السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ما يحدث في مصر حراك طبيعي للفصل بين حكم الدولة وإدارتها

ما يحدث في مصر حراك طبيعي للفصل بين حكم الدولة وإدارتها

 

انقسم الرأي العام المصري حول الأزمة الأخيرة التي تعصف بالبلاد بسبب الإعلان الدستوري إلى فئات عدة. فئة في صف الرئيس، ويبدو أنها هي التي تدير الدولة وترغب في مد يدها على الدستور من أجل حكم مصر وإدارتها في آن واحد، وهؤلاء يرون أن الدستور يأخذ في الحسبان مصالح جميع الشرائح بما فيها الأقليات. صنف يرون أنه تم انتخاب الرئيس بصلاحيات محدودة ولمدة محدودة كرئيس وليس مرشدًا دينيًّا أو ملكًا متوجًا، وهؤلاء لا ينكرون صلاحياته كرئيس منتخب، إلا أنهم يرون أن له حدودًا عليه أن يلتزم بها. صنف ثالث يستغل الأحداث ويريد أن يستثمر حالة الفوضى التي تمر بها البلاد لإعادة الوضع إلى المربع الأول لعلهم يظفرون بمنصب الرئيس نفسه، ولو تمكن هؤلاء من رئاسة الجمهورية فأظنهم سيفعلون الشيء نفسه، وسيغيرون في الدستور حتى يوافق هواهم. صنف رابع لا يدرون لماذا يثور الناس، فهم ينتظرون لمن ستكون الغلبة ثم يحددون موقفهم.

وأثيرت أسباب عدة وراء تصعيد الأزمة، فالبعض يرى أن لإسرائيل وأمريكا دورًا في ذلك بحكم أن الأزمة أتت بعد قصف غزة الأخير، الذي اندحرت فيه إسرائيل في سابقة لم تعهدها من قبل بسبب وقوف مصر مع القطاع، فكان لا بد من معاقبة مصر وطرد الإخوان من رئاسة الدولة. آخرون يرون أن السبب يكمن في فلسفة الإخوان أنفسهم، التي تقوم على مرتكز رئيس يتمثل في تبنيهم مبادئ الحاكمية، هدفه المبطن إنشاء دولة الخلافة الإسلامية.

أما أنا فأرى أن هذا حراك طبيعي هدفه فصل حكم الدولة عن إدارتها، هيجه الوعي السياسي الذي بدأ يدب في الشارع المصري بعد الثورة، إلا أن مصر ارتكبت خطأ فادحًا عندما قامت بانتخاب الرئيس دون أن تصوغ لها دستورًا يحقق لجميع فئات الشعب المصري أهدافه، ويحافظ على مزيجه وتماسك مكوناته، ويكون من ضمن بنوده طريقة اختيار رئيس الجمهورية، وهنا يتمثل دور الرئيس في إدارة شؤون الدولة فقط، وليس له الحق ألبتة في التعدي على الدستور، فالذي يملك حق التغيير والتبديل هو مجلس منتخب من تيارات مختلفة بعد الاستفتاء الشعبي عليه، وليس للرئيس علاقة بذلك لا من قريب ولا من بعيد. 

وتكمن قوة الدولة في حماية الدستور من العبث أو التعديل أو التحريف أو سوء التفسير أو التأويل، فهو خط أحمر وبيان مقدس، فمن يتجرأ ويحاول تعديل بنود الدستور يحاكم بتهمة الخيانة العظمى ولو كان الرئيس ذاته. وكانت بالفعل فرصة لمصر أن تفعل ذلك قبل اختيار الرئيس، أما وقد تم اختيار رئيس الدولة قبل التراضي على الدستور وحمايته، وقد تعارف المصريون على أن رئيس الجمهورية يغير ويعدل ويحذف ويضيف ما يرى في الدستور، فمن الطبيعي أن تصل مصر إلى هذا الوضع، فأزمة مصر الحقيقية منذ الثورة على الملكية في منتصف القرن الماضي أزمة دستور وليست أزمة قيادات، فهي لديها مخزون من القياديين الأفذاذ.

