الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » الشيخ ياسين : النشأة والمسار

الشيخ ياسين : النشأة والمسار

يتضمن الموقع الإلكتروني للشيخ بعض المعلومات المقتضبة عن نشأته ومساره ، منها أنه ولد سنة 1928 ( ينتسب إلى أسرة عريقة تدعى “آيت بيهي”، وهم أشراف أدارسة أصلهم من بلدة “أولوز” بمنطقة سوس جنوب المغرب ..  تلقى دروسه التعليمية الأولى في مدرسة أسسها بمراكش الشيخ المجاهد محمد المختار السوسي رحمه الله. تخرج في معهد ابن يوسف الذي كان يدرس فيه كبار علماء المغرب بعد أربع سنوات من الدراسة.  سنة 1947: تخرج في مدرسة تكوين المعلمين بالرباط. عمل في سلك التعليم لمدة 20 سنة تدرج خلالها في مجموعة من المناصب التربوية والإدارية العالية، ومثل خلالها المغرب في عدد من الملتقيات البيداغوجية الدولية.  سنة 1968: تم توقيفه عن العمل من غير قرار إداري. سنة 1987: أحيل على التقاعد). وبين النشأة والمشيخة مسار تخللته طفرات حولت عبد السلام جسوس الإنسان المسالم والمربي المهادن  إلى عبد السلام ياسين الشيخ ” القائم” الذي يريد الحكم والسلطة ويتطلع إلى ما هو أعلى من النبوة . ويقول الشيخ عن نفسه قبل الطفرة الأولى بقوله ( يمكنني القول أنني في عام 1965 عشت ما قد نطلق عليه اسم (( أزمة روحية )) .. وفي 65 , عندما كان عمري 38 سنة ، مررت فجأة بهذه الأزمة ، لقد قرأتم في الغالب هذه السير الذاتية التي يروي فيها المسيحيون أو المسلمون أو البوذيون .. مثل هذه الصحوة الروحية التي يعيشونها في حوالي الأربعين . ووجدت نفسي أترك فجأة الكتب التي كنت أقرأها ، وكتب الثقافة الأجنبية ..الخ لكي أنطلق في البحث عن الله )(ص35 الإسلام السياسي صوت الجنوب) . ستنتهي مرحلة الشك والتيه هذه التي عاشها الشيخ ياسين بارتمائه في أحضان الصوفية التي تتميز بالركود والاستمرارية التاريخية بعد أن اتخذت لنفسها مكانا على هامش انشغالات المجتمع وتفاعلات الأحداث ، واختطت لنفسها طريق “الخلاص الفردي ” بعيدا عن كل اهتمام بالقضايا المرتبطة بالشأن العام ( انتفاضة 23 مارس 1965 والأحداث الوطنية التي عرفها المغرب في تلك الحقبة وما تلاها بسبب تراجع الدولة عن الأهداف الوطنية التي حددتها ورفعت شعارها الحركة الوطنية ..) وسيقتفي الشيخ ياسين ، في هذا الانزواء والسلبية ، أثر الشيخ أبي حامد الغزالي الذي فضل أن يجند لسانه وقلمه لمحاربة الفلسفة والفلاسفة بدل التصدي لقوى الدمار التي عاتت تخريبا في بغداد ومآثرها التاريخية والحضارية والثقافية . وكذلك فعل الشيخ إزاء آلة القمع التي حركها التحالف الحاكم بغرض إحكام السيطرة على مقدرات البلاد وكتم أنفاس العباد . يقول الشيخ ياسين ( كنت قد شارفت الأربعين عندما تداركني الرؤوف الرحيم بالمؤمنين بهبة ويقظة ، فهام الفؤاد وغلب التفكير في المبدأ والمعاد ، فوجدتني محمولا على الطلب مدفوعا إليه . كيف السبيل إليك يا رب ؟ وعكفت على كتب القوم ، فما منهم إلا من صرفني للبحث عن الرفيق قبل الطريق . بمن أستنجد يا رب ؟ وشككت وترددت أهو شرك مع الله ؟ لكني بعد أن استغرقت في العبادة والذكر والمجاهدة والتلاوة زمانا تبينت أن طلب ما عند الله هو غير طلب وجه الله . والأعمال الصالحة إن كان فيها الإخلاص وقبلها الحنان المنان تنيل الجنان . لكن أي شيء يرفعني إلى مقامات الإحسان وفسحات العرفان . واشتد بي الأسى ، وعفتُ نفسي ، وتضرعت وبكيت عليه ، وهو الملك الوهاب ، وأتحفتني ألطافُه بلقاء عارف بالله رباني صحبته أعواما رحمه الله )(ص130 الإحسان1). وهكذا سيبدأ الشيخ ياسين رحلة في عالم التصوف الطرقي “مريدا” في حضرة وصحبة الشيخ الحاج عباس البوتشيشي إلى أن وافت المنية هذا الأخير . ويقص علينا الشيخ ياسين كيف اهتدى إلى الزاوية البوتشيشية قائلا ( ثم حدث لقاء ، أخبرني شخص ما : هناك شيخ صوفي في المغرب عليك أن تذهب إليه وسيرشدك ، وبالفعل التقيت بالشيخ ، كان اسمه الحاج عباس . ودامت علاقتنا لمدة ست سنوات وهكذا أصبحت .. أحد مريديه المتواضع وفهمت ما هو الإسلام وعرفت الله )(ص36 الإسلام السياسي).

