السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » اتفاقية السلام في الفلبين.. هل ستصمد هذه المرة؟

اتفاقية السلام في الفلبين.. هل ستصمد هذه المرة؟

يتخوف الكثيرون من حدوث انتكاسة لاتفاقية السلام التي أبرمتها حكومة مانيلا أخيرا مع ”جبهة تحرير مورو الإسلامية” برعاية ماليزية ودعم من شركاء الفلبين في منظومة آسيان. ولمخاوف هؤلاء أسبابها المنطقية.

فهذه الاتفاقية التي جاءت كنتيجة لجهود 15 عاما من المفاوضات المضنية، سبقتها اتفاقيات مماثلة كثيرة لم يكتب لها النجاح والصمود منذ زمن الرئيس الراحل ”فرديناند ماركوس”، وذلك بسبب غياب الثقة بين طرفي النزاع، ناهيك عن الظاهرة المعروفة والمتكررة في مثل هذه الحالات وهي ولادة فئة راديكالية متشددة من رحم الحركة المقاتلة الأم، لتزايد على الأخيرة وتتهمها بالخيانة والاستسلام للخصم، وبيع القضية، وذلك من أجل تكوين فصيل مليشياوي لمواصلة القتال وتخريب عملية السلام.

فمثلما حدث في السبعينيات حينما انشقت ”جبهة تحرير مورو الإسلامية” بقيادة المتشدد ”هاشم سلامات” على ”جبهة تحرير مورو الوطنية” بزعامة الأستاذ الجامعي المعتدل ”نور ميسواري” تحت ذريعة أن الأخير وافق على الحكم الذاتي للأقاليم الفلبينية الجنوبية ذات الغالبية المسلمة، بدلا من الأصرار على دولة مستقلة ذات سيادة، هناك ما يشير إلى وجود جماعات راديكالية لم تعجبها اتفاقية السلام الأخيرة، وصارت متأهبة ومصممة على تخريبها. من هذه الجماعات فئة منشقة على ”مورو الإسلامية” تدعى ”مقاتلو تحرير بانغسامورو الإسلاميون” بقيادة المتشدد ”أميري أومبرا كاتو” (يعتقد البعض أنه يقود ميليشيات من ألف عنصر، بينما يقول البعض الآخر إنه منهك ومريض ولا يقوى حتى على السير) إضافة إلى من تبقى من مقاتلي حركة أبي سياف العنيفة المؤتمرة بأوامر تنظيم القاعدة في جنوب شرق آسيا. أما دليلنا على صحة ما نقول فهو تنديد المتحدث الرسمي باسم ”مقاتلو تحرير بانغسامورو” المدعو ”أبومصري ماما” باتفاقية السلام ووصفه لها بالخيانة وتهديده بشن هجمات عسكرية ضد المنشآت العامة ومعسكرات الجيش الفلبيني في أقرب وقت.

والمعروف أن اتفاقية السلام الأخيرة التي وقعها زعيم ”مورو الإسلامية” الحالي ”مراد إبراهيم” والرئيس الفلبيني ”بنينو أكينو الثالث” لم تلب المطلب الرئيس للمتمردين المسلمين في جنوب الفلبين وهو إنشاء دولة مستقلة لهم، واكتفت بمنحهم حكما ذاتيا ضمن الكيان الفلبيني، أي اعتماد ما تم التوافق عليه في اتفاقية السلام لعام 1989، لكن مع بعض الإضافات مثل تمتع الحكومة المحلية بسلطات سياسية وتشريعية وقضائية أكبر، وسيطرة أوسع على الموارد الطبيعية والمعدنية والنفطية، مع السماح لها بتطبيق أحكام الشريعة على غير المسلمين.

الأمر الآخر الذي يجب الإشارة إليه في هذا السياق هو موافقة المتمردين على نزع سلاح ميليشياتهم المكونة من نحو 11 ألف عنصر مقابل إدماج من يريد في الشرطة الفلبينية، ومقابل تشكيل هيئة انتقالية مكونة من 15 عضوا، تكون مهمتها صياغة تشريع جديد بحلول عام 2015 لتشكيل حكومة محلية إسلامية في ”بانغسامورو” وهو الاسم الذي اختارته قبائل مورو لمنطقتها المفترض تمتعها بالحكم الذاتي. أما مساحة هذه المنطقة وشكلها فسيحددها استفتاء شعبي لاحق، على الرغم من وجود مؤشرات على الأرض مفادها أن منطقةالحكم الذاتي لمسلمي ”مندناو” ستكون مشابهة كثيرا لما اتفق عليه في اتفاقية عام 1989، وذلك بمعنى اشتمالها على أراضي مندناو، وماغوينداناو، ولاناو ديل سور، وسولو، وتاوي تاوي، مضافا إليها ست بلدات في لاناو ديل نورث، وست بلدات أخرى في شمال كوتاباتو، ومدن كوتاباتو وإيزابيل في جزيرة باسيلان. وهذا يعتبر، عند متابعي الشؤون الفلبينية، أقل مما منحته حكومة الرئيسة السابقة ”غلوريا ماكاباغال أرويو” لمسلمي الفلبين في اتفاقية عام 2008 والتي ضمنت لهم السيطرة على 700 مدينة وبلدة في مندناو، قبل أن تقضي المحكمة العليا بعدم دستورية الاتفاقية.

