الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » التحدي الذي يواجه الشباب المسلمين

التحدي الذي يواجه الشباب المسلمين

ثمة تغيير عميق يأخذ مجراه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. الوقت مبكر جدا بحيث يصعب علينا أن نقف على أسبابه المحددة، لكنني أعتقد أن هناك خيطا مشتركا، ألا وهو أن الشباب في المجتمعات الإسلامية يواجهون نقصا في الفرص.

كان الشباب هم محرك الصحوة العربية، التي تم تنظيمها عبر الوسائل التكنولوجية وأشعلها التعطش لتغيير سياسي. وسعيا لمجتمعات أكثر انفتاحا وأنظمة أكثر استجابة لتطلعات أفراد الشعب، أعرب الشباب العرب عن تلهفهم إلى إرساء الديمقراطية. لكنهم في الوقت عينه عبروا عن شعور عميق بالافتقاد – ليس فقط لحريتهم الشخصية أو السياسية، بل للفرص.

كان الاضطراب نتيجة لسوء توزيع الموارد، لا الموارد الطبيعية أو رأس المال، بل الموارد البشرية. إن عدم التمثيل الكافي للشباب في البرلمان هيأ فرصا يمكن أن تزداد فيها التوترات – توترات أشعلها الافتقار إلى إصلاح سياسي. ومدفوعين بعدم تمتعهم بالحرية على المستويين السياسي والاقتصادي، وجد الشباب منفذا في المظاهرات الاحتجاجية.

ليست هذه الضغوط قاصرة على الدول العربية فحسب؛ فهي ملموسة عبر أنحاء العالم. لا يرى كثير من الشباب المسلمين أي فرص متاحة لهم، كما يفتقدون للشعور بأنهم يسيطرون على مجريات أمور حياتهم أو أن لهم حصة في مستقبل أمتهم.

وهذه المشاعر التشاؤمية تفضي إلى انفصال. نحن نخاطر بفقدان جيل من الشباب المسلمين بسبب اللامبالاة والتطرف.

كقائد لدولة غالبية سكانها من المسلمين، أرى أن الدول الإسلامية ينبغي أن تصل لفهم أفضل بشأن ما يطمح إليه شبابها. وهذا يقتضي فهم تحديين كبيرين يؤثران في حياتهم.

التحدي الأول ديموغرافي: يواجه العالم الإسلامي «زيادة هائلة في عدد الشباب». في عام 2010، كان الأفراد الذين تقل أعمارهم عن 30 عاما يشكلون نسبة تقدر بنحو 60 % من تعداد السكان في الدول التي يعتبر غالبية سكانها من المسلمين. ويعني سكان أصغر عمرا قوة عاملة أكبر. ثمة حاجة إلى استثمارات ضخمة ورأس مال أكبر لاستغلال هذه الإمكانات الإضافية. بإمكان تغيير ديموغرافي ضخم أن يشوه السياسة المالية على مدى عقود، مثلما تكتشف الدول التي شهدت طفرة في معدل المواليد في الفترة من 1946 إلى 1964 ما بعد الحرب العالمية الثانية. من الناحية الاجتماعية، قد يكون التأثير قصير الأجل أكبر. أدخلت الطفرة الهائلة في عدد الشباب طاقة كامنة في اقتصاد ومجتمع الأمة. وإذا تركت من دون استغلال، فمن الممكن أن تصبح قوة مخلة بالتوازن.

في عام 2010، بلغت نسبة البطالة بين الشباب في الشرق الأوسط 25 %؛ وفي شمال أفريقيا، بلغت 24 %. إن تلك المستويات ذات تأثير سيئ. حينما يفتقر الشباب للفرصة، تعتريهم حالة من التململ. إن عدم الاستقلال يسلب منهم كرامتهم، فمن دون أن تكون لهم حصة اقتصادية في المجتمع، يمكن أن يفقدوا شعورهم بالانتماء. وقد يترجم هذا في صورة عداء للدولة.