بفعل هذه الصحبة تخلص الشيخ ياسين من أزمته وشكوكه ومخاوفه ،بل استطاع أن يجني ثمار تلك الصحبة بأن استرجع ضحكته ، وتلذذه للطعام والشراب والنوم ،فهو يقول موضحا هذا الأمر (فلما منّ علي الحنان المنان له الحمد والثناء والشكر بلقاء شيخي رحمه الله وجدت أنسا ورحمة وطلاقة وِبِشرا وفرحا بالله . ما كنت أتصور مدة انقباضي و (( أزمتي ))  وبحثي أن من شأن مريد صادق أن يضحك ، ولا أن يلتذ بطعام وشراب ، ولا أن يستقر به فراش وينعم بنوم )(ص220 الإحسان1). وحتى تتضح أكثر طبيعة الطفرة ، يمكن الاسترشاد بآراء زملاء الشيخ وطلابه الذين عايشوه قبل التحول /الطفرة وحددوا معالم شخصيته التي كانت تمنع الطلاب من ارتداء اللباس المغربي التقليدي ـ الجلباب ـ وتلزمهم بارتداء اللباس العصري على الطريقة الغربية . خلال تلك الفترة ، كان الشيخ مولعا بالموسيقى الغربية ومعاقرا للخمرة وصاحب نكتة . إذن سيتحول الشيخ إلى مريد احتضنته الزاوية البوتشيشية عشر سنوات جعلته يطمع في المشيخة ويطلبها لنفسه ؛ الأمر الذي أوقعه في نزاع وعداء انتهى بانفصاله عن الزاوية وإعلان القومة ضد السلطان . ويرجع هذا التحول إلى تأثر الشيخ ياسين  بأطروحات الإسلام السياسي مثل : بناء جماعة ، الجهاد ،الحاكمية . لذلك نجده في رسالة “الإسلام أو الطوفان” يفصل المنهاج النبوي إلى مبادئ عشرة وهي : ( الثلاثة الأولى مبادئ منظمة هي : الصحبة والجماعة وهي خصلة واحدة ، ثم الذكر ثم الصدق . وسبعة مبادئ تطبيقية هي :  البذل ، والعلم ، والعمل ، والسمت ، والتؤدة ، والاقتصاد ، والجهاد ) . وتأسيسا على قناعة الشيخ بهذه المبادئ ، سيميز في الصوفية بين ” صوفية زاوية” وهي ( صحبة للتزكية الفردية ) ، و” صوفية رباط” وهي ( صحبة للتزكية الفردية بنية الجهاد لتجديد الإسلام) ، وهذا الجهاد لا تقوم به إلا  ((الجماعة)) فهي ، شكلا ومحتوى، تختلف عن المجتمع ( إنها كائن عضوي حي يجمع بين أعضائه رباط ثلاثي لا يتجزأ .. رباط المحبة .. طاعة الأمير .. والرباط الثالث النصيحة)( الإسلام أو الطوفان) .إذن بفعل هذا التأثر بأطروحات الإسلام السياسي سينتقل من معترك الركود الذي تمثله الصوفية الطرقية “صوفية زاوية” إلى معترك الحركة والجهاد الذي تمثله “صوفية رباط”  . إذ بعد وفاة الحاج العباس ، سيحاول الشيخ تغيير مسار الزاوية وطبيعتها ، كما جاء في  قوله ( رحل ( = الحاج العباس ) وترك مجموعة من الأشخاص فضلت أن تتبع تقليد الطريقة الصوفية ، التقليد الذي يعرفه الجميع: حيث يحظى الشيخ باحترام الجميع ، وحيث الأتباع مجرد مجموعة من البشر ليس لديها أي مشروع .. إطار لا يطابق الشريعة إلا إلى حد ما .. حاولت أن أوجهه مع ذلك وجهة تتوافق مع مفهومي عن الإسلام ، أي حاولت أن أجمع بين خبرتي الصوفية والمعلومات التي توصلت إليها من قراءة الكتب)(ص36 الإسلام السياسي..). وخلال العامين اللذين أعقبا وفاة الشيخ الحاج عباس ، حاول الشيخ ياسين أن يخرق (( الوصية )) ، وهي عهد مأخوذ عنه ، وصية إتباع وملازمة ابن الشيخ ومن يخلفه في المشيخة وقيادة الطريقة ، خلال هذه المدة  ظل الشيخ ياسين يحاول أن يطبع الطريقة الصوفية البوتشيشية بطابعه الخاص بهدف إخراجها من السلوك التعبدي المحض إلى الطموح السياسي الصرف . فالشيخ يقول مبينا هذا ( وكان رحمه الله ( أي الحاج عباس ) أوصاني قبل وفاته أن ألزم ابنه وخلفه من بعده .. وعرفت .. كيف تتحول دعوة صادقة إلى أحبولة مشبوهة رغم صدق الشيخ وفضله ، وإنَّ  خَلَف شيخي فيما أعلم لرجل الخير والفضل .. ونصحت وما آلوت علم الله وتمزق فؤادي شفقة على أهل بيت عرفوني بالله وعلموني المحبة والتقوى وعادوني وآذوني وانتهى العداء إلى مداه لما نصحت لهم بالجهاد والنهوض للدفاع عن الإسلام الذي أصبح لعبة في ديارنا )( رسالة الإسلام أو الطوفان) . لم يكن الشيخ خلال صحبته للحاج العباس ينتقد الصوفية أو يميز فيها بين صوفية تعبد وصوفية رباط . ويصف الشيخ ياسين صوفية التعبد كالتالي: ( أما الصوفية حين يقنعون بعبادتهم وذكرهم في الخلوات غير مهتمين بأمر المسلمين ، غير آبهين بالأخطار المهددة في ديارهم للإسلام ) . وقد تنبه صوفية البوتشيشية لمطامع الشيخ ياسين فقاوموه وعادوه وآذوه ، كما جاء في قوله ( ونصحت وما آلوت علم الله وتمزق فؤادي شفقة على أهل بيت عرفوني بالله وعلموني المحبة والتقوى  وعادوني وآذوني وانتهى العداء إلى مداه لما نصحت لهم بالجهاد والنهوض للدفاع عن الإسلام )(الإسلام أو الطوفان). بعد الخروج من الزاوية البوتشيشية ،  سيدشن الشيخ مرحلة القومة بتوجيه رسالة ” الإسلام أو الطوفان” إلى الملك الراحل الحسن الثاني يدعوه فيها إلى مبايعة رجال الدعوة . ولما رفض الملك مبايعة رجال الدعوة ، انتقل الشيخ إلى خوض التحدي  ضد الملك بأن نازعه ـ الملك ـ  ” ولاية الأمر ” بعد أن تحلل من عهد البيعة ، وسار على درب التأسيس ” لشرعية” سياسية ودينية  بديلة تضمن له ” الولاية” الدينية والسياسية ، ومن ثم توفر له أسباب إعلان ” القومة” للزحف على ” دولة السلطان” ، واجتثاث ” الملك الجبري” .فإذا كان الملك رفض إشراك الشيخ في إدارة الدولة وشرعنة السلطة ، فإن الشيخ سيخوض تحدي إعلان ” الجهاد” لإقامة  ” دولة القرآن ” ودك ” دولة السلطان” . وسيأخذ في التبلور ، ابتداء من هذه المرحلة ،نزوع الشيخ إلى السلطة والحكم عوض النصح لولي الأمر، خصوصا لما تأكد لديه أن ملك المغرب لم يتعاط إيجابيا مع الرسالة ـ رسالة الإسلام أو الطوفان ـ رغم دعوة الشيخ له صراحة بالانخراط في ( مشروع إحياء الأمة وتجديد الأمة يشارك فيه ويتزعمه قائد مجاهد تائب مثل حسننا ( أي الحسن الثاني ) إن وفقه الله ونصره على نفسه )( الإسلام أو الطوفان ). إذن سيتطلع الشيخ إلى الحكم وممارسة السلطة والزعامة ، داخل الجماعة ثم المجتمع والدولة. لأجل هذا انتقد دور العلماء بأن قال فيهم  ( إن ما يقوم به العلماء شيء جدير بالاهتمام ـ إلى حد كبير ـ ولكن ذلك غير كاف [وقد] يكون هؤلاء في المعارضة [ولكن] ذلك يعتبر في رأيي مجرد معارضة من حيث المبدأ وهي معارضة أزلية تنحصر في الإشارة إلى ما يعتبرونه غير أخلاقي . إن مثل هذا العمل لا يكفي لأنه يجب علينا أن نصل إلى المرحلة التالية ألا وهي أن يكون لدينا مشروع .. هؤلاء العلماء لا يدينون إلا ما هو غير أخلاقي . وهم ـ إلا في القليل النادر ـ لا يتحدثون عن المشاكل الاقتصادية ونادرا ما يتحدثون عن ما هو سياسي بينما يعتبر أساسيا أن نصل إلى إدراك وجود علاقة وثيقة بين ما هو غير أخلاقي وبين النظام الاقتصادي والسياسي .. نطالب بالسلطة .. وهذا شيء تسمح  بوجوده الديمقراطية ، وهذا هو ما نريده )( الإسلام السياسي ..