ويمكن القول إن كلا طرفي النزاع كانا بحاجة لمثل هذه الاتفاقية التاريخية. فالرئيس أكينو يريد أن يذكره التاريخ حينما تنتهي ولايته في عام 2016، أي في العام نفسه الذي ستكتمل فيه تفاصيل الحكم الذاتي لمسلمي بلاده، ليس كرئيس سابق للفلبين، وإنما أيضا كصانع لسلام استعصى تحقيقه على كل أسلافه، بمن فيهم والدته ”كورازون أكينو” صاحبة إتفاقية 2008. إلى ذلك يطمح أكينو أن توفر اتفاقية السلام من الآن وحتى موعد رحيله عن قصر ”ملاقانيان” الرئاسي فرصة لمندناو خصوصا وللفلبين عموما للتغلب على الكثير من مشكلات البلاد الاقتصادية المزمنة، وذلك بفضل ما يختفي في باطن أراضي مندناو من ثروات معدنية (قدرت المصادر الأمريكية قيمتها بأكثر من تريليون دولار) من تلك التي حالت الحرب دون استخراجها واستغلالها تجاريا، هذا ناهيك عما تتمتع به أراضي مندناو من خصوبة، وبالتالي قدرة على جذب المستثمرين الأجانب المتطلعين للاستثمار في القطاع الزراعي، ولاسيما من دول الخليج العربية المعنية بالأمن الغذائي. من جهة أخرى فإن اتفاقية السلام، إذا ما نفذت كما ينبغي وكتب لها النجاح، فإن جزءا كبيرا من موارد البلاد التي كانت تذهب إلى المؤسسة العسكرية لتعزيز قدراتها لمواجهة المتمردين، ستوجه إلى مجالات أخرى مرتبطة بتحسين المستويات المتدنية لمعيشة الغالبية العظمى من الفلبينيين، الأمر الذي سينعكس إيجابا على شعبية أكينو.

أما ”جبهة تحرير مورو الإسلامية” فقد كانت هي الأخرى بحاجة إلى الصفقة المبرمة، بعدما استنهكت قواها في عمليات الكر والفر مع الجيش الفلبيني الأقوى عتادا والأكثر جاهزية، وجفت مصادرها المالية بفضل الحملة الدولية لمراقبة تحويلات الأموال والحصار المفروض على الجماعات المتهمة بالإرهاب. هذا ناهيك عن بعض التذمر داخل معقل الجبهة نفسها في مندناو بسبب عملياتها العسكرية الطائشة التي يدفع ثمنها المواطنون الأبرياء، وطول حقبة التمرد دون تحقيق الأهداف المرجوة.

إن في الفلبين الكثير من الأمور التي يستعصي فهمها على المراقب. أحد هذه الأمور ذات الصلة بما نتحدث عنه هو أن البروفسور ”نور ميسواري” الذي كان أول من تفاوض مع مانيلا لتحقيق السلام في مندناو، صار يقف اليوم في صفوف المناوئين لاتفاقية السلام الأخيرة. ولا يـُعرف إن كان موقفه هذا نكاية بـ ”جبهة تحرير مورو الإسلامية” التي تمردت عليه وخونته في عام 1976 حينما وقع مع مانيلا اتفاقية طرابلس لوقف إطلاق النار، أم أنه رغبة للعودة إلى المسرح السياسي بعدما خفت وهجه، وإنْ على حساب الاستقرار والسلام في ربوع الجنوب الفلبيني وجثث مواطنيه المسلمين.

ومن المخربين المحتملين للسلام، جماعة ”أبوسياف” التي اشتهرت بعمليات خطف الأجانب كرهائن ومقايضتهم بالمال. وهذه الجماعة التي مارست أعمالها القذرة في جزيرة باسيلان، يمكنها العودة مجددا إلى أنشطتها بدعم قتالي من كل أو بعض المتذمرين من بنود الاتفاقية الجديدة، وخصوصا أن من قاتلوا في صفوفها في التسعينات كانوا من ضمن من لم يوافقوا على اتفاقية مانيلا – مورو الوطنية. ويقول بعض المراقبين إن عودة جماعة ”أبوسياف” ستكون تحت مسمى جديد مثل ”الإخوة المجاهدون” أو ”جماعة الجهاد في أرض الفلبين”، ولاسيما أن مثل هذه الأسماء بدأت تظهر في الآونة الأخيرة في بعض المواقع الإلكترونية مرفقة بصور مقاتلين ملثمين يقفون أمام علم تنظيم القاعدة الأسود والأبيض، ويقودهم شخص يكنى بـ ”أبو عتيقة المهاجر”.

—————-

نقلاً عن الاقتصادية

-- د. عبد الله المدني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*