الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » جمر «الإسلام السياسي»

جمر «الإسلام السياسي»

من غير اليسير على مؤرخ الفكر السياسي خاصة، وعلى المنشغل بشؤون العالم العربي – الإسلامي (والعربي تحديدا)، أن يصل إلى تعريف لهذا الذي يقال عنه، إنه «الإسلام السياسي». فالشرط في التعريف الصحيح أن يكون تعريفا جامعا (بمعنى أنه يجمع كل العناصر التي تُكوّن البنية أو النظام الفكري موضوع النظر)، مانعا (بمعنى أنه يمنع عناصر أخرى من التسرب إلى التعريف تفسده أو تشوش عليه). ولأمر ما، سمي التعريف عند المناطقة العرب وعند الفقهاء وغيرهم «حدا». فيقال حد كذا هو كذا، فكأنهم يجعلون للموضوع المراد تعريفه حدودا يقف عندها من جهة، وتمنع عنه اختلاطه بما ليس منه أو فيه من جهة أخرى.

فلو طلبنا على سبيل المثال، تعريفا للخلافة (الإمامة العظمى) عند مفكري الإسلام، وعند فقهاء الفكر السياسي خاصة، لعثرنا على تعريف واضح، بل تعريف جامع مانع، والشيء نفسه بالنسبة للقضايا التي تتصل بها. 

ولو تساءلنا: ما النظرية الثيوقراطية (نظرية الحق الإلهي للملوك أو الحق المقدس) لألفينا ضالتنا في كتب واضحة المعاني سهلة العبارة نسبيا. ولنا أن نقول الشيء نفسه عن الفكر السياسي الحديث أو الفقه الدستوري المعاصر. ومن جهة أخرى، فإن الدارس يجد نفسه أمام نصوص «كلاسيكية» يمكن الرجوع إليها بكل التيارات الفكرية السياسية المراد دراستها، والمعنى ينسحب بطبيعة الأمر على الفكر السياسي في الإسلام. والشأن غير ذلك، جملة وتفصيلا، بهذا الذي سار الناس على نعته بـ«الإسلام السياسي». ذلك أن المشكل هو انعدام نصوص يمكن الرجوع إليها ونظريات يمكن تحليلها حين الحديث عن هذا «الإسلام السياسي». وإذا شئنا النظر إلى هذا «النظر السياسي» بكيفية أخرى ونعتناه بـ«الحركات الإسلامية السياسية المعاصرة» لجابهتنا جملة من الإشكالات النظرية والعملية.

أما النظرية منها فنقول إيجازا، إنها ندرة النصوص، وربما انعدامها بالجملة، فلا يجد الدارس أمامه سوى جملة من البيانات والمنشورات والأوراق المبعثرة، وربما تعين الأمر (وهذا ما وجدتني أضطر إليه) إلى الاستعانة بتصريحات متهمين من قيادات «الإسلام السياسي» أمام المحاكم أو في حوارات مع الصحافيين، ثم إن من غير الممكن من الناحية الفكرية، أن نُرجع مكونات هذا الفكر إلى الفكر السياسي في الإسلام على نحو ما نعهده في ممثليه المعروفين متكلمة، وعلماء أصول الفقه، وفلاسفة مسلمين. وأما من الناحية العملية فنجدنا أمام تنوع واختلاف شديدين في مواقف وعمل وقول المنتسبين إلى هذا الفكر.

نحن، كما نقول أمام تنوع واختلاف يصلان إلى درجة التناقض وعدم إمكان الوصول إلى عناصر يكون الاتفاق عليها، اللهم إلا ما كان من شعارات عامة. 

والشعار في السياسة يدعمه برنامج له مكونات اقتصادية وسياسية واجتماعية وثقافية. له خارطة طريق واضحة، وهذا من جهة أولى، كما أنه من جهة أخرى، يعمل في واضحة النهار ويقبل بحدود الشرعية والمشروعية التي ترسمها قوانين عامة ودستور أسمى يكون الاحتكام إليه. 

وليس الأمر كذلك عند أهل «الإسلام السياسي» أو بالأحرى ليس ذلك دائما، لا بل إنه لا يكون إلا نادرا ما دامت أغلب تيارات هذا الفكر ترفض الشرعية والمشروعية في المعنيين اللذين يعنيهما الفكر السياسي الحديث والفقه الدستوري المعاصر. نعت الإسلام السياسي، عند الذين يتحدثون من باب الإطلاق يشمل – على سبيل المثال لا الحصر – جماعات الإخوان المسلمين والتنظيمات السرية والعلنية المتفرعة عنها في كل البلاد العربية، وجماعات السلفية الجهادية وما في معناها، وجماعات التكفير والدعوة أو الهجرة، والجماعات الدعوية التي منعت من الإعلان عن نفسها حزبا سياسيا، واللائحة طويلة تمتد فتشمل ألوان الطيف كلها.

