الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مصر من الثورة إلى الفتنة .

مصر من الثورة إلى الفتنة .

تعيش مصر لحظة حرجة في تاريخها الحديث ليست ككل لحظات الأزمة أيا كانت طبيعتها سياسية أو اقتصادية ، إنها فتنة لن تبقي ولن تدر ، تشطر المجتمع إلى شطرين متناحرين أصر الإخوان المسلمون على أن يكون التناحر على خلفية عقدية بين مؤمنين وكفار .المؤمنون هم مؤيدو الرئيس مرسي ،والكفار هم بقية القوى السياسية والشبابية الرافضة لقرارات الرئيس التي ترفعه إلى منزلة الإله الذي لا ُيسأل عما يفعل ولا ُيعصى له أمر .

لقد انخرط شيوخ التيار الديني (سلفيين وإخوان) في المعركة الدينية باسم الدعاية للدستور . ومن هؤلاء الشيخ وجدي غنيم الذي صنف، في أحدى تسجيلاته المرئية بالمناسبة ، أن المتواجدين في الميدان ثلاثة أقسام لا رابع لهم, القسم الاول كفرة (ليبراليين حداثيين علمانيين بتنجانيين .. ألخ) والثاني مأجورين (يتقاضون مبالغ نقدية) والثالث (غلابه مش فاهمين حاجة) . بينما ذهب الإخوان والسلفيون إلى إعلانها صريحة تحت شعار “مليونية الشرعية والشريعة”. مما يفيد أنهم يخوضون حربا “مقدسة”ضد أعداء الشريعة/الدين. هكذا قسم التيار الديني شعب مصر إلى فسطاطين :مؤمنين وكفرة . 

لم يكن أحد يفترض أن يأتي رئيس منتخب ومن رحم الشعب ليقسم هذا الشعب الذي خاض الثورة ضد الاستبداد ،وحمله إلى سدة الحكم ،  ليرمي بهذا الشعب  في أتون الفتنة. فالرئيس مرسي خالف كل وعوده التي قطعها إبان  الحملة الانتخابية .وحتى بعد انتخابه رئيسا وعد فأخلف.  

فقد أقسم  حين أدى اليمين الدستورية أن يحافظ على وحدة الشعب المصري .وها هو يخلف وعده في قضايا عديدة :بدءا بالدستور الذي وعد  وأقسم أن يكون محط توافق وإجماع بين القوى السياسية،ثم ضمان الفصل بين السلط ،  وانتهاء بالحفاظ على  وحدة الشعب .كل الوعود نكثها وأصم سمعه عن كل النداءات التي وجهها الأزهر والفنانون ومرشحو الرئاسة والكنيسة. وحتى حين ألقى الرئيس خطابه بعد أزمة الإعلان الدستوري ،فإنه تحدى الشعب المصري  وأصر على فرض الأمر الواقع على  معارضيه والشباب الثائر في ميدان التحرير ومحيط الاتحادية . 

وكان من المفروض في الأطراف التي حضرت الحوار مع الرئيس مرسي أن تستحضر المصلحة العليا لمصر وتقنعه بتأجيل الاستفتاء حول مشروع الدستور طالما حول خلاف كبير لتفعيل شعار المشاركة لا المغالبة التي رفعه الإخوان أول الأمر لما فازوا بأغلبية مقاعد مجلس الشعب الذي قضت المحكمة الدستورية بحله . لكن سليم العوا ، الذي نافس الرئيس مرسي على منصب الرئاسة ، أوجد للرئيس مخرجا ومأزقا في نفس الوقت . 

فمن جهة ، نحج في إلغاء الإعلان الدستوري ، لكنه ، من أخرى، ورّط الرئيس في اتخاذ قرار إجراء الاستفتاء في الموعد الذي حدده . ولم ينتبه إلى أن المبررات الدستورية التي حاجج بها نسفها الرئيس نفسه . ذلك أن الاحتجاج بأن تأجيل موعد الاستفتاء ، وفق ما تطالب به المعارضة ، مخالف للإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري في مارس 2011 ، والذي يحدد في المادة 60  على انه “على رئيس الجمهورية ان يعرض مشروع الدستور للاستفتاء بعد 15 يوما من تلقيه من اللجنة التأسيسية) .

الأمر الذي يجعل الموعد إلزاميا ( وليس ميعادا تنظيميا ولا يجوز لرئيس الجمهورية ان يخالف ذلك لا تاجيلا ولا بالتغيير) . في حين أن الرئيس خرق نفس الإعلان الدستوري في أكثر من مناسبة :

أ ـ انتخاب 50 عضوا احتياطيا بالإضافة إلى أعضائها المائة ، علما أن الإعلان إياه لا ينص على الاحتياطيين. 

ب ـ تمديد مدة عمل اللجنة التأسيