السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الإمارات وتنظيم الإخوان السري

الإمارات وتنظيم الإخوان السري

بات جلياً للمراقـب أن جماعة “الإخوان المسلمين” تبنّت وبشكلٍ رسميٍ حملةً للهجوم على دولة الإمارات العربية المتحدة، وعبّرت عن ذلك بعدة طرقٍ منها: تصريحات المتحدثين باسمها كمحمود غزلان، والمواد التي تنشرها على مواقع الجماعة الرسمية كموقع حزب الحرية والعدالة بمصر، وأوامرها لكوادرها داخل الإمارات ودول الخليج بتصعيد الهجوم على الإمارات، ومحاولات التسلل والتخريب عبر “أكاديمية التغيير”، ثمّ استهداف بعض رموزها في دول الخليج كيوسف القرضاوي وطارق السويدان ومحمد العوضي وعوض القرني وغيرهم للإمارات ومحاولات التدخل في شؤونها الداخلية، مع ركوب الجماعة المعتاد للناشطين الجدد في الحقوق أو وسائل التواصل الاجتماعي.

اتخذت دولة الإمارات قراراً سيادياً لحماية الدولة والشعب من خلال إعلانها الكشف عن تنظيمٍ سريٍ يهدّد أمن البلاد وله علاقاتٌ وأجنداتٌ خارجيةٌ في مجموعة تهمٍ تصل في مجموعها وعند ثبوتها حدّ الخيانة الوطنية، وأصدرت النيابة العامة أوامر الاعتقال وهي تتولى التحقيق قبل إحالة المتهمين إلى القضاء الذي سيصدر حكمه النهائي.

في هذا الموضوع صدر الأسبوع الماضي خطابان كاشفان عن طبيعة الصراع، الأوّل لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان القاسمي حاكم الشارقة وقد بدا فيه حازماً ورحيماً ينظر للأمر كمعالجةٍ ضروريةٍ لحماية الدولة والشعب من أي مخربٍ واعٍ أو مغررٍ به وينشد الحلّ بمعاقبة الجاني وتوعية الجاهل، وبالمقابل، أصدر أحد رموز جماعة “الإخوان” بالإمارات خطاباً تصعيدياً من مكانٍ مجهولٍ يعلن فيه إنشاء حزبٍ إخوانيٍ جديدٍ بالإمارات، وهو إعلانٌ لا قيمة له على الأرض وهدفه الوحيد ليس شيئاً سوى التصعيد.

مشروعيات متعددة

قبل هذا، يجدر التأكيد على أنّ “المشروعية السياسية” على طول التاريخ وعرض الجغرافيا متعددة المصادر والأنواع ولا يمكن اعتبار نموذجٍ واحدٍ نشأ وتطوّر تاريخياً ضمن السياق الغربي حاكما ًعلى غيره، فحجم المتغيرات بين طبيعة الشعوب وتطوّر ثقافاتها ووعيها وحضاراتها تمنع من وهم توحّد نموذج المشروعية السياسية.

من هنا فإنّ المشروعية السياسية في الإمارات تنطلق من عقدٍ اجتماعيٍ ضارب الأطناب في التاريخ بين شعبها وقياداتها من قبائل بدوية وأسر حضرية، حمته الأعراف الأصيلة والتقاليد العريقة التي لم يزل الشعب يتنسم نسائمها ويمجّد ذكرياتها في صراعاتٍ طويلة مع شظف الصحراء والمعاناة مع البحر.

ولم تكتف الإمارات بهذه المشروعية السياسية العريقة بل أضافت إليها مشروعية العدالة كمفهومٍ أساسيٍ عبر وضع الدستور والتطوير في بناء القوانين وتحديثها في كل المجالات، وفي عملية تطويرٍ مستمرةٍ ومتصاعدةٍ أضافت مشروعية الإنجاز والبناء عبر تنمية شاملةٍ ومستدامةٍ بخططٍ طويلة الأمد تمتد لعقودٍ قادمةٍ، وهو أمرٌ قبل أن يشهد به ما يراه كل إماراتيٍ في عيشه اليومي أو يقرّ به أيّ مقيم، فإنّه ما تتحدث عنه الإحصائيات والأرقام الصادرة عن مؤسساتٍ عالميةٍ تحكي سرعة التنمية وتنوّعها وشمولها وتتحدث عن مستوى الرفاه والرخاء والاستقرار في الإمارات بحيث أصبحت نموذجاً بلا مثيلٍ في كامل المنطقة.

