصلية المواقف

خضع الخطاب السياسي للحركة الخضراء بشقيه الشعبي والنخبوي إلى ما يمكن تسميته بموسمية الأحداث, وكأن الحركة تنتظر حدثًا ما لتعيد تقديم نفسها وتقييم حجمها في الشارع, هكذا فقدت الحركة حيوية الحضور الدائم, كما أن اعتمادها على مبدأ الانتظار في كل تحركاتها تقريبًا سلبها قدرة المبادرة والخروج من مصيدة ردة الفعل الذي تعيشه في هذه المرحلة أيضًا.  

3- تغييب الاقتصاد

بشكل غير مبرر خلا الخطاب المعارض للحركة الخضراء من قضايا الاقتصاد تاركًا المساحة الأكبر لقضايا السياسة, وقد لا تجد الحركة أي مبرر لفشلها في صياغة خطاب جديد يقدم الاقتصاد على السياسة, كما أنها فشلت في استثمار قضايا اقتصادية غاية في الأهمية منها: 

ازدياد العقوبات الدولية على إيران بسبب تمسكها ببرنامجها النووي, وتوسع هذه العقوبات لتشمل قطاع النفط وهو عصب الاقتصاد الإيراني.  

فشل جزئي لخطة الرئيس أحمدي نجاد في رفع الدعم الحكومي عن السلع الأساسية والتي قوبلت برد فعل شعبي عنيف لم تتمكن الحركة الخضراء من استثماره, وذلك بعكس التيار المحافظ المعارض لسياسات أحمدي نجاد الذي وظّف هذا الفشل لصالحه بشكل نموذجي.  

عدم انسجام خطاب الحركة مع أولويات الشارع التي باتت اقتصادية بامتياز, حتى إن البعض بدأ يفكر جديًّا بإنشاء كيانات حزبية تتبنى الفكر الاقتصادي بدل السياسة.

الواقع الشعبي

آخر اختبار حقيقي لقدرة الحركة الخضراء وقياداتها شعبيًّا يعود إلى يوم 24 أغسطس/آب للعام الحالي 2012 عندما أعلن أحد كبار مستشاري مير حسين موسوي أن الأخير نُقل إلى المستشفى بشكل عاجل جرّاء إصابته بنوبة قلبية, كما دعا المستشار جمهور الحركة للتحرك والنزول إلى الشوارع للمطالبة بفك الإقامة الجبرية عن موسوي وزميله مهدي كروبي. وفي ذات اليوم حثت الحركة الخضراء -عبر بيان نُشر على موقع “كلمة” التابع لموسوي والمحظور رسميًّا- الرئيس المصري محمد مرسي على مطالبة القيادة الإيرانية على هامش مشاركته في قمة دول عدم الانحياز التي استضافتها طهران بفك الحصار المفروض على الزعيمين موسوي وكروبي.

تفاجأت قيادات الحركة في الداخل والخارج بعدم نزول أيٍّ من الإيرانيين للشارع, وتفاجأت أكثر بعدم قيام الرئيس مرسي بذكر أي شيء (علنًا على الأقل) بشأن ما طالبته به. هذان الحدثان أعطيا مؤشرًا واضحًا على فشل الحركة الخضراء في تجييش الشارع الإيراني, فضلاً عن فشلها في استمالة رئيس عربي منتخب جاءت به ثورة شعبية وصناديق اقتراع عبر انتخابات نزيهة وحرة, كما أنها لم تتمكن من وضع برنامج عمل حقيقي يستثمر حضور أكثر من 7000 شخصية أجنبية اجتمعت في يوم واحد في طهران خلال افتتاح قمة دول عدم الانحياز.  

قد تصلح هذه المقدمة للسؤال: لماذا تراجعت شعبية وقدرة الحركة إلى هذا الحد؟! رغم أن منسوب الاستياء الشعبي العام ارتفع أضعاف ما كان عليه في 2009؛ وذلك بسبب ما تعانيه البلاد من أوضاع اقتصادية. والجواب على هذا السؤال قد تُشكِّل حدوده عوامل أربعة: 

عدم وجود أي إنجاز حقيقي وملموس للحركة الخضراء خلال سنوات كفاحها يغري الجماهير بالإصغاء لها.  

نجاح النظام في اجتثاث أفكار الحركة ورجالها من مؤسسات النظام من خلال اعتماد سياسة عدم التساهل واللجوء إلى أشد أنواع التعامل الأمني, وهذا أفقد الحركة قدرة التأثير من داخل بنية النظام نفسه. 

تهجير معظم قيادات الصف الثاني للحركة وغياب قيادات الصف الأول أجبر الحركة على مخاطبة جمهورها من خارج الحدود, وهذا لم يلقَ تجاوبًا شعبيًّا حتى إن البعض بات يشعر بأنه أصبح كبش فداء لأناس يعيشون في الخارج يطالبونه بالنزول إلى الشارع وتحدي أجهزة الأمن والوقوف بوجه النظام.

تركيز الحركة فعالياتها وأنشطتها في العاصمة طهران وبعض المدن الكبيرة حرم الحركة من تأييد الأرياف والقرى النائية, وهذه هي ذات المناطق التي اعتمد عليها الرئيس أحمدي نجاد حين قرّر تحدي المحافظين المعتدلين حيث حقق مكاسب كثيرة حين تبنى مطالب سكان الريف البعيد والفقير.

هذا الواقع عاد وحصر التأييد الشعبي للحركة الخضراء في المربع الأول؛ إذ تجد اليوم من يدافع عن مير حسين موسوي ومهدي كروبي باعتبارهما زعيمين دفعا ولا يزالان يدفعان فاتورة الوقوف في وجه النظام, وفي ذات الوقت ينتقد فشل الحركة الخضراء في قيادة الشارع. من هنا يمكن القول: إن تراجع شعبية الحركة الخضراء لا يعني أن مجمل الطبقات الاجتماعية انفضت من حول موسوي وكروبي, بل على العكس فأي عودة لموسوي وكروبي إلى الساحة السياسية العلنية للبلاد ربما ستُواجَه بتأييد شعبي كبير.

الحركة الخضراء في السياق الإقليمي والدولي

تبدو الحركة الخضراء في إيران مطوقة بأوضاع إقليمية لا تسير في أغلبها لصالح الحركة وخططها المقبلة, إقليميًّا تحاصر ثوراتُ الربيع العربي الحركةَ الخضراء, بل وتتجاوزها بالأفعال من خلال الإطاحة بأنظمة عربية لطالما قدمت نفسها بأنها لا تقهر, وهناك ثورات أخرى لم تصل إلى نتيجة بعد, لكنها تضرب مثلاً في قدرة الشعوب على التحمل إذا ما وصلت إلى نقطة اللاعودة على طريق تحقيق ما تريد.

يصر البعض على أن الربيع العربي سيشكِّل -عاجلاً أم آجلاً- محركًا للشعب الإيراني لصناعة ربيعه الخاص, قد يفعل الربيع العربي ذلك, لكنه يبدو أنه حمل معه نتائج مزعجة حين قارن الإيرانيون ربيع العرب بحركتهم الخضراء فحكموا على الأخيرة بأنها لم تكن مستعدة لتقديم التضحيات المطلوبة, ورأوا فيها حركة تنظير سياسي هدفها تصفية حسابات بين رموز جميعها تنتمي للنظام نفسه.

يبدو الشارع الإيراني اليوم شبه مقتنع بأن التغيير لا يحتاج للكثير من التنظير الثوري أو إلى قائد ملهم, شرط أن يعتمد أي التغيير وبشكل مباشر على أهم عامل من عوامل تفجير الثورات وهو الاستياء الشعبي وتوفر منسوب كاف من عدم الرضا الجماهيري. قد تكون هذه النقطة في صالح المعارضة الإيرانية ككل, لكنها لا تصب بأي شكل من الأشكال في صالح الحركة الخضراء كتيار شعبي معارض. وإن كل ما يؤدي إلى تشديد الحصار المفروض على إيران إقليميًّا أو على المستوى الدولي أو استهدافها بمزيد من العقوبات الاقتصادية، من شأنه جرّ الأوضاع باتجاه نقطة تصبح فيها المعطيات تصب في صالح الحركة الخضراء, فكلما حوصر المواطن الإيراني اقتصاديًّا أكثر, وكلما أخطأت الحكومة في معالجة هذه التحديات ستتجه أكثر نحو المعالجة الأمنية لقضايا هي اقتصادية بالأساس, وهذا سيزيد الضغوطات على  فئات الشعب الإيراني التي قد تقرر النزول مجددًا إلى الشارع؛ ما سيعزز مصداقية الحركة في نقدها للنظام وسياساته التي جرّت البلاد إلى مثل هذه الأوضاع الاقتصادية المتردية.

في هذا الإطار يُفهم إصرار الدول الغربية على فرض المزيد من العقوبات, مع توجه واضح للإدارة الأميركية على استبعاد اللجوء للحل العسكري, فالتهديد بضربة عسكرية يخدم النظام بالدرجة الأولى كونه يبحث عن تعزيز اللحمة الداخلية وفق مصطلحات تعتمد على الوطنية والأمن القومي والمصلحة العليا، وهذا إن حصل سيحرف القضية بعيدًا عن معاناة الشعب الإيراني الاقتصادية التي تحاصر النظام أكثر وتفتح الباب أمام أحزاب المعارضة, خاصة وأن الولايات المتحدة الأميركية وهي الداعم التاريخي للمعارضة الإيرانية  تعرف جيدًا أن الحركة الخضراء عاجزة عن تحقيق التغيير المطلوب بمفردها, ربما وفق هذا المنطق قررت واشنطن مؤخرًا شطب منظمة مجاهدي خلق من لائحة المجموعات الإرهابية كونها على يقين بقدرة المنظمة على تحقيق ما لم تأتِ به الحركة الخضراء، فأميركا لم تنسَ بعدُ أن مجاهدي خلق هم من كشفوا برنامج إيران النووي عام 2003. قد تكون المرحلة المقبلة هي مرحلة المعارضة الإيرانية وقدرتها على تحمل أعباء التغيير, لكنها بلا شك لن تكون مرحلة الحركة الخضراء لوحدها. بعض مسؤولي النظام في إيران بدأوا يفكرون بإنهاء حالة الإقامة الجبرية المفروضة على مير موسوي ومهدي كروبي قبل الانتخابات الرئاسية بعد أقل من عام وحتى السماح لهم بالمشاركة في الانتخابات لكن ليس بالضرورة كمترشحين, خطوة كهذه ربما تحول الحركة الخضراء التي بات جُلُّها يعيش في المهجر إلى معارضة معزولة خارج البلاد, حالها حال المعارضة التقليدية التي لم تحقق شيئًا خلال 30 عامًا من المطالبة بالإطاحة بالنظام. 

_________________________________

* باحث متخصص بالشأن الإيراني

 المصدر: مركز الجزيرة للدراسات

-- *عبد القادر طافش

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*