السبت , 10 ديسمبر 2016

موقفنا مع النص

هناك نصوص شرعية نقف عندها موقف المتفرج الذي لا شأن له بها، فنكتفي منها بالرواية أو الدراية أو التعجب، ثم ما نلبث أن نحيل فقهها، أو معناها، أو ما فيها من حث وتحفيز للهمم إلى غيرنا، كأننا لسنا معنيين بالخطاب، وكأن الكتاب المجيد أو السنة المطهرة يتحدثان عبرنا إلى غيرنا.
والأمثلة أكثر من أن تحصر، ولعلي أشير إلى بعض منها يكون فيه الكفاية لمريد الفهم، والحريص على العمل، والساعي لنيل الرضا والفوز بالجنة.
حديث طالما ردده الأحبة بينهم، وفي كلامهم وخطبهم وكتاباتهم وتقريراتهم، وهو قوله صلى الله عليه وسلم (إنَّ اللهَ يبعثُ لهذه الأمةِ على رأسِ كلِّ مائةِ سنةٍ من يُجدِّدُ لها دينَها) فلا يسأل أحدنا نفسه يوما لم لا أكون أنا هذا المجدد؟ وهب أن قد فاتك قطار التجديد والعمل له، فهل فكرت أن تجعل ابنك هذا المجدد؟ هل فكرت يوما أن تعين هذا المجدد، أو أن توجده من بين تلامذتك وأصدقائك ممن تتوسم فيه هذه الهمة للعمل لهذا الدين؟
وقوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن) هل شعرت يوما أنك من المؤمنين المعنيين بهذا الأمر من الله على لسان نبيه صلى الله عليه وآله وسلم؟ أم أنك ترى المؤمن المأمور بهذا هو كل رجل سواك فيجب عليه أن يغض بصره عن أهلك ومحارمك، أما أنت فلك الحق الكامل في أن تدقق النظر إلى عورات المسلمين، وتبحث عن سقطاتهم، وتنظر إلى نسائهم، وربما شاركت في التعرض لهن في الأسواق وفي الطرقات وعبر المواقع المنتشرة للمحادثات وغير ذلك؟
وقوله جل في علاه (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) إننا نستدل بها دوما على من ننقم منه في حال أو مقال، ولا ننظر إلى أشخاصنا من خلال النص، ونحن نشكو كثيرا من الغلاء والوباء وتغير القلوب وكثرة التنافس في الدنيا ونلعن الفساد والمفسدين، ويمكن أن نقضي الليلة كلها في ذكر المثالب على الدولة والعاملين والجيران والسائقين والأنظمة وما أشبه ذلك، وما أكثره!
لكن ألسنا جزءا من الذين تغيروا، فتغير ما بأنفسهم ومن ثم غيرت حالنا إلى ما نشكو منه صبحا ومساء، ألسنا مطالبين بالتغيير في أنفسنا بإصلاح نوايانا، وتحسين أخلاقنا، ثم لا نبرح نلوم غيرنا بما لا ننفك عنه!
قبل أن ألوم الشخص وهو يتجاوزني في الصف أو يدخل علي مسرعا من جانب الطريق، ألست أفعل مثله بأعذار مثل أعذاره، حين أحتاج ؟
إن من أعظم مشكلاتنا اليوم أننا نطالب الناس أن يفعلوا ما نعجز نحن عن فعله، ولهذا نقف مع النصوص موقف المتفرج، فنطلب تنفيذ ما فيها من غيرنا، هو مطالب بالأمانة والصبر والتضحية والبذل والعمل، أما أنا فلي من الأعذار ما تعجز عن حمله الأسفار، ولا يكفي لسماعه طول الليل ولا عامة النهار!
كأني لست مخاطبا بقوله (استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم) كأني لست مخاطبا بقوله (ولا تبخسوا الناس أشياءهم) كأن غيري هو المخاطب بقوله صلى الله عليه وآله وسلم (من غش فليس منا).
إننا نعاني من شيء عجيب، إذ كل يذم الحال، ولا أرى في الحال غيرنا؟ لو تأملنا قول ابن مسعود رضي الله عنه وهو يصف حالهم مع القرآن، حيث يتعلمون العشر الآيات، ما فيها من الإيمان والعمل، وهو ما ندندن حوله كثيرا ولا نفعله، لو أخذنا القرآن والسنة على هذا المنهج، منهج التطبيق فعلا وتركا، لتبدلت الحال، قطعا، لكننا في كل وقت وحين نبحث عن مشجب نعلق عليه الأخطاء ونحمله التبعات، فنرمي المشكلة على خطيب الجمعة، الداعية، الصحفي، الإعلامي، الوزير، الأمير، أما أنا فبسم الله علي الرحمن الرحيم، قد كَفّيت ووفّيت! تماما عكس ما كان السلف يتعاملون مع النص، حيث كان الواحد منهم يسمع الآية ويظن أنه هو المعني بها، ولهذا تغيرت حالهم، واستطاعوا أن يغيروا العالم من حولهم. ونحن ما زلنا ننظر إلى من يحمل المشعل ليصلح الحال، وتنتصر الأمة بجهدهم وجهادهم وعملهم وتجديدهم، لننعم بالغنيمة دون بذل ولا تضحية.
————-
نقلاً عن الرياض 

-- الشيخ عادل الكلباني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*