هذا الاستقرار السياسي الذي تعاني شعوب الانتفاضات العربية من ضياعه وتلاشيه، راسخٌ في الإمارات ومؤسسٌ على نشر العدالة والمساواة أمام القانون وفرض الأمن والأمان في ربوع البلاد ترسيخاً للمشروعية السياسية وحمايةً لسيادة الدولة ورعايةً لتوفير سبل العيش الكريم والفرص المتزايدة للشعب والمواطنين، مع اختيارٍ واعٍ لتطويرٍ سياسيٍ متدرجٍ يتواءم مع متطلبات التنمية ويجنّب البلاد أي قفزٍ في المجهول، فكان للإمارات خيارها الواضح في جدل الأولوية بين التنمية والتقدم والرقي وبين الديمقراطية.

ضمن التطوّر المتواصل لطبيعة العقد الاجتماعي في دولة الإمارات والمشروعية السياسية ومنجزات الاستقرار والتنمية، يمكن قراءة الهجوم عليها من قبل جماعة “الإخوان” تحت شعارات الديمقراطية والحقوق ونحوها من المفاهيم الحديثة بدلاً من أيديولوجيتهم المتطرفة ومفاهيمهم الراسخة كـ”الحاكمية” في تكفير الحكّام، و”الجاهلية” في تكفير الشعوب، وانحيازهم الجديد للاستحواذ على السلطة السياسية عبر آليةٍ حديثةٍ هي “صندوق الاقتراع” بدلاً من آلية “الجهاد” التي كانت سبيلهم الوحيد.

فوضى المفاهيم

من هنا فإن الغارقين في أوحال فوضى المفاهيم والشعارات التي تستخدمها جماعة “الإخوان” عمداً بعد الربيع الإخواني، لا يستطيعون فرز ما يجري في الإمارات وقراءته بدقةٍ وتروٍ؛ فالديمقراطية مثلاً هي مفهومٌ غربيٌ تطوّر ضمن سياق الحضارة الغربية حتى تجلّى سياسياً في صناديق الاقتراع، والتجربة الديمقراطية لم تكن أبداً واحدةً لا في العصور القديمة كاليونان والرومان، ولا في النماذج الحديثة في غرب الأرض وشرقها.

ثمّ إنّ الديمقراطية كآلية وصناديق لا كمفهومٍ شاملٍ تطوّر تدريجياً في سياقاتٍ طبيعيةٍ في الغرب، وحين يتمّ إنزالها على الشعوب بـ”الباراشوت” لا تؤدي إلا إلى خرابٍ ودمارٍ وشتاتٍ وإعاقةٍ، وانظر مثلاً لنموذجي العراق وأفغانستان لتعرف أنّ هذه الآلية ليست حلاً سحرياً خارقاً يبسط التقدم ويصنع الرقي في لمحة عينٍ. وأكثر من هذا فإنّ مفهوم الحرية الأشمل الذي تعتبر الديمقراطية واحداً من تجلياته، قد عرّفه جان جاك روسو بقوله: “الحرية هي الخضوع للقوانين”. كذلك، يستند “الإخوان” في تصعيدهم ضدّ الإمارات على مفهوم الحقوق كما هو متداولٌ شعبياً لدى الناشطين الجدد وباستحضار إيحاءاته الغربية التي توهم التطابق. والمراقب لهذا النشاط الحقوقي يكتشف بسهولةٍ أنه نشاطٌ تحكمه الفوضى والحماس الذي يفيد في معارك “الإخوان” ولكنّه أبداً لا ينتمي لمفهوم الحقوق الحديث والشامل، بل إنّه يتمّ استخدامه كمطيةٍ فقط لمناكفة الأنظمة السياسية كدولة الإمارات ودول الخليج، وقد وصل ابتذال هذا المفهوم إلى حدّ استخدامه للمنافحة عن عناصر تنظيم “القاعدة” الإرهابي من الأتباع والمحرضين في العراق كما في السعودية كما في غيرهما من البلدان، باعتبار هؤلاء المجرمين معتقلي رأيٍ، وهو ما انخرطت فيه بعض المؤسسات الدولية ذائعة الصيت!