ص 44 ). سيعرف إذن الشيخ تحولا في تصوره وتوجهه على السواء بحيث هو نفسه لم يكن يتوقع ذلك التحول ، أي لم يتصور أنه ، وهو المسالم ، السمح ، سيصير معارضا ومحتجا . هكذا نجده يقول ( وكان من المعروف ـ في الأوساط التي كنت أتردد عليها ـ أنني رجل (( في حاله )) .. سمحا و(( لطيفا )) .. ولم يكن الإسلام في تلك الفترة مصدرا لتساؤلات بالنسبة لي . ولم تكن في تكويني أية بادرة تدل على أنني سأنطلق يوما ما في اتجاه الاحتجاج أو معارضة الأمر الواقع الذي تعيشه الأمة (ص35 الإسلام السياسي ..) . هكذا سيتغير تصور الشيخ للإسلام بحيث يعترف أن هذا الإسلام الذي لم يكن ( مصدرا للتساؤلات ) من قبل ، صار فيما بعد 74 حافزا على “الجهاد” . يقول الشيخ: ( من الممكن أن أقول إنه بالنسبة لي شخصيا اليوم ، رؤيتي للإسلام أنه نضال وتعلمون أن كلمة “جهاد” لها في القرآن الكريم وفي السنة مكانة خاصة )(ص34 الإسلام السياسي..).  إذن ابتداء من هذه المرحلة سيخوض الشيخ قومته ، ليس لإصلاح نظام الحكم الملكي ، ولكن لدك أركانه والزحف على عرشه . إنه تحول في مسار الشيخ الذي غير مواقفه من التأييد للملك الراحل الحسن الثاني والإفتاء بوجوب الطاعة له بوصفه ولي أمر المغاربة وحفيد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم ، إلى الخروج عليه والتحلل من بيعته ، ومن ثم الإعداد التنظيمي والتربوي لإسقاط الملكية وطرد الطبقة الحاكمة . إن المقام الذي ارتفع إليه الشيخ ـ مقام الإحسان ـ لن يسمح له بإيجاد توافقات مع الملك تسمح بانخراط الشيخ وجماعته في مؤسسات الدولة الدستورية وممارسة العمل السياسي ضمن الحدود التي تسمح بها القوانين المنظمة . ذلك أن الشيخ صار يزعم لنفسه مهاما تتجاوز حدود الدولة القطرية . إنها مهام استكمال نشر الرسالة السماوية ـ الإسلام ـ ، وإقامة دولة الخلافة الثانية لتحكم الأرض كلها . هي مهام لا تختلف عن مهام الرسول . والشيخ ياسين يعد نفسه مبعوثا إلهيا لإكمال مهام الرسول ، كما جاء في قوله (  كوني مبعوثا مبلغا أمرني القادر عز وجل بإعداد القوة ووعدني بالنصر وشرط لي وشرط علي شروطا )(ص401 العدل) . وتبدأ مهمة الشيخ بقومه ثم تشمل بقية خلق الله ، كقوله : ( قبل أن أنادي العالم إلى مأدبة الخير ، قبل أن أصرخ بالإنسان حريصا عليه رحيما به ، يجب أن أوقظ قومي من سبات وأجمعهم من شتات وأحييهم من رفات )(ص235 في الاقتصاد). إذن فالشيخ ياسين  لا يعتبر نفسه إنسانا عاديا ، بل يزعم أنه ” مبعوث” من الله  لنشر” العدل” والقضاء على” الظلم ” . تلك دعواه : ( أريد أن أغير المجتمع .. أريد أن أبني لأمتي عالما ومستقبلا . واجبي أن أجاهد جهاد تبليغ الدعوة للعالم الأكبر ، وأقوام من أصفر وأحمر )(229 في الاقتصاد). وهذه المسئولية لا تسمح له بأن يتخذ من الملك ولي أمر أو يخضع لحكمه . بل عقيدة الشيخ العرفانية تجعل منه الشخص ” الرباني” الذي يأمر الله تعالى بطاعته  . لهذا يقرر الشيخ  ( الربانيون هم أمناء الرسل المبلغون عن رب العالمين القادة الشرعيون للأمة . أمرت الأمة أن تطيعهم وتتبعهم في قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا وأولي الأمر منكم )(ص152الإحسان2) . وعلى هذا الأساس يعتبر الشيخ أن كل تصالح مع النظام الملكي وكل انخراط في مؤسساته الدستورية ، هو تودد مرفوض ( ليكن واضحا جليا أننا لا نخطب ود الأنظمة الفاسدة الكاذبة  الخاطئة . وليكن واضحا أن خطة بعض المترددين من فلول الحركة الإسلامية المتكسرين إلى مصالحة مع المزورين ليست خطتنا )(ص 571 العدل). كما أن كل تصالح أو توافق من النظام هو ترميم لصدعه وتمديد في أمده . وهذا أمر يرفضه الشيخ بقوله ( ليكن واضحا أننا لسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا ، المنتظرة ساعتها ليجرفها الطوفان .. يندك ما كان يظنه الغافلون عن الله الجاهلون بسنته في القرى الظالم أهلها حصونا منيعة وقلاعا حصينة ، وتندثر وتغرق )(ص576 العدل). وبناء عليه فالشيخ يرفض المشاركة في تأجيل الوعد الإلهي  إن هو قبِـل الانخراط في عملية الانتخابات التي تستهدف ترميم الدولة والنظام بعد أن استشرى فيهما الفساد كما جاء في ” مذكرة إلى من يهمه الأمر ( مستنقعنا المغربي أَسِنَ ماؤه وفاحت رائحة عطنه ، فلا نطمع في أن تنجح “إشارات” صغيرة هنا وهناك في تجفيف مائه الراكد وتفريغ وحله العفن)(ص24) . فمهما حاول النظام إصلاح نفسه ( سيظل السوس ينخر في جسم النظام ، وبعد الضربة المفاجئة ، ستتوالى الانتكاسات وخيبات الأمل)(ص 23 مذكرة .) . وانطلاقا من تلك القناعة الراسخة لديه يجزم الشيخ أن لا أمل لهذا النظام ” الطاغوتي ” في النجاة والاستمرارية  ( فلا أمل في الإفلات من طوفان يوشك أن يحل )(ص 23 مذكرة.) . وقد حدد الشيخ ، عبر سلسلة من المبشرات أن سنة 2006 ستكون نهاية الحكم الجبري ودولة السلطان ، لتقوم مقامها دولة القرآن التي يطمح الشيخ إلى إرساء أركانها وقيادة دواليبها . إذن فالشيخ يزعم لنفسه ويوهم أتباعه أنه حامل الوعد الإلهي ككل المتمهديين . لأجل هذا ادعى لنفسه ما ادعاه ، من قبل ، كل متمهدي . ومن ضمن ذلك : 