ثم إن في من ذكرنا من تنظيمات سرية أو علنية من كان رافضا للعمل السياسي الشرعي جملة وتفصيلا، انسجاما مع الثنائية الشهيرة: فسطاط الإيمان/ فسطاط الكفر، أو ثنائية: الجاهلية/ الإسلام، ثم أصبح بعد ذلك يقبل العمل داخل الشرعية والمشروعية ويرحب بهما، ولعل أفضل مثال وأوضحه في ذلك هو حزب النور في مصر وتيارات «سلفية» أخرى، فهذا الحزب الذي ظل عقودا كثيرة يعمل تحت ستار الدعوة من جانب، وينخرط في عمل العنف المسلح من جانب آخر، أصبح اليوم يمتلك عددا هائلا في البرلمان المصري ويتحدث بحسبانه حزبا سياسيا له برامج سياسية، وإن كان لا يعبر عنها في صورة برامج سياسية تقبل الأخذ والرد ولا يكون المعترض عليها معترضا على الشرع ولا معارضا لتطبيق حكم الله. 

ومن هذه التيارات من ظل يعمل على الواجهتين الدعوية والسياسية على نحو غريب؛ فهو جماعة لها برنامج دعوي (ومن حيث هي كذلك فإنه لا شأن لها بالسياسة في المعنى المتعارف عليه والمقررة قواعده في النظم السياسية وفي الدساتير، وبالتالي ما به تكون الحياة السياسية الطبيعية والمتفق على قواعدها) ولها مرشد عام ومكتب إرشاد أو جماعة. 

وهو، على نحو غريب حزب سياسي له برنامج وأهداف، فهو يدخل معترك السياسة من حيث إنها مجال لصراع على البرامج السياسية، ولا شأن لها بالدعوة الدينية وبرنامجها ولغتها وأهدافها، لا بل إن الأصل في العمل الحزبي هو قبول الفصل التام والكامل بين الديني والسياسي. 

ولعلي أقول في عبارة قد تكون صادمة بالنسبة لوعي البعض، من الذين لا يحبون تسمية الأشياء بأسمائها: إن الحزب السياسي، أيا كان، لاييكي من حيث إن الحياة السياسية هي التجسيد الواقعي وليس المتوهم أو المرفوض اسما لا معنى للاييكية. وأحسب أن هذا التصنيف ليس مما يرفضه أحد في الحديث عن جماعة الإخوان المسلمين وعن حزب الحرية والعدالة في مصر.

وهذه الازدواجية أو بالأحرى هذا الجمع العسير بين الدعوة وبين السياسة ليس مما يصدق على جمهورية مصر العربية بمفردها، بل إن التعميم لا يوقع في الخطأ حين الحديث عن الأغلبية العظمى من الأحزاب السياسية التي نعتت في البلدان العربية بالأحزاب ذات المنحى الإسلامي أو الحساسية الإسلامية العالية. 

ولعل الاختلافات ترجع فقط، إلى الفروق القائمة بين الأنظمة السياسية في تلك البلدان ومدى قوة أو ضعف شرعيتها ومشروعيتها التاريخية والشعبية. وهي، في مستوى آخر تتعلق بالبنية الاجتماعية – الثقافية وبالواقع الاقتصادي الضعيف أو المتردي وبحصيلة الاحتقان السياسي وبطبيعة الاستبداد أولا وأخيرا.

ما زلت أحسب أن هناك فروقا في النظر قائمة بين طرائق النظر عند كل من الأحزاب التي تتمسك بالشرعية والمشروعية وتقبل العمل في ظل الدولة المدنية (مع أني أؤمن أشد الإيمان بإمكان الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، أي تلك الدولة التي تدرك عمق الدلالة اللاييكية وتعتبر الشريعة إحقاقا للمقصد الأسمى للشرع وهو مراعاة مصلحة الخلق)، وتلك الأحزاب الأخرى التي ترتئي العمل السياسي المشروع تقية وإظهارا لغير ما تبطن من النيات. وفي هذا المعنى كنت أريد لحديثي اليوم أن يكون تأملا في التصريحات المثيرة لأحد شيوخ الجماعات التكفيرية، حيث جاهر بانتسابه (السابق) لتنظيم القاعدة واشتراكه في تحطيم تماثيل بوذا التاريخية في أفغانستان، ثم دعوته – في انسجام مع الخط الآيديولوجي الذي يسلك – إلى وجوب اجتثات كل ما من شأنه أن يذكر بالأصنام والكفر أو يغري بعبادة الأصنام ومن ثم تهشيم «أبو الهول» الرمز التاريخي لمصر الفرعونية. كنت أحسب ذلك حتى فوجئت بقرار الرئيس المصري ضم كل السلطات التشريعية والقضائية إليه، مع التنبيه إلى أن هذه السلطات لا يصح الاعتراض عليها قانونيا، وكذا تعطيل الإعلان الدستوري الذي أصبح بموجبه رئيسا لمصر وبلغ سدة الحكم عن طريق الانتخاب.

————-

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- سعيد بنسعيد العلوي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*