لقد اتضح من هجوم “الإخوان” على الإمارات أنّهم يتوسلون إلى ذلك بالاستقواء بالغرب كحكوماتٍ وإداراتٍ أو كمؤسساتٍ مدنية أو إعلاميةٍ وذلك عبر مداعبة الإنسان الغربي بمفاهيم كالديمقراطية والحقوق التي عندما ينقلها لهم المترجم يوهمهم أنّ الطرفين يتحدثان عن موضوعٍ واحدٍ بينما العكس هو الصحيح تماماً، فالديمقراطية لدى “الإخوان” هي التي توصلهم للحكم لا التي تقصيهم عنه، والحقوق لديهم هي التي تحميهم وتحمي عناصرهم وتسمح بمهاجمة الأنظمة السياسية التي لا يرتضون، وهم يخفون عمداً تفسيراتهم الآيديولوجية والحركية لهذه المفاهيم.

إن دولة الإمارات تحمي حقوق مواطنيها والمقيمين فيها، والتي يكفلها الدستور وتحميها القوانين وتطبقها الجهات التنفيذية، ولم تكن يوماً دولةً غاشمةً كالجمهوريات العربية المؤدلجة قومياً ودينياً، قومياً كالناصرية والبعثية، ودينياً كـ”طالبان” وإخوانياً كالسودان و”حماس”، تلك الأنظمة التي سامت شعوبها سوء العذاب.

كان التركيز أعلاه منصباً على تصعيد جماعة “الإخوان المسلمين” ضدّ دولة الإمارات ومحاولة لإعادة فحص المشهد وفرز الفوضى التي قادتها جماعة “الإخوان” للخلط تجاه الواقع وتجاه المفاهيم، وهو ما أثّر بشكلٍ أو بآخر على كثيرٍ من المراقبين والمتابعين عربياً وغربياً. وهذا أوان الدخول أكثر في تفاصيل المشهد وشياطين “الإخوان” تكمن في التفاصيل تاريخياً وتنظيمياً.

الحرية والخداع

في البدء، حرصت جماعة “الإخوان المسلمين” منذ إنشائها على بناء عناصرها وكوادرها عبر الولاء الخالص والتام لها ولمرشدها، وهو ولاءٌ تحميه مفاهيم دينية ملزمة لأتباعها كمفهوم البيعة والطاعة، وعبر آلياتٍ تتسم بطابع الجندية والعسكرية الصارمة، فأنشأ حسن البنّا جماعات الجوّالة ونظام الكشافة ثمّ تفنّن لاحقاً في بناء التنظيمات الأخطر داخلياً وخارجياً.

داخلياً، بنى حسن البنّا التنظيم الخاص أو السرّي الذي كان يعدّه للمهمات القذرة التي يسعى لتنفيذها تحت الأرض وبعيداً عن خطابه السياسي ومواقف جماعته المعلنة، ويقوم من خلاله بتصفية خصومه القانونيين والسياسيين عبر التفجيرات والاغتيالات والقتل على طريقة المافيا، وقد قتل هذا التنظيم كلاً من القاضي أحمد الخزندار ورئيسي الحكومة أحمد ماهر باشا ومحمود فهمي النقراشي وقام بتصفياتٍ داخليةٍ كقتل قائد التنظيم عبدالرحمن السندي لنائبه سيد فايز.

أما خارجياً، فقد أنشأ البنّا مكتباً للاتصال بالعالم الإسلامي لم يلبث أن تطوّر إلى “التنظيم الدولي لجماعة الإخوان”، وقد أقامه بنفس الطريقة يتودّد علناً لملوك ورؤساء وحكام الدول ليمنحوه إذناً بفتح فرعٍ للجماعة ومن رفض طلبه أنشأ في بلده تحت الأرض تنظيماً يواليه ويعادي بالضرورة وطنه كما فعل في غالب الدول العربية وعلى رأسها دول الخليج. ومن مهام هذا التنظيم الدولي صنع الثورات والتدخل السافر في شؤون تلك الدول الداخلية وخرق سيادتها وتهديد أمنها واستقرارها كما فعل في اليمن (1948) حيث صنع الثورة هناك على عينه وبقيادة أقرب المقرّبين له صهره عبدالحكيم عابدين والجزائري الخطر الفضيل الورتلاني، وتفاخر مؤرخ “الإخوان” بذلك حين أشار إلى أنّهم باتوا “يقيمون الدول ويسقطونها”، وكان البنّا يتفاخر بذلك أيضاً.