1 / الحسب : وهو شرف الأصل على المستوى المعنوي  أي ما يعده المرء من مفاخر لنفسه . فالشيخ يفاخر بأنه من أهل “الإحسان ”  ، وأنه زعيم ” لحزب الله ” وولي أمر ” جند الله ” الذين  جعلهم ” إخوان الرسول ” و” حزبه ” . وهذا واضح وصريح فيما افتتح به كتابه ” العدل” ( باسم الله الرحمان الرحيم وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه ) . فصار يقوم مقام الرسول في الصلاة عليه وقيادة الحزب ونشر الدعوة . ومجملا في الأخذ عنه الدين . ومن كانت تلك منزلته ومهامه فهو أفضل حسبا وأجل قدرا من غيره .

2 / النسب : نظرا لأهمية هذا العنصر ، فإن الشيخ نسب نفسه إلى آل بيت الرسول (ص) في رسالة ” الإسلام أو الطوفان” إذ جاء فيها أنه ( بربري إدريسي ) وأن الملك الحسن يستحق منه النصيحة ( صلة الرحم ) رغم العداء المزمن بين أسرة الأدارسة والأسرة العلوية . ويهدف الشيخ من إبراز انتسابه لآل البيت إلى التمتع بمكانتهم المقدسة لدى المسلمين لأنهم ( آل البيت المطهرين تطهيرا بإرادة خاصة وعناية مخصوصة من رب العزة جل وعلا )(ص401 الإحسان2 ) ، ومن جهة أخرى  يهدف إلى التأكيد على أن الأئمة لن يكونوا إلا من آل البيت ، ما دام الشيخ من آل البيت فادعاؤه الإمامة أمر شرعي . فهو يقول( إن كان في المسلمين أولياء فعلي والأئمة الأطهار من ذريته ) . وبانتسابه لآل البيت يحاول الجمع  بين المشروعية وحب المسلمين له  لأنه ( واجب على كل تقي ولي من أمة المصطفى جد الشرفاء أن يحب آل البيت عملا بقوله صلى الله عليه وسلم ( أحبوا الله لما يغذوكم به من نعمه ، وأحبوني لحب الله ، وأحبوا أهل بيتي لحبي) (ص 401 الإحسان 2). 

