الأحد , 4 ديسمبر 2016

الأمن والأمان

الشعوب تبحث في الغالب عن ثلاث، الأمن، ولقمة العيش، والكرامة، ومتى ما توفرت هذه الثلاث، سادَ الهدوء والاستقرار، ومع الاستقرار تكون التنمية، ولذا فإن ما حدثَ في بعض دولنا العربية، لم يكن إلا لنيْل ذلك، لكن علينا أن ندرك أن هناك مطامع شخصية، وآمالاً ذاتية، وتربُّصاً للوثوب، واغتناماً للهبوب، والأدوات كثيرة، والشعارات كبيرة، ودغدغة العواطف، والبحث عن كل هاتف، يُهاتفون به القلوب، ويستخدمونه عند الوثوب، لكنه قد يكون قوياً يسلب الألباب، أو ضعيفاً ينطبق عليه قول ابن بسام، في وصفه لشعر عبد الملك بن رزين حيث قال: «أهتف من كل هاتف». 

ولهذا فبعد حدوث الأمر، واختلاط الخير مع الشر، تختلف المعايير، وتتباين المفاهيم، ويفترق الأصحاب، ويلاوم الأحباب، ولعلَّني أنقل هنا شيئاً مما كتبه «محمد عبد الله عنان» – رحمه الله – بعد سقوط حكم بني عامر ومنْ بَعْدَهم فقال: «لكن الظروف التي وقع فيها الانقلاب الحاسم، والذي أودى بين عشية وضحاها، بسلطان دولة من أعظم الدول الأندلسية، ولم تكن تسمح لأي سلطة نظامية أن تثبت، وتستقر، واستطرد في نعت القائمين على الأمر في ذلك الوقت، بنعوت وصفهم بها، وأوصاف قد لا يكونون أهلاً لها، إلى أن قال: «وأخذ كل فريق، وكل طائفة، تحاول أن تحصل على نصيبها من أسلاب الدولة المنهارة، فقد كان هناك المروانية، أو بنو أمية، يرون أنهم أصحاب السلطة الشرعية، وأصحاب التراث المتخلف عن مغتصبيها، بني عامر، وكان هناك الفتيان العامريون، وأنصارهم من الصقالية، ومنهم من الجند المرتزقة، وقد كانوا أولياء الدولة العامرية، وكانوا من حيث العدد والعصبة قوة يعتد بها، وكان هناك البربر، وقد كانوا عماد الجيش العامري، وقد كانت أعدادهم قد تضاعفت في أواخر أيام المنصور وبنيه، وتوافد كثير من زعمائهم إلى شبه الجزيرة الإيبيرية، ثم كان هناك أخيراً الشعب القرطبي، أو بعبارة أخرى، كتلة العامة والدهماء الذين أوزروا الخليفة الجديد والتفوا حوله، وقد كانوا قوة خطرة منقلبة، كثيرة الأهواء والنزاعات، لا تُؤمَن عواقبها»، ثم أردفَ القول عن زعيم ذلك الحدث الجلل، فقال عنه: «التفت حوله الدهماء الصاخبة، دون وعي ولا تدبير، شأنها دائماً في كل انقلاب وكل حدث جديد، ومن ثم فإنه ما كاد يشعر باستقرار أمره، وتمكُّن سلطاته، حتى أطلق العنان لفتيانه وأهوائه، وجمع حوله بطانة سوء، أخذت تتنكر للناس وتضطهدهم، وتسومهم سوء الخسْف». 

هكذا إذا كان حال الأندلس وقت سقوط زعمائها، وتبدلهم، أو استبدالهم، وقد خسر المجتمع آنذاك الكثير من أمنهم، وعيشهم الكريم، وكرامتهم، وهكذا كانوا. 

لقد ضعفوا حتى تجرأ أبو عامر بن غريسة، وقال مخاطباً ومعاتباً أبا عبد الله بن الحداد، ومفضلاً القوط على العرب، مع أن رأيه فاسد، وقوله قول حاقد، ومن ذلك قوله: «إذا قامت الحرب على ساق، وأخذت في اتساق وقرعت الضبابيب، وأشرعت الأنابيب، وقلصت الشفاه، وفَغَرَ الهدانُ فاه، وولّى قفاه ألفيتهم زمرة الناس، عند احمرار الباس، الطعن بالأسَلِ، أحلى عندهم من العسل». 

مستسلمين إلى الحتوف كأنما ***بين الحتوف وبينهم أرحام

ثم رجع إلى مدح قومه قائلاً: 

(بصر صُبْر، تزدان بهم المحافل والجحافل، قيول على الخيول، كأنها فيول، كواكب المواكب، نجوم الرجوم، شُمْخٌ بُزْخ، بَرَرة أقيال، جُرُرَة أذيال. 

ثم قال: 

بضرب يزيل الهام عن سكناته****وطعن كنشهاق القفا هَمَّ بالنّهْق

وأقول: ولله لم يقل خيراً ولم يصب من الصواب طيراً، جانبَ الحق، وأسرفَ في النق، لكن هي الأيام، يوم لك ويوم عليك.

اللهم أدم علينا أمننا، فنحن بفضل من الله ننعم بهذا الأمن الذي جعل للتنمية ساقاً، وللنهوض اتساقاً، وللخير هامةً، وللشر حقرة وندامة، وأُصلي وأُسلم على الرسول المصطفى عدد الرمل، ومدد النمل، وعلى أصحابه سيوفه ورماحه. 

————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.محمد بن عبد الرحمن البشر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*