وقد استمرّت الجماعة بعد مؤسسها على نفس النهج، ولكن عبر رجلين هذه المرة هما حسن الهضيبي المرشد الثاني وسيد قطب الذي فرض نفسه على التنظيم، وفي هذه الفترة قام التنظيم الخاص بمحاولةٍ شهيرةٍ لاغتيال جمال عبدالناصر في الحادثة المعروفة بحادثة “المنشية” 1954، وقام سيّد قطب بمحاولةٍ في بداية الستينيات لبناء تنظيمٍ سريٍ يحضّر لانقلابٍ عسكريٍ بمصر، وكان الهضيبي الذي يمثل واجهة “الإخوان” يعبّر في العلن عن خلافه مع قطب ولكنّه يقول في السرّ: لقد “حصر أملي كله في سيّد… إن سيد قطب هو الأمل المرتجى للدعوة” (أيام من حياتي لزينب الغزالي ص36).

هذا وقد أولع “الإخوان دائماً بجمع المعلومات والتجسس على الآخرين، وهم يفخرون دائماً أن لديهم جهاز مخابراتٍ قادرٍ على جمع وتحليل المعلومات، فهم يتجسسون على كل شيء، على الأحزاب والهيئات والحكومات… ولقد راقبوا جميع حكام الدول العربية التي عملوا بها وفتحت لهم أبوابها، كما جمعوا عنهم معلوماتٍ، وكم استعملوا تلك المعلومات ضدّهم … لقد تعاونوا مع جميع الحكام ما داموا يحصلون على ما يريدون، ثم ما يلبثون أن ينقلبوا عليهم حين تختلف المصالح” (علي عشماوي، التاريخ السري لجماعة الإخوان المسلمين ص77)، وهو ما يؤكده يوسف القرضاوي حين قال: “وكنت أعمل في قسم الاتصال بالعالم الإسلامي، وهو قسم أنشأه الإخوان ليهتم بقضايا العالم الإسلامي مشرقه ومغربه، ويجمع معلوماتٍ عنها، ويتصل بالجهات المؤثرة فيها” (ابن القرية والكتّاب 1/453).

استهداف الخليج

حين يستحضر أي مواطنٍ إماراتيٍ أو مراقبٍ هذا السياق فلن يشكك في حقّ الإمارات وقيادتها في حماية بلدها ومواطنيها من أي تسربٍ لهذه الجماعة، وأنها لا يمكن أن تنخدع بخطاب الجماعة المعلن الذي يتقلب حسب الأحوال والظروف والمصالح بينما خطابها الداخلي والسري ثابتٌ لا يتزعزع، خاصةً إذا استحضرنا أن الهضيبي قد أقرّ بنفسه بقاء التنظيم السري أو النظام الخاص كما ينقل القرضاوي قراره بقوله “فوافق المرشد على بقائه” 2/36.

من حقّ غير المتابع لتاريخ الجماعة “الإخوان” أن يعلم أنّه واستمراراً لهذا النهج واستهدافاً لدول الخليج ومن ضمنها دولة الإمارات، فإنّ الهضيبي وبعد اجتماع مكّة عام 1973 لإعادة بناء التنظيم، شكل لجنةً في الإمارات وعين أعضاء إماراتيين في مجلس شورى “الإخوان” لأنّ التنظيم كان قائماً من قبل داخل الإمارات كما وثّقه علي عشماوي، ثم إنّه في عام “1977… بدأت وفود الجماعة تتحرك للخارج لتصل ما انقطع وجاء كمال السنانيري (نظام خاص) لمنطقة الخليج في هذه المهمة وقد نجح في مهمته لدى إخوان الخليج والجزيرة عموماً” (عبدالله النفيسي، الحركة الإسلامية: رؤية مستقبلية، أوراق في النقد الذاتي. بحث الإخوان المسلمون في مصر: التجربة والخطأ، ص:242).