3 / الزمان : ويبرر الشيخ ادعاء حلوله بوجود أمارات تدل على أنه هو زمن ظهور ” القائم” ومنها:

+ امتلاء الأرض جورا وفسادا .

+ الوعد الإلهي ببعثة ” المهدي” آخر الزمان . والإنسانية تعيش نهاية الزمان لكي يتحقق وعد الله بقيام الساعة . ولا تقوم الساعة قبل أن تمتلئ الأرض جورا وفسادا . ويقصد الشيخ  جور ( المخزن الشائخ بهتانه وخيانته لمبادئ الإسلام )( مذكرة إلى من يهمه الأمر) . لهذا فالشيخ يبشر بأنه وأصحابه ( على عتبة المسئولية عن الحكم ) تحقيقا للوعد الإلهي بقيام ” دولة الخلافة الثانية على منهاج النبوة ” آخر الزمان  بعد زوال زمن حكم العض والجبر . 

4 / المكان : ويقصد به الشيخ ” المغرب” الذي نص  الحديث النبوي على ذكره بالاسم ، وعلى تشريف أهله ( لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة ) . ويصرف الشيخ مضمون الحديث إلى جماعته التي يعتبرها ” تجاهد” من أجل الحق بعد أن أصبحت ( فئة تهوي إلى الحضيض ، وتأخذ فلولها المنهزمة مجراها إلى مزابل التاريخ  . وتلك طبقة جيولوجية بائدة . وتبرز طبقة من المسلمين ، من شباب المسلمين خاصة ، من الذرية السالمة التي لم تشارك في الأمجاد الوطنية ولا يكاد يكون لها بالمقاومة المشكورة خبر)(في الاقتصاد ص 216). وما دام الشيخ من أهل المغرب ، فهو ” ظاهر على الحق” .

5 / القول : أو الإفصاح عن شخص المهدي  . وهذا ما لم يتردد الشيخ في الإعلان عن كونه ( مبعوثا مبلغا أمرني القادر عز وجل بإعداد القوة ووعدني بالنصر ، وشرط لي وشرط علي شروطا )(ص401 العدل ) . وبهذا الإفصاح خرج الشيخ من التلميح إلى التصريح .  وصار الشيخ هو ” القائم ” الذي بعثه الله لمهمة ” الظهور على الحق ” . ما عليه إلا أن يمارس عمله ك” مبعوث ” و” قائم ” ، أي ك” مهدي ” .

6 / الفعل : وهو الانتقال إلى العمل لتجسيد مصداقية المهدوية على الأرض . وهذا يقتضي إعداد القوة البشرية والمادية لمواجهة ” الظلمة”  ” حكام العض والجور ” ، وهو ما سماه الشيخ ” بالقومة” و ” الطوفان” الذي حان وقته لقول الشيخ في ” مذكرة إلى من يهمه الأمر” التي وجهها للملك محمد السادس ( فلا أمل في الإفلات من طوفان يوشك أن يحل ) .

