الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » المناصحة في مالي هل تقضي على الإرهاب ؟

المناصحة في مالي هل تقضي على الإرهاب ؟

انعقد في باماكو عاصمة مالي خلال الأسبوع الأخير من شهر نونبر 2012 ، مؤتمر  مؤتمر لرجال الدين وقياداته لمناقشة الوضع في مالي وسيطرة التنظيمات الإرهابية على شماله وكذا الاستعدادات الدولية للتدخل عسكريا من أجل طرد “الغزاة” المتطرفين ومساعدة الحكومة المركزية على بسط سيادة الدولة المالي على جميع أراضيها . 

وشارك إلى جانب رجال الدين القيادات السياسية يتقدمهم الرئيس الانتقالي ورئيس الوزراء والمشرعون وقادة الأحزاب السياسية . ويعد هذا المؤتمر  الأول من نوعه في البلاد، حيث ركز على أهمية توطيد الإسلام المالكي المعتدل في مواجهة الإسلام السلفي المتشدد. كما دعا القادة الدينيون إلى نشر رسالة السلام من خلال الإسلام الحقيقي الذي يدعو إلى التسامح واحترام الآخر. كما تناول الملتقى القضايا المتعلقة بالسلام والاستقرار بمالي والدور الذي يجب أن يلعبه الزعماء الدينيون في حل الأزمة القائمة، كما وجهوا نداء إلى الأمة المالية برفض إتباع الفكر الجهادي. 

وتجدر الإشارة إلى أن نشر رسالة الإسلام الحقيقي يتولاها ، في المقام الأول ، رجال الدين والفقهاء وليس رجال السياسة وقادة الأحزاب . وكون مالي وصلت إلى ما وصلت إليه من سيطرة التنظيمات المتطرفة على ثلثي أراضيها ، فذلك راجع بالأساس إلى الفراغ الذي تركه رجال الدين الذين لم يضطلعوا برسالتهم ويقدموا للماليين العقائد الإسلامية السمحة لمواجهة العقائد الضالة التي يعتنقها المتطرفون وينشرونها بين السكان . 

فلم يكن ممكنا أن يشكل المتطرفون قاعدة لهم في مالي لولا الفراغ الروحي وانزواء رجال الدين وتخليهم عن مسئوليتهم الدينية . وليس مالي وحدها التي عاشت الفراغ وعانت من انتشار العقائد الضالة والمضللة ، بل كل البلاد العربية التي لم تدرك خطورة هذه العقائد إلا بعد أن تحولت إلى عبوات ناسفة وتنظيمات إجرامية تشيع ثقافة القتل والتفجير . 

وكان حريا بفقهاء مالي أن يستفيدوا من أخطاء الدول التي انتشر فيها خطر التطرف ، وعلى رأسها الجزائر الجارة . أما وقد بات ثلث البلاد تحت سيطرة المتطرفين وانخرط في تنظيماتهم الإرهابية أعداد من أبناء مالي ، وخاصة الأزواديين ، فإن دور رجال الدين قد بات منحصرا ولن يكون له تأثير ذو جدوى في طرد الإرهابيين وإشاعة الأمن والاستقرار في كل تراب مالي. 

إن الإرهابيين في مالي باتوا قوة عسكرية منظمة تتوفر على الأسلحة الثقيلة إلى جانب مئات من المقاتلين الأجانب بمن فيهم الأوربيين . 

وكما يقول المثل “البكاء وراء الميت خسارة” ، بمعنى لن ينفع بكاء رجال الدين على ما آلت إليه الأوضاع في مالي ؛ فالأمر يقتضي توعية الشعب وإشراكه في خوض معركة تحرير الأرض والعقول من سيطرة التطرف والإرهاب . خلال العقدين الماضيين لم تكن مالي تعرف تنظيمات متطرفة ولا عقائدهم الضالة ، لكن وجودها إلى جوار الجزائر جعل عدوى التطرف والإرهاب تنتقل إليها بسبب ضعف الدولة واستقالة العلماء . 

فالدولة كانت عاجزة عن حماية حدودها من تسرب الإرهابيين الذين اتخذوا من شمال مالي ملاجئ لهم حولوها ، فيما بعد ، إلى معسكرات ومخابئ يخفون فيها الرعايا الأجانب المختطَفين حتى لا تدركهم القوات العسكرية النظامية . كما أن استقالة رجال الدين عن القيام بمهامهم الدعوية تركت المواطنين ضحية للعقائد الضالة. 

وخطورة هذا الأمر أن تنظيم القاعدة استقطب أعدادا من شباب مالي وجندهم للقتال في صفوفه ضد الدولة المالية ، بل عين منهم قادة ميدانيين على رأس كتائب لمواجهة القوات الأجنبية التي تستعد للتدخل عسكريا في مالي .فقد  أعلن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يوم الأربعاء 28 نوفمبر 2012 عن إنشاء كتيبة جديدة تحمل اسم “يوسف ابن تاشفين”.  وتتألف الكتيبة الجديدة بالأساس من عناصر طوارقية من سكان منطقة أزواد في الشمال المالي وبقيادة أحد أبناء الطوارق المحليين الناشطين في التنظيم الجهادي ويدعى القيرواني أبو عبد الحميد الكيدالي. 

وقد أوردت صحيفة الأخبار  الجزائرية تصريحا لأحد أعضاء اللجنة الإعلامية لإمارة الصحراء يدعى أبو يحي الأنصاري، حيث قال ” شهدت الأيام الماضية إنشاء هذه الكتيبة واختارنا لها اسم القائد المرابطي الشهير الذي فتح الأندلس يوسف ابن تاشفين. 

وأضاف الأنصاري قائلا “لقد تم اختيار أحد أبناء المنطقة ويعرف “بأبي عبد الحكيم القيرواني” لإمارتها، وهو أحد أفراد كتيبة الأنصار التابعة للتنظيم التي يقودها عبد الكريم التاركي”. 

إذن ، يهدف تنظيم القاعدة إلى تأمين إمارته عبر جعل الماليين يواجهون بعضهم بعضا ، بحيث يوظف العنصر القبلي والصراع الذي كان بين السلطة المركزية في مالي وبين قبائل الأزواد لتشكيل جبهة أزوادية مناصرة لتنظيم القاعدة ، تحتضن مقاتليها وتقاتل في صفوفها . فتنظيم القاعدة يسعى ليخترق النسيج الاجتماعي والقبلي لمنطقة أزواد حتى يكسب عطف الأزواديين ونصرتهم له . 

وكلما تأخر التدخل العسكري في مالي ، كلما أعطى مزيدا من الوقت لتنظيم القاعدة لينشئ قواعد عسكرية واجتماعية وقبائلية سيكون من الصعب تدميرها ، مثلما يحدث في الصومال أو اليمن أو أفغانستان . 

فحين تصير التنظيمات الإرهابية جزءا من النسيج المجتمعي لأي دولة ، تصبح المعركة ضد المتطرفين صعبة ومعقدة ، ويصبح حسمها لفائدة الدولة بعيد المنال ومكلفا على كافة المستويات .  

 

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*