الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار

مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار

يهدف مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات إلى إتاحة وتشجيع الحوار بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة حول العالم. وقد سجل يوم 26 نوفمبر (تشرين الثاني) 2012 تاريخ الافتتاح الرسمي لمركز الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين الأديان والثقافات في فيينا. وسيعمل المركز كبؤرة لتيسير الحوار بين الأديان والثقافات ودعم الفهم وتعزيز التعاون واحترام قيم التنوع والعدل والسلام.

كانت هذه جلسة فريدة! في يوم افتتاح المركز، شارك رجال دين بارزون ومفكرون وعلماء لاهوت، على سبيل المثال شارك البطريرك بارثولوميو، والحاخام بنحاس غولدشميت، كبير حاخامات موسكو ورئيس مؤتمر الحاخامات الأوروبيين، وعبد الله بن عبد المحسن التركي، الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، والكاردينال جان لويس توران، رئيس المجلس البابوي للحوار بين الأديان، في الجلسة الافتتاحية. إضافة إلى ذلك، فسوف يحضر المراسم أمين عام الأمم المتحدة، بان كي مون، والكاردينال النمساوي كريستوف شونبورن، ووزراء خارجية النمسا وإسبانيا والسعودية، الدول التي أنشأت المركز الثقافي للملك عبد الله. كانت سماء مركز الحوار مليئة بالنجوم.

على الجانب الآخر، للأسف، نسمع في أيامنا هذه كما هائلا من الأخبار المفجعة، فعلى وجه الخصوص في منطقتنا، تزداد أخبار التفجيرات، ومقتل المواطنين الأبرياء، وحرق الكنائس، وما إلى ذلك.. ولسوء الطالع، أدى الكم الهائل من هذه الأخبار المحزنة إلى أن تصبح أخبارا عادية، تماما كأخبار حالة الطقس. حينما ننظر إلى عناوين الأخبار الصادرة يوم 26 نوفمبر، نسمع صوت الموت والكراهية. إنه ليس صوت الحياة، وصوت أجراس المدارس. ليس صوت الحكمة، ولا هو بصوت الماء! مثلما يقول الشاعر تي إس إليوت في قصيدته الشهيرة «الأرض الخراب»:

«قطرات تسقط.. قطرات تسقط.. تسقط تسقط تسقط

لكن.. ليس هناك ماء».

تعج وسائل الإعلام بكلمات براقة، لكنها كلها مثل سقوط قطرات الماء، من دون صوت ماء، من دون معنى. حينما نستمع لما يجري في سوريا والعراق وأفغانستان وميانمار ونيجيريا؟ كيف يمكننا أن نسمع صوت الحياة والحب والماء؟ من بين هذه الأصوات المناهضة للحياة وللحكمة، هناك أيضا صوت جديد، صوت الحوار. لدى فيصل بن معمر، الأمن العام لمركز الحوار، رؤية حاذقة، وهو يعتقد أننا جميعا يجب أن نتحول إلى فكرة جديدة أو مذهب مميز أو إذا شئت دين الحوار.

كيف يمكننا تنظير هذه الفكرة؟ دعوني أكن صريحا، عندما نتحدث عن الحوار بوصفه المبدأ الأساسي للفكر والأعمال والحياة، علينا أن نؤمن بأن الآخرين، مثلنا يرغبون في الوصول إلى الطريق الأمثل، في الخلاص والسمو. إنهم يحبون الحرية، ويضعون في حسبانهم القيم الإنسانية. إذا قبلنا بفكرة أننا محور العالم وأن الآخرين يجب أن يقبلوا أفكارنا أو آيديولوجيتنا أو ديننا، من منطلق أنهم يروجون لأفكار خاطئة، فستكون هذه هي نهاية الحوار؛ إنه مونولوج. وفي المونولوج، يكون هناك شخص واحد فقط يتحدث، ويكون على الآخرين الاستماع إليه. هذه هي نظرية الطغيان والاستبداد. إنها نهاية الحرية وحقوق الإنسان. انظروا إلى ميدان التحرير في القاهرة، هذه المظاهرات ضد المونولوج! لسوء الحظ، امتنع معظم الساسة عن الاستماع للآخرين. أجد من المدهش أنه في غالبية آيات القرآن التي تتحدث عن الاستماع والرؤية، دائما ما يأتي الاستماع أولا، ثم تليه الرؤية. وحتى عندما يتحدث الله عز وجل عن ذاته الإلهية يقول: «السميع البصير». في آية أخرى، أثنى الله على النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأنه كان يستمع إلى الآخرين، ولهذا، وصفه المشركون بلفظة «أذن»!

«ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن قل أذن خير لكم» (التوبة 61).

لحسن الحظ، نسمع اليوم بعض الأصوات المفيدة البناءة، من بينها، على سبيل المثال، عبد الرحمن السديس، الرئيس العام لشؤون المسجد الحرام والمسجد النبوي، وهو يشتهر جدا بصوته المحفز وتلاوته المؤثرة لآيات القرآن الكريم. حينما أستمع إليه وهو يتلو آيات القرآن الكريم، أشعر وكأنني أسمع رنين الوحي:

الحارث بن هشام سأل رسول الله: «يا رسول الله! كيف هو الإلهام الإلهي أوحي إليك؟».

أجابه: «أحيانا ومن (كشف) مثل رنين جرس». («صحيح البخاري» مجلد 1 كتاب 1 عدد 2)

يقول السديس إن القرآن الكريم، الذي يعتبر معجزة خالدة، يتضمن أشكالا مختلفة للحوار. من ثم، يمكننا أن نفهم أن الحوار منهج يشجعه الله. ويضيف أن «إنشاء هذا المركز في الغرب يبعث رسالة قوية مفادها أن الإسلام دين الحوار والتفاهم، وليس دين العداوة والتعصب والعنف.

إن هذا حدث تاريخي في مسار العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب، فمن شأن المركز أن يلعب دورا هاما في تضييق الخلافات بين أتباع الديانات والثقافات المختلفة»، بحسب السديس.

في اجتماع الأمين العام وأعضاء مجالس الإدارة مع وزراء خارجية النمسا وإسبانيا والسعودية، قيل إن المركز مثل مولود جديد. لكن يتراءى لي أن صوت المولود مفعم بالأمل والسعادة، وأن صوته مسموع. بيد أن الأسلحة تحيل الحياة إلى موت، بالقصف الصاروخي، نحيل المزارع إلى أرض خراب، ونحيل الأمل إلى كراهية. ولكن حينما نتحدث إلى بعضنا البعض، مؤمنين بأننا جميعا كبشر سواسية، يكون هذا هو صوت الحياة والحب.

——————
نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- عطاء الله مهاجراني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*