وبالإضافة لهذه الحقائق التي وثّقْتها من بعض المصادر ولدي منها أكثر مما سبق، فإن استحضار تاريخ “الإخوان” الأحدث تجاه دول الخليج وتجاه الإمارات تحديداً شديد الأهمية في هذا السياق، أما تجاه دول الخليج فإنّ جماعة “الإخوان” في التاريخ المعاصر، وعلى الرغم من كل الرعاية الخليجية التي حظيت بها، فإنّها كانت دائماً في لحظات الأزمات الكبرى في المنطقة تنحاز لأيٍ موقفٍ معادٍ لدول الخليج، وهم حين يفعلون هذا في الإمارات اليوم فإنه يأتي ضمن سياقٍ تاريخيٍ يؤكد نهجهم وخطهم وسياستهم العامة تجاه هذه الدول، والأمثلة كثيرةٌ ومنها:

– حين قامت ثورة إسلامية في دولةٍ إقليمية معاديةٍ لدول الخليج (إيران عام1979)، هرعوا إليها بالتهنئة والتبريك.

– حين غزا صدّام حسين الكويت واحتلها انحازوا إليه ضد دول الخليج. وقد أدى هذا إلى أمرين؛ الأول: تعبير بعض القيادات الخليجية عن حجم المرارة تجاه “الإخوان” كما جاء صراحةً على لسان وزير الداخلية وولي العهد السعودي الراحل نايف بن عبدالعزيز. والثاني: خلق مرارةٍ لدى بعض المنتسبين للتنظيم من مواطني دول الخليج، تلك التي عبّر عنها الكويتي إسماعيل الشطي عبر كتاباته التي نشرها حينذاك، وكذلك انشقاق بعض “إخوان” الخليج الذين تخلّوا عن التنظيم واحتفظوا بقناعاتهم الفكرية الخاصة التي ارتضوها بعيداً عن جماعة “الإخوان”.

– حين انقسمت المنطقة بين محوري اعتدالٍ ومقاومة، تمثل دول الخليج وبعض الدول العربية الأول، وتمثل إيران” الثاني، انحاز “الإخوان” بكليتهم لمحور الممانعة ضداً لدول الخليج، فأيدوا “حزب الله” حتى في اعتداءاته الطائفية تجاه بيروت، وانحازت “حماس” لذلك المحور مغمضة العينين ولم تزل رموز “الإخوان” تفد على بلاط ذلك المحور تقدم فروض الولاء والطاعة.

– ومنذ “الربيع العربي” وإلى اليوم لم تقدم جماعة “الإخوان” بادرة حسن نيةٍ عن طريق الإعلان عن حلّ تنظيماتها في دول الخليج مثلاً، بل أخذت خط الهجوم وتعزيز نشوة أتباعها ضد أوطانهم كما يجري في الإمارات. ولم يزل عدد من رموزهم كالهلباوي وفهمي هويدي يصرحون بضرورة تحالف “الإخوان” بعد الوصول لسدة الحكم في دول “الربيع” الإخواني مع إيران.

الدولة متسامحة… وواعية

أمّا تجاه الإمارات فإنّ جماعة “الإخوان المسلمين” قد أنشأت تنظيماً موالياً لها داخل الدولة سبقت الإشارة لتأسيسه، وكان “الإخوان” يستخدمونه على الدوام بحسب حاجاتهم وأهدافهم، ففي مرحلةٍ معينةٍ كان هذا التنظيم يستخدم لجباية الأموال، وفي هذا يقول النفيسي: “يلاحظ أن أقطار الخليج والجزيرة ممثلة بثقل يفوق أهميتها بكثير، فحاجة التنظيم الدولي للإخوان للمال تتم تلبيتها من خلال ذلك… فمندوبو السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت، وعددهم سبع، يتم دائماً توظيفهم في عملية جباية الأموال للتنظيم الدولي للإخوان” (ص251). وهو ما أشار له علي عشماوي كذلك حين قال إنّ تلك “الأموال تقدر بالمليارات، ولك أن تتصوّر حجم الأموال التي تمّ تحويلها للإخوان عن هذا الطريق، وهو سبيلٌ واحدٌ، فما بالك بباقي دول الخليج وباقي الأساليب المتبعة للسيطرة على المال وإنفاقه في سبيل تحقيق أغراضهم، ناهيك بجمع أموال الزكاة من جميع أغنياء المسلمين في الخليج” (ص43).

