الإثنين , 5 ديسمبر 2016

السياسة والعامة

ما يمر فيه العالم العربي في الوقت الحاضر هو مخاض نخبوي سياسي بامتياز، فالصراع بين النخب وصل إلى درجة الصراخ العالي، وقد احتدم التنافس لدرجة غير مسبوقة، وساهم في ذلك الانفتاح الإعلامي واتساع دائرة حرية التعبير، ودائما ما تكون دولة مصر صاحبة السبق في تصدر الأخبار السياسية العربية، حيث تجاوزت أصداء الانشقاق السياسي في الأزمة الحالية حدود مصر، وظهر الانحياز على مختلف الأصعدة النخبوية في العالم العربي، في نشرات الأخبار العربية خارج مصر، وفي البرامج السياسية الحوارية، ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال متابعة سريعة على سبيل المثال لقناتي الجزيرة والعربية، سيظهر للمتابع أن الجزيرة إخوانية، وأن العربية تميل للجبهة المعارضة لحكم الإخوان في مصر، ولأول مرة ربما في تاريخ العرب يقفز الحوار الفكري السياسي على الحوارات الرياضية، والتي كانت دائما ما تتسم استثناء باتساع حرية التعبير فيها، كما كانت تعبر عن الانحياز بشكل مفضوح، لكنها تراجعت كثيراً بعد ثورات الربيع العربي. 

كذلك انقسمت النخب الفكرية في حواراتها حول الصراع السياسي في بلاد النيل، وأصبح العامي في حيرة مما يجري، وقد أوضحت بعض الدراسات التي تم إجراؤها أثناء مرحلة الاستفتاء حول الدستور أن خمسة وسبعين في المائة لم يقرأوا الدستور المصري في صيغته الحالية، وأن كثيراً منهم لم يقرر أين يدلي بصوته إلا داخل مراكز الاستفتاء، وفي ذلك إشارة أن النخب على طول التاريخ تتلاعب بعواطف الشعوب رغم إدراكها أن أغلبهم لا يعي ماذا يجري في الشارع، ومع ذلك يخرج زعماء النخب يتحدثون باسم الشعب، وأنه مصدر السلطات، وأن المحرك الحقيقي للثورات هم الشعوب، بينما حقيقة الأمر تقول غير ذلك، فالعامة يريدون خبزاً، بينما تتنافس النخب حول السلطة 

كانت الشيوعية أخطر حركة سياسية تحدثت باسم الشعب، بل استبدت عبر ثورتها البلشفية في روسيا، ثم حكمت النخبة باسم العامة بالنار والحديد، كأكثر حكم استبدادي في التاريخ الحديث، وسقط بعد صراع سياسي مرير، وبعد أن وصلت أحوال المواطنين إلى درجه شديدة من الفقر والقهر، وحكم معمر القذافي بالدم والاستبداد باسم الحكومة الشعبية وتحت مسميات الجماهيرية وحكم الشعب للشعب، وشهد الخلاص منه صراعاً دموياً، انتهى بتمثيل العامة يجسده، بعد أن وصل الناس إلى حالة اليأس من المستقبل تحت نظريته الشعبية، وأيضاً أطلقت دولة اليمن الجنوبي في زمن الحكم الشيوعي جمهورية اليمن الديموقراطية الشعبية، بينما كان يحكمها قلة تؤمن بالماركسية السياسية من أجل السيطرة على الناس. 

كذلك كان تاريخ المسلمين مسرحاً للصراعات تحت مسميات يُصعب حصرها في هذه العجالة، فقد خرجت ثورة القرامطة من مستنقعات الفقر أيام زمن الخلافة العباسية، وكانت ثورتهم شعبية فوضوية أدت في النهاية إلى خروج حكم استبدادي باسم العامة، كذلك مثلت ثورة الزنج أول حركة للعبيد قادها نخبوي من آل البيت، كانت نتائجها كارثية على بغداد وبني عباس، وقبل ذلك واجهت النخبة الأموية أكثر عدد من الثورات الشعبية في تاريخ المسلمين، تطالب بإرجاع الحكم لرشده، لكن في أيام الثورة الأخيرة خرج أبو مسلم الخراساني حاملاً الروايات السود، واجتاح بغداد، ونصب أبا العباس السفاح ثم دعا لمبايعته تحت حد السيف، ثم غابت العامة عن مسرح الأحداث لفترة طويلة. 

يرى بعض الفقهاء أن العوام دهماء وغوغاء أو حتى رعاع همج، لا يجوز لهم التدخل في شؤون الدين والأمة، بينما يرى فريق آخر جمهور العامة يضم في جنباته نخبا متنوعة لها ذات دور النخب، وأن الحل في تأهيل العوام يكون في الديموقراطية المنظمة بإقرار نواب يوكل إليهم أمر النظر في أمور الدولة، والتحدث باسمهم في المجالس الليبرالية، وهو ما يحدث في الغرب حيث تُشكل مجالس في الولايات تمثل الشعب في اختيار نواب لهم، يساهمون في إقرار الأنظمة والقوانين، وإذا لجأت النخب في استخدام العوام من أجل مصالحهم الخاصة تحدث الفوَضى وتنهار الدول. 

———————–

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- عبدالعزيز السماري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*