حتى تتضح لنا أهمية الدستور يجب أن ننظر إليه على أنه عبارة عن قيم جوهرية تصل إلى مرحلة الاعتقاد والإيمان تعد بمنزلة خطوط حمراء لا تمس من قبل أي جهة حتى من قبل رئيس الجمهورية. 

ولا يكفي إعلان الدستور أو التصويت عليه، بل يجب أن يعمم على جميع طوائف وفئات وشرائح الشعب حتى يصبح ثقافة تصل إلى حد العقيدة تماثل عقيدة المواطن الحقيقية، فالدول التي خمدت فيها الثورات يحمل مواطنوها عقيدتين مختلفتين: عقيدتهم الأصلية (مسلم، مسيحي… إلخ) والعقيدة التي رسخها دستور البلاد، والأولى لا تتعارض مع الثانية. فالولايات المتحدة على سبيل المثال لديها مجموعة من القيم الجوهرية موضحة بأسلوب واضح مبين في ”إعلان الاستقلال”. 

وفي ”خطاب جيتسبرج” للرئيس إبراهام لينكون، وهذه القيم الجوهرية يُحَرَّمُ المساس بها حتى من قبل رئيس الجمهورية. كما أن لليابان آليات واضحة استطاعت من خلالها أن تصل إلى قيم جوهرية تحكم الدولة ويتحتم على الجميع الإيمان بها.

وهنا يجب أن نفرق بين القيم الجوهرية، التي يحرم المساس بها وبين الممارسات التشغيلية التي يمكن تغييرها، فهذه الأخيرة عبارة عن آليات مهمتها إدارة وتشغيل مرافق الدولة، ويمكن أن تتغير وتتبدل وتنجز، ومن حق الرئيس أن يغير ويعدل ويبدل ما يشاء حسب الصلاحيات الممنوحة له في الدستور؛ لأن نجاحه في إنجاز مهمته كرئيس يقاس بمدى تحقيقه الأهداف التشغيلية والاستراتيجية دون المساس بالقيم الجوهرية التي تحكم الدولة، وتبقى هذه الأخيرة بمنزلة البوصلة التي تحدد اتجاهها، وعندما يعبث فرد أو جهة بالقيم الجوهرية، فإن توجه الدولة سيتغير، بل قد تسير في غير اتجاه؛ لأنها فقدت بوصلتها. وعندما تَثبت القيم الجوهرية وتتضح معالم الدستور وينظر إليه على أنه شبيه بالكتب المقدسة، فإن فكرة القائد الفذ والشخصية البراقة التي تتغنى بها الشعوب تتلاشى، فلم تعد إليها حاجة فتنحصر مهمة الرئيس في إدارة الدولة بممارسته العمل التشغيلي بما فيه العمل التشغيلي السياسي والأمني والعسكري، أما حكم الدولة فليس في يده. 

لهذا نرى رؤساء الدول بعد كل ثورة يضعون الدستور تحت أعينهم، يبدلون ويغيرون حسب أهوائهم من أجل أن يحكموا ويديروا في آن واحد، فيصنعوا من أنفسهم أبطالاً ورموزًا وطنية، كما هو الحال في مصر قبل الثورة وفي سورية والعراق وغيرها.

أرى أن ما يحدث في مصر حراك طبيعي- ولو أنه أتى متأخرًا بعض الشيء- هدفه فصل حكم الدولة عن إدارتها، وهذا إنجاز تاريخي لو تحقق فسيحمي الدولة من تسلل الدكتاتوريات وحكم الحزب الواحد، وهذا يدل على الوعي والنضح السياسي لشعب أرض الكنانة، ونراهم مُصِرِّينَ على ذلك رغم أن هذا قد يكلفهم الكثير، لكن إن وصلوا فستخمد الثورات في مصر إلى الأبد – بإذن الله – ومن ثم يتفرغ المصريون لبناء دولتهم.

حمى الله مصر، وأهل مصر، وأهل الشام والعراق وجميع بلاد المسلمين وأصلح ذات بينهم.

—————

نقلاً عن الاقتصادية

 

-- د. سعيد بن على العضاضي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*