كما أنّ “الإخوان” لم يألوا جهداً في أنواع الخداع والمكر وتوظيف أتباع تنظيمهم والمتأثرين به داخل الإمارات لخدمة أهدافهم، ومن ذلك ما ذكره الإخواني عبّاس السيسي حين تحدث عن واحدةٍ من آلياتهم في تمرير المشاريع التي يستفيدون منها بقوله: “جاء إلى دولة الإمارات العربية المتحدة وفدٌ من دولة الصومال، يحمل مشروع إقامة معاهد إسلامية باسم الشهيد حسن البنا، ولما توجّه الوفد لمقابلة سعادة وكيل وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف ليعرض عليه المشروع، وحاول هذا الوكيل ألا يذكر اسم حسن البنّا حتى يتيسر تمويل المشروع”. وأضاف عن جمع الأموال كذلك قوله: “توجه وفد من شباب المركز الإسلامي في مدينة ميونيخ بألمانيا الغربية، وهو أبرز مركز إسلامي في أوروبا، إلى دولة الإمارات العربية بغرض جمع تبرعات مالية لتنمية النشاط الاجتماعي والثقافي والرياضي، فضلا عن تدعيم المدرسة الإسلامية التابعة للمركز ومعاونة الطلاب الغرباء الذين يفدون إلى الجامعات من العالم الإسلامي والعربي. وفي مثل هذه الأحوال تقوم وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بتوصية أئمة المساجد بالتعاون مع الوفود” (عباس السيسي، حكايات عن الإخوان، ص: 2/44).

تخريب الروح الوطنية

الشعب الإماراتي محبٌ لوطنه مخلص لدولته ولهذا يستغرب بعضهم كيف يمكن لبعض أبناء الإمارات أن ينخرطوا في تنظيماتٍ معاديةٍ للوطن ذات ولاءاتٍ خارجية تستقوي بالأجنبي، ذلك أنّ كثيراً منهم مشغولٌ بفرص النجاح والإبداع والعيش الكريم التي يحظى بها، ولا يتصور أن البعض حين يخضع لخطابٍ ظاهره الدين وباطنه السياسة لسنواتٍ طويلةٍ تهتزّ لديه القناعات الراسخة لدى نظرائه ويفقد بوصلة توازنه. وحتى تتضح الصورة أكثر فإنّ “الإخوان” يربّون أتباعهم على نبذ الوطنية ورفضها، ومن ذلك أنّ حسن البنّا كان يرى أنّ الوطنية فتنة ويقول “افتتن الناس بدعوة الوطنية” ثم أوضح أنّ مفهومه للوطنية يتعلق بالعقيدة لا بالوطن والدولة والشعب بقوله “إننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة” (مجموع رسائل حسن البنّا ص: 19). واستمر بعده المرشد الثاني حسن الهضيبي في نفس الطريق فقد كان يقول: “نحن معشر الإخوان المسلمين لا نعترف بحدودٍ جغرافيةٍ” (عشماوي، ص:66، وصولاً إلى المرشد السابق للجماعة مهدي عاكف صاحب العبارة المشهورة “طزّ في مصر”.