في الفترة من عام 1970 إلى 2000، بلغت نسبة السكان دون سن الثلاثين 60 % في ثمان من بين عشر دول تواجه حربا أهلية جديدة.

أما التحدي الكبير الثاني، فهو تحد تكنولوجي. قبل واحد وعشرين عاما، لم تكن هناك مواقع إلكترونية؛ اليوم، هناك أكثر من نصف مليار موقع. وفي فترة حياة الفرد، أتاحت شبكة الإنترنت فرصا لم يكن من الممكن تخيلها من قبل.

إن عصر المعلومات له جيله، وهم الرقميون بالنشأة – الذين شبوا على استخدام شبكة الإنترنت. وهم يتوقعون توفر حرية في تبادل المعلومات وأن تكون الديمقراطية متجاوبة مع الشعب وأن يتاح التواصل عالميا. إنهم يرغبون في لعب دور فاعل في الاقتصاد الرقمي.

ونتيجة تمكينهم بفضل الوسائل التكنولوجية، بإمكان الشباب أن يفصحوا عن إحباطاتهم لجمهور العالم. ولهذا دلالة عميقة: ظهور وعي سياسي دولي جديد.

تشكل هاتان القوتان – الديموغرافيا والتكنولوجيا – مطامح الشباب. في عصر حرية الإرادة، يتوقون إلى حرية الفرص. ويطمحون إلى تعليم على مستوى عالمي. كذلك، يطالبون بنظام موضع مساءلة. ويتمثل التحدي الذي يواجهنا في إتاحة تلك الحريات دون أن يأتي ذلك على حساب تقاليدنا. لكن هذا لن يتوفر فقط إلا إذا أظهرنا روح القيادة والتزمنا بالإصلاح.

إن حرية التمتع بالفرص التعليمية تتحسن، غير أن كثيرا من الشباب ما زالوا يجدون مؤهلاتهم لا تتماشى مع الفرص المتاحة، ومن ثم، علينا التركيز على التدريب المهني والفني. علينا أيضا أن نستمر في إفساح المجال لاقتصادنا: 23 % من شعوب العالم مسلمون، لكن أعضاء منظمة التعاون الإسلامي البالغ عددهم 57 عضوا يشكلون نسبة 8.3 % من حجم التجارة العالمية.

يتحتم استكمال الإصلاحات الهيكلية بحيث تصبح قطاعاتنا الخاصة أكثر ديناميكية. وعلينا إصلاح الخدمات العامة ومواجهة المؤسسات التي تكبت الفرص، مع بقائنا منتبهين للفساد.

علاوة على ذلك، فإن علينا أيضا أن نستجيب للتغير التكنولوجي. ينبغي أن تتمثل نقطة انطلاقنا في إقرار المبدأ الرئيسي الذي يحكم شبكة الإنترنت – وهو استقلاليتها. وينبغي أن تظل على هذا النحو. وهذا لا يعني سلوكا لا يخضع لمراقبة، وإنما يشير للاستقلالية. علينا أن نزود شبابنا بالمهارات للتفكير بشكل نقدي في مواردنا وفهم أن حرية تبادل المعلومات لا تعني بالضرورة دقتها. غير أن مساحة الإنترنت يجب أن تظل مساحة يتم التشجيع على تبادل الآراء بحرية فيها، بأفضل أساليب الخطاب. أرى أننا يجب أن ننظر لشبابنا كمورد عظيم الفائدة لا كعائق. إنهم مورد غير مستغل يمكن أن يضع الأسس لتحقيق نجاح عظيم. من الممكن أن يحقق الإصلاح الاقتصادي والسياسي للشباب ما يطمحون إليه: مستقبل تميزه الفرص لا الاتكالية. لقد حان الوقت لإدراك الثروة الخفية للدول الإسلامية.

المصدر: الشرق الأوسط

-- نجيب رزاق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*