الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التطوع.. أسس الانطلاق وآليات العمل

التطوع.. أسس الانطلاق وآليات العمل

في خاتمة هذه السلسلة من المقالات عن (التطوع والعمل التطوعي)، أتمنى أن تُبذل الجهود المخلصة من الجميع في القطاعين الحكومي والأهلي والقطاع الثالث، من خلال جميع الفعاليات المهتمة بمجال التطوع والخبراء في هذا المجال، ليصل مجتمعنا السعودي إلى بلورة فكر موحَّد تجاه مفهوم التطوع وآليات تفعيل العمل التطوعي. وفي اعتقادي أنَّ الخطوة الصحيحة التي يجب أن تتضافر جهودنا للبدء من خلالها نحو عمل تطوعي فاعل هي البناء من الأساس، حيث ننطلق من النشء والسواعد الشابة التي يعول على حماسها وطاقاتها الخلاقة الوطن من أجل تواصل مسيرته ورفاه أبنائه. إنَّ التباساً قد يحدث لدى كثيرين حول مفهوم التطوع الذي يراه بعض الناس مجرد انصراف العمل التطوعي نحو الفئات الخاصة والمعوقين والمكفوفين والمرضى، وإن كان هذا من مقاصده النبيلة، ولكن العمل التطوعي لا يُقتصر على خدمة هذه الشرائح فحسب، إذ يشمل التطوع المجتمع وإنسانه ثقافياً واقتصادياً وتربوياً، ويتسع طيفه من تعليم التلاميذ إلى بناء الطرق إلى إقامة الورش التوعوية أو تعليم السجناء مهناً خاصة يعولون بها أنفسهم وأسرهم حتى لا يعودوا إلى عالم الجريمة. إنَّ التطوع بمفهومه الواسع هذا يتيح للناس أن يكونوا مشاركين أصيلين في تحديد وتوجهات حياتهم، ومنخرطين في التنمية البشرية التي يمتد أثرها لذواتهم ومجتمعاتهم. ويبدو أن المفهوم القاصر لمعنى التطوع يعمل بشكل سالب على عدم إقدام الكثيرين في مجتمعاتنا العربية للانخراط فيه. 

ونحن نتحدث عن أهمية التأسيس لإرساء ثقافة التطوع -بدءاً- لدى النشء والشباب في مدارسهم وجامعاتهم ومن خلال الوسائل الإعلامية الموجهة لهذه الفئة، يجب ألا يغيب عن بالنا ونحن نذكي حماسهم بذكر الفوائد الكثيرة التي سيحققها المجتمع من تطوعه، ما يمكن أن يحققه له العمل التطوعي من فوائد تعود إلى إثراء حياته هو نفسه وبناء شخصيته، ومن نافلة القول أن هذه الفوائد تنسحب على جميع الفئات وبمختلف الأعمار. 

إن شعور المرء وهو يقوم بعمل تطوعي يفيد الناس ويمتد أثره إلى مجتمعه لهو شعور يملأ نفس المتطوع بالرضا ويشعره بكينونته وأهميته وسط أبناء مجتمعه، وهو إذ يمتلئ بهذه الأحاسيس يلمس أيضاً فائدة الترابط بين أفراد المجتمع وأهمية التآزر الذي يشعره بالاطمئنان على مستقبله ومستقبل أسرته، كونه يعيش مجتمعاً حاضناً له ولأبنائه مهما حدث له من ظروف أو ألمَّ به من خطوب. إن مشاركة المتطوع لهؤلاء المتحمسين لتقديم المساعدة للناس بكل ما تحمله نفوسهم من حبّ الخير للآخرين يثري حياة المتطوع ويصقل شخصيته. ولما كان أهم ما يميز الانخراط في العمل التطوعي هو مشاركة المتطوع في صنع القرار والحرية التي يتمتع بها الجميع في تنفيذ أعمالهم التطوعية بأقل ما يرون من طرق وأجداها من خلال تبادل الرؤى والأفكار، فإن العمل التطوعي يصبح حافزاً قوياً لإذكاء روح المبادرة لدى الفرد واستنفار طاقاته الخلاقة والمبدعة، وهو أمر ينعكس على حياته وجميع شؤونه فيقوده إلى النجاح في جميع أعماله. كما أنَّ العمل التطوعي له أكبر الأثر في تحمل الفرد للمسؤولية وتعزيز تعاطفه وتقديره للآخرين وشعوره من خلال ذلك بقيمته الإنسانية هو نفسه ودعم تقديره لذاته. ويعد التطوع من أكثر الأساليب ترسيخاً لمعاني الوطنية في نفوس النشء ما لا يمكن أن تؤديه عشرات الكتب أو العديد من الدروس عن التربية الوطنية في الفصول وقاعات المحاضرات. وبلا شك يبقى حافز انتظار الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى قيمة كبرى يتطلع لنيلها المتطوعون من أبناء بلادنا الذين يمثل الواعز الديني ركيزة أساس في وعيهم وتربيتهم وثقافتهم. 