ويضيف الشيخ شرطا آخر حتى يواجه من يدعي أن اسم “المهدي ” ليس هو اسمه الحقيقي ، نظرا لكون المتمهديين يحملون اسم ” المهدي” حتى قبل ادعاء ” المهدوية ” . ذلك أن الشيخ لجأ إلى طريق أوكد حتى لا يبقى شك في مهدويته ، بحيث غير لقبه وصار يدعى ” ياسين” بعد أن  كان يعرف ب ” جسوس” . ويريد من هذا التغيير إقناع ” المؤمنين” أنه هو المقصود بالبعثة في الآية الكريمة ( يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين . على صراط مستقيم . تنزيل العزيز الرحيم . لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون ) يس:1- 6 . ويذكرنا هذا التصرف بالتفسير الغنوصي للقرآن الكريم الذي اتخذه المتمهديون وفي مقدمتهم بيان بن سمعان الذي جعل ( التفسير الغنوصي أساسا لدعوته ففسر (( هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين)) بأنه هو البيان ، وقال : أنا البيان وأنا الهدى والموعظة ) نشأة الفكر الفلسفي ج2 ص 88 ـ87 ) . ويراهن الشيخ ياسين كثيرا على مسألتي ” الكشف” و” الكرامة” اللتين يدعيهما لنفسه لأنهما كما كانتا ( سُدى قومة المهدي السوداني ولحمتها [ مكنتا من ] جمع الناس حوله حتى قويت شوكته )(ص470 الإحسان2 ) فإنهما ستمكنان الشيخ من إقناع أتباعه ب ” صلاحه” ، ومن ثم تقوية شوكته .

إنه مسار رجل نشأ مسالما ومناصرا للملك ، وانتهى ناقما /خارجا عليه وقائما يزعم البعثة السماوية ويطلب السلطة والخلافة وبسط النفوذ على كل العالمين . 

اجتثاث الملكية غاية الجماعة وعقيدتها : نشرت ” الأسبوعية الجديدة” في عددها 33 بتاريخ 2 ـ8 يونيو 2005 حوارا مع نادية ياسين ابنة مرشد جماعة العدل والإحسان ، أعادت التأكيد فيه على مبادئ الجماعة وأهدافها . وهذا الحوار يثير عدة أسئلة ، ليس من حيث مضمونه ، ولكن من حيث توقيته . وحتى نتبين الأمر جيدا نعرج على المضمون قبل سؤال التوقيت.

1 ـ إن جماعة العدل والإحسان تقوم على جملة مبادئ وعقائد يجعل مصيرها وهيكلتها متوقفين على الترابط فيما بين تلك المبادئ والعقائد ، والتي منها :

أ ـ إخراج نظام الحكم من ملة الإسلام من خلال التنزيل المتعسف لقوله تعالى ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون )

ب ـ الإفتاء بعدم صلاحية نظام الحكم السائد( لا يُصلح الناس فوضَى ، ولا يستقيم أمر المسلمين بلا نظام حكم . ولا يخدم أهداف الإسلام الجماعية والفردية نظام لا يخضع للإسلام ولا تكون طاعتُه من طاعة الله ورسوله)( ص 68 العدل ) .

ج ـ اعتبار كراهية الحكم الملكي ” منّة” من الله ، كما قال الشيخ ياسين( ومنَّ الله عز وجل علينا بأن بعث فينا غيرة على دينه ، وكراهية لطغيان الحكم العاض المنحرف عن طاعة الله ورسوله . فنحن نريد أن نحكم بما أنزل الله )( ص70 العدل) .

د ـ اعتبار كل مشاركة سياسية ترميما لنظام الحكم: ( ليكن واضحا أننا لسنا نرمي لترميم صدع الأنظمة المنهارة معنويا ، المنتظرة ساعتها ليجرفها الطوفان . يندك ما كان يظنه الغافلون عن الله الجاهلون بسنته في القرى الظالم أهلها حصونا منيعة وقلاعا حصينة ، وتندثر وتغرق )( ص 576 العدل) . 

هـ اعتبار ( المشاركة في المجالس النيابية فيها تلبيس على المسلمين في عقيدتهم من خلال إضفاء لبوس إسلامي على أنظمة غير إسلامية .. وفيه تمييع للفواصل العقدية الصلبة بين الطاغوت وبين الدعاة إلى الله ) . ومن ثم يقرر الشيخ ياسين ( ليكن واضحا جليا أننا لا نخطب ودَّ الأنظمة الفاسدة الكاذبة الخاطئة . وليكن واضحا أن خطة بعض المترددين من فلول الحركة الإسلامية المتكسرين إلى مصالحة مع المزورين ليست خطتنا )(ص 571 العدل)

و ـ حصر أهم العوائق الأساسية التي  تحول دون إزالة نظام الحكم الملكي كالتالي : 

= عائق الولاء للنظام ( أهم العوائق في كسب المعركة ضد الأنظمة القائمة المستقرة ، العائق النفسي المتمثل في الولاء الراسخ تعطيه الجماهير لنظام مألوف تفضله على حدثٍ مستجَدٍّ )( ص 104 العدل ) .

= عائق الانقياد والركود( الركود العام ، والرقود العميق ، لدى القواعد الشعبية التي تدين بدين الانقياد ).

= عائق أن الملك أب الجميع وموحّدهم ( يُقنع الناس لآجال وأجيال أن الحاكم أبٌ حنون واجب الطاعة وأن الحاشية وحدها هي أم الخطايا المسؤولة)(ص 105 العدل).

= عائق الطاعة للحاكم ( بماذا ندخل على الساحة من جديد إن تركنا ” الصبغة” الانقيادية المَرَضية ولم نعالجها بالتصحيح الشرعي ؟ إن المسلمين اعتادوا الطاعة للحاكم ، وقيلَ لهم كما قيل لآبائهم وأجدادهم منذ قرون : إن طاعة أولي الأمر من طاعة الله ورسوله . وانطبعت في نفوس الأجيال خُطبُ الجمعة التي ترفع ” أمير المؤمنين ” و ” ظل الله في الأرض” إلى مراقي العصمة ، ورسخت في أذهانهم ومخيلاتهم تهاويل الحفلات ” الدينية” المصنوعة لتزيين صورة الحاكم وتقديسه)(ص 104 العدل ) .

إذن والسيدة نادية ياسين تجيب على أسئلة الصحافي لم تخرج عن هذه المبادئ والعقائد التي حددها المرشد وجعلها منهاج الجماعة ودستورها . لهذا فهي لم تأت بإضافات إلى تلك المبادئ بقدر ما جاهرت بها ، مما يثير أسئلة حول الميقات الزماني والميقات المكاني لهذه المجاهرة .

خلفيات الجهر برفض الملكية والإعلان عن أزوف نهايتها : نعلم جيدا أن الشيخ ياسين أخبر في كتابه ” العدل” أن الإسلاميين صاروا على عتبة الحكم ، مما يعني أن النظام الملكي يعيش آخر لحظاته . وتكريسا لهذه “الحقيقة” /الأدلوجة ، بشر الشيخ أتباعه بسلسلة من “المبشرات” التي تنبئ بأن سنة 2006 ستكون خاتمة النظام الملكي ، لتعود ” الخلافة على منهاج النبوة ” . إذن لماذا اختارت نادية ياسين أن تعلن من أمريكا ، أن الملكية لا تصلح للمغرب وأن نهايتها وشيكة ؟ إن الإجابة على هذا السؤال تقتضي وضعها في السياق الدولي وكذا الداخلي للمغرب . 

بخصوص السياق الداخلي : لا شك أن المغرب يمر بفترة انتقالية حرجة ، خاصة على مستوى الحريات العامة ، حيث باتت الأصوات المناهضة إما للوحدة الترابية أو لنظام الملكية أو لإمارة المؤمنين أو لوحدة المذهب المالكي ، تعبر عن نفسها وعن التنظيمات المروجة لها دون تردد أو مواربة . وما الأحداث التي عرفتها مدينة العيون وعدد من الجامعات المغربية مؤخرا بتحريض من الفلول الانفصالية إلا دليل على وجود حالة ” السيبة” و ” الدصارة” التي لا تعكس النضج السياسي لدى هذه التنظيمات المناوئة ، بقدر ما تسعى لإظهار حالة “التدهور” والارتباك في “النظام المخزني”  أو بتعبير مغربي دقيق ” ما بقى مخزن” . وتصريح السيدة ياسين يأتي لجس نبض “المخزن” وقياس طبيعة ردود فعله ودرجة خطورتها . فقبل سنتين  امتنعت السيدة نادية ياسين عن إعطاء جواب أو توضيح موقف جماعتها من علاقة الدين بالسياسة ، في حوار معها نشرته أسبوعية الصحيفة في عددها 125 بتاريخ 8 غشت/11 شتنبر 2003. وبررت هذا الامتناع كالتالي ( الجواب على هذا السؤال حذفه قانون الإرهاب ، أُكتبْ هذا ، أكتب أن هذا جوابي ، وأنه بعد الخطاب ( خطاب العرش لسنة 2003) لا أستطيع أن أجيب على هذا السؤال ، فأنا مواطنة مغربية ، تُظلني سماء المغرب ولا أريد أن تُظلني سماء سجن عكاشة ) . فما الذي حصل حتى حُلّت عقدة لسانها وقانون الإرهاب لم يُلغَ وخطاب العرش لم يُنسخ ؟ 

أما بخصوص السياق الدولي : فجميعنا يعلم مساعي الولايات المتحدة لإقامة الحوار مع الحركات الإسلامية بغرض تأمين المصالح الأمريكية . في هذا السياق تسعى نادية ياسين ، ومن ورائها جماعة العدل والإحسان ، إلى إقناع الولايات المتحدة ، من جهة ، بأن مدة صلاحية النظام الملكي أوشكت على نهايتها ، ومن جهة ثانية أن جماعة العدل والإحسان هي القوة السياسية الوحيدة التي ستزيل النظام وترث ملكه . وأرادت نادية ياسين بتصريحها إياه من جامعة باركلي أن تضع النظام أمام خيارين أحدهما أصعب من الآخر . إما خيار سكوت النظام على تصريحاتها مما سيعطي مضمونها مصداقية من حيث أن النظام متهالك وآيل للزوال . والسكوت ، في هذه الحالة سيشجع جهات أخرى على ” السيبة” و ” الدصارة” وشطب الخطوط الحمراء . وإما رد فعل صارم سيجر النظام إلى مواجهات مفتوحة مع جماعة العدل والإحسان على نمط المواجهات بين النظام المصري وجماعة الإخوان المسلمين . وفي هذه الحالة ستعطى الذرائع للتدخل الأجنبي  للضغط على السلطات المغربية بغرض احترام حقوق الإنسان وتوسيع هامش الحريات العامة . الأمر الذي يعني وضع اليد الأمريكية باليد الياسينية لرسم معالم المستقبل المنظور . فنادية ياسين ترسل للأمريكيين إشارات واضحة مفادها أن جماعة العدل والإحسان تتبنى مفهوم الديمقراطية الغربي ، وليس بينها وبينه عداء مذهبي أو رفض عقائدي . هكذا تقول نادية ياسين ( إننا نقول مرحبا للعلمانيين ليبقوا ويقترحوا برامجهم ويكونون مستعدين للدخول في اللعبة السياسية حتى يكون ممكنا للذي يقول باللادينية حقه في التعبير عن رأيه شريطة أن تكون هناك لعبة سياسية واضحة وخيار ديمقراطي حقيقي . نحن لا نرفض العلمانيين واللادينيين ، بل نقول بحاجتنا إلى نظام سياسي قائم على ديمقراطية حقيقة ) .  إنها لغة المصالح التي تعطل مفعول المبادئ التي صاغها والدها وتأسست عليها الجماعة . ويمكن أن نذكر منها : اللاتسامح مع من يعتبرهم الشيخ مرتدين وكفارا مثل العلمانيين واليساريين ، كما في قوله ( وما الدين قضية شخصية يتسامح بصددها المسلم مع الكافر ، والتائب مع المرتد )(ص 141 الشورى)

( دعوتنا مؤَكَّدة إلى ميثاق إسلامي يستظل بحقه كل التائبين من هذه الأحزاب مهما كان بالأمس اقترافها ما لم تكن رائدة الفسوق والعصيان والكذب على الله وعلى الناس )(ص 571 العدل ).

وبهذا تكون نادية ياسين تسير على خطى والدها . فبعد أن رفض النظام الملكي “النصيحة” التي  قدمتها له  ، عقب الأحداث الإرهابية ليلة 16 مايو ، بالتعاون مع جماعة العدل والإحسان ، كما فعل والدها مع الملك الراحل الحسن الثاني عقب المحاولات الانقلابية ، انتقلت إلى مهاجمته بالإعلان عن عدم صلاحيته .  إذن نحن أمام هجمة شرسة ومنظمة ، وإن تعددت أطرافها ، تستهدف تقويض الثوابت التي يجمع عليها الشعب المغربي ـ النظام الملكي ، المذهب المالكي ، الوحدة الترابية ـ الأمر الذي يقود حتما إلى إثارة الفتنة وتقويض الوحدة .

ـ طبعا إن للشيخ ياسين مخططا واضحا متعدد الأبعاد :

= بُعد ذاتي يتعلق ببناء تنظيم  قوي يدين بالولاء التام والطاعة العمياء للمرشد . فهذا التنظيم هو الذي سيزحف على السلطة ويطيح بالملكية . وقد وضع الشيخ مخططا من ثلاث مراحل : مرحلة التربية ، مرحلة التنظيم ، ثم مرحلة الزحف . إنه يعِد أتباعه بالفوز برضا الله إن هم أخلصوا للشيخ ونفذوا مخططه . لهذا فهو يوظف عقائد الصوفية التي تجعل الشيخ هو المنقذ الوحيد من الشرك والضلال ، ومن لا شيخ له لن يدخل الجنة ، بل يكون مصيره النار . فليس غريبا أن نجد هذا الولاء التام والطاعة المطلقة للشيخ بين أتباع جماعة العدل والإحسان الذين يعتبرون شيخهم في مقام أعلى من مقام النبي محمد ، وأنه على صلة دائمة بالله تعالى ويتلقى منه الوحي باستمرار . بل يجعلون لشيخهم كرامات أي معجزات ، فتجدهم يقدسونه في حضوره وفي غيابه ، لأنهم يعتقدون أنه يعلم ما في نفوسهم ويكون معهم أينما كانوا . 

= بُعد سياسي بحيث يسعى الشيخ إلى تحريض القوى السياسية على مقاطعة النظام من خلال مقاطعة الانتخابات وكل أشكال المشاركة السياسية لعزل النظام عن الشعب ثم إضعافه . لهذا يرى الشيخ أن كل مشاركة سياسية تعطي للنظام قاعدة شعبية وتُطيل في عمره . وما دام الشيخ يستعجل سقوط النظام وزوال حكمه ، فهو لن يشارك في الانتخابات ولن يدخل إلى المؤسسات الدستورية . 

= بُعد ديني إذ يقدم الشيخ نفسه أنه هو ولي الأمر الشرعي ، وهو الأحق بالحكم لأنه مبعوث من الله لإقامة الخلافة الثانية على منهاج النبوة . ولهذه الغاية يبشر أتباعَه بأن الرسول عليه السلام يبارك جماعته ويجالسه ويعده بنصر من الله . أما الَملِك فيرميه الشيخ بالكفر والنفاق والفسوق والتأله ومخالفة الشرع والولاء للكافرين .

لهذه الغاية ـ إسقاط النظام ـ لا يريد أن يتحالف مع أي تنظيم ، بل يريد أن تكون الأحزاب الأخرى تابعة له لتنفيذ مخططه . وطالما ظل الشيخ على قيد الحياة فلن تشارك جماعته في الانتخابات ولن تصالح النظام ولن تبايع الملك ولن تعتبره ولي الأمر كما لن تقره  أميرا للمؤمنين . فشيخها هو ولي الأمر وليس الملك . 

-- خاص بالسكينة : سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*