ومن هنا فإنّ جماعة “الإخوان” وبعد اعتقالها لقلوب وعقول أتباعها توجههم إلى السيطرة على العملية التربوية والجمعيات الخيرية، الأولى لضمان صناعة الأجيال على عينها واعتقال الوعي المجتمعي لفترة طويلةٍ بما يخدمها، والثانية لجمع الأموال اللازمة لخدمة الجماعة الأم أو تعزيز مواقع التنظيم المحلّي ورموزه، ومن هنا فإنّهم حين يقومون عبر “أكاديمية التغيير” بتعليم الشباب كيف يحرض على وطنه ودولته وشعبه، فما أشبه الليلة بالبارحة حيث إنّ هذا نهجٌ قديمٌ لدى “الإخوان”، فقد “كان مدرسو الإخوان في جميع البلدان يجنّدون الشباب ويشحنونهم ضد حكامهم وبلدانهم” (عشماوي، ص: 14)، وهو ما فعلوه في العملية التربوية بأبعادها الثلاثة: المنهج والمعلّم والأنشطة اللاصفية في الإمارات حين كان حسن الظن بهم هو السائد والأمل بهدايتهم هو الأصل، فعبثوا بصياغة المناهج وأبدوا غضبهم حين قامت الدولة بتعديلها بما يخدم الوطن والمواطن، وعبثهم بالمناهج موثقٌ ولا تتسع له المساحة هنا، وازداد غضبهم حين تمّت تنحية بعضهم عن مباشرة تعليم الطلاّب وإحالتهم لوظائف إدارية بنفس الرواتب وذات الدرجة الوظيفية، فلم تقطع أرزاقهم ولم تحمّل عائلاتهم أوزارهم، وقد صرّح بعضهم في تلك الفترة لبعض وسائل الإعلام الأجنبية عن أجندةٍ خاصةٍ يريدون إيصالها لا تحتويها المناهج بالضرورة، والمقاطع موجودة على اليوتيوب لمن أرادها ولا تسمح مساحة المقال بوضعها هنا.

ولئن استغرب البعض مثل هذه المعلومات فلقد استغربها من قبل مثقفون مصريون وعبروا عن تفاجؤهم بها، فقد قال طه حسين بعد كشف التنظيم السري أو النظام الخاص الإخواني: “ما هذه الأسلحة وما هذه الذخيرة التي تدخر في بيوت الأحياء وفي قبور الموتى؟ ما هذا المكر الذي يكمن، وما هذه الخطط التي تدبر، وما هذا الكيد الذي يكاد، ولم كل هذا الشر، ولم كل هذه النِكر، ولم رخصت حياة المصريين؟ يقال إنها إنما رخصت بأمر الإسلام الذي لم يحرم شيئاً كما حرم القتل، ولمن ينه عن شيء كما نهى عن التعاون على الإثم والعدوان”. وهو ما أكده كامل الشناوي حين قال: “إنني حزين أن يوجد إنسان واحد، لا جماعة منظمة، يصنع الموت للناس ويحترف التخريب والتدمير، وإن قلبي ليقطر حزناً إذ كانت هذه الجماعة ترتكب جرائمها باسم الإسلام وتجد من يصدقون دعواها… إن الإسلام الذي يقول كتابه الكريم (وجادلهم بالتي هي أحسن)، لا يقرّ الجدل بالمسدسات والمدافع والمتفجرات” (رفعت السعيد: حسن البنّا… متى وكيف ولماذا؟ ص:211).

إن الغرض من هذه المقالات وهذا البحث هو توضيح الصورة للكثير من المراقبين والمتابعين حول طبيعة ما يجري اليوم من هجمة إخوانية منظمةٍ ضد دولة الإمارات حتى تكون المعلومات والأحداث حاضرةً في الذهن حين يتناولون الموضوع.

حذّر الشيخ زايد رحمه الله من تنظيم “الإخوان” في الإمارات، وأبوظبي ودبي تسيران على نفس النهج، والشيخ سلطان القاسمي حاكم الشارقة لم يأل جهداً في التحذير، وفعل مثله الشيخ حمد الشرقي حاكم الفجيرة، ورأس الخيمة تتخذ إجراءاتٍ لكفّ أي شرورٍ من هذه الجماعة، وبقية الإمارات تسير جميعاً في وحدة صفٍ وقرارٍ تجاه تنظيمٍ بهذه الخطورة.

أخيراً، وبعد هذا السرد الذي حاولت اختصاره قدر الإمكان، فأحسب أنّ أحداً لن يستغرب طبيعة جماعة “الإخوان” في صنع المؤامرات وزرع التنظيمات وتهييج الثورات والقيام بالانقلابات، فكل ذلك موثقٌ في تاريخهم، من زرع التنظيمات في الدول العربية إلى صناعة الثورات كما جرى في اليمن إلى القيام بالانقلابات العسكرية كما في السودان أو عبر صناديق الاقتراع كما صنعت “حماس”. حمى الله الإمارات ودول الخليج من كل ساعٍ بفتنةٍ يخبّ فيها ويضع.

 *كاتب سعودي

Bjad33@gmail.com

———————

نقلاً عن الاتحاد الإماراتية 

-- عبدالله بن بجاد العتيبي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*