إن تفاعل المجتمع مع العمل التطوعي وانخراط أفراده في الأعمال التطوعية يضعه في دائرة الفعل لمعايشة قضاياه وحل ما يعتري مسيرته من مشكلات ويرفع في الوقت نفسه أعباء مادية كبيرة عن كاهل الحكومة تستطيع أن تصرفها في مصارف أخرى لصالح تنمية هذا المجتمع ورفاه أفراده. إن العمل التطوعي بهذا المعنى يزيد من تماسك المجتمع ويحصنه من كثير من الأمراض الاجتماعية التي تهدم المجتمعات وتقوض أركانها، كالجشع وإيثار الذات وما ينتج عنها من مفاسد ومظالم. 

عوائق كثيرة تلك التي تعترض العمل التطوعي وتؤدي بالتالي إلى قلة مردوده أو تقاعس بعض الناس للانخراط فيه، وأبرزها عدم وجود الأنظمة الأساسية التي تنظم العمل التطوعي، وغياب لوائح الحقوق والواجبات، وغياب الأهداف الواضحة لدى الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي تدير العمل التطوعي، وبالبروقراطية التي تميز كثيراً من الإدارات القائمة به. وما تعرضت له الجمعيات الخيرية في العالم الإسلامي على وجه الخصوص من دعاوى جائرة مؤخراً حدَّ كثيراً من نشاطها وحركتها إلى جانب غياب المؤسسية التي تحدثنا عنها آنفاً، ونقص التدريب وما يتعلق باختيار المتطوع. وهذه العوائق تحتاج من أجل النجاح في تخطيها إلى متطوع يتحلى بالشجاعة في تحمل المسؤولية والتزام صارم بالمبادئ والأهداف التي تسعى المنظمة التطوعية لتحقيقها، والاتصاف بروح التسامح وتقبل النقد والقبول بإجماع الآراء فيما يتعلق بالعمل التطوعي. ويبقى دور المؤسسة كبيراً وضرورياً لتتحقق لها الاستفادة من أقصى طاقات المتطوعين وقدراتهم لتذليل تلك العقبات والعوائق التي تعترض مسيرة العمل التطوعي، فضلاً عن ضرورة وجود إدارات استراتيجية فاعلة تسير وفق خطط عمل واضحة وشفافة وملزمة لإشراك الجميع في كل تفاصيل العمل التطوعي والميزنيات المحددة له وفق اللوائح المالية والقانونية وبنود الصرف، مع عدم إهمال مبدأ المحاسبة للجميع بعدالة ونزاهة. 

لم يعد التطوع اليوم مجرد مناسبة يتداعى لها الناس في وقت الأزمات والكوارث ثم تعود الحال إلى ما كانت عليه، بعد أن أضحى العمل التطوعي منظومة متكاملة تقوم على أسس راسخة من العلوم والدراسات، وبعد أن حققت من خلاله دول ومنظمات دولية نجاحات كان لها أثرها الاقتصادي والاجتماعي الكبير، وأصبحت مجموعة تلك العلوم تشمل جهود الخبراء في شتى المجالات من: علماء الاقتصاد الذين يملكون الرؤية والتي يحددون من خلالها المجالات المجتمعية التي تحتاج الدعم والمساندة والسبل الكفيلة بتنامي اقتصاديات الجمعيات التطوعية، وعلماء الاجتماع لمقدرتهم في رصد سلوك المجتمع وتوجيهه توجيهاً إيجابياً سليماً يسهم في دعم الاستقرار الاجتماعي، وعلماء النفس الذين يعالجون الآثار السالبة لبعض الأمراض النفسية الهدامة كالاحباط والتسلط وفتور العزم، وتبلور كل هذه الجهود وتنطلق من مراكز أبحاث متخصصة تعمل على تطوير أداء العمل الخيري، وتسهم في وضع خرائط مستقبلية للعمل التطوعي تقوم على أسس علمية مستندة على الدراسات والبحوث والإحصاءات. 

وإن كان لي من إشارة في هذا المقام، فهي إلى ثورة تقنية الاتصالات التي أصبح العالم بفعل تأثيرها قرية كونية صغيرة، ولم يعد لأي مجال أو علوم أو نشاط يرجى له التفاعل والنجاح أن يمضي من دون استخدامها بكل آلياتها ومهاراتها. و(التطوع) من أكثر المجالات التي استفادت من هذا التطور الرقمي الكبير من خلال الإعلام الاجتماعي. إن الدعوة إلى أن تصبح المملكة مجتمعاً رقمياً لا تقتصر على حصرها في مجال التطوع، إذ إن المجتمع الرقمي هو البوابة لمجتمع المعرفة، ولم يعد ممكناً الوصول إلى التنمية الشاملة والمستدامة في عالم اليوم إلا من خلالها. 

منقول عن الجزيرة

-- د.صالح بن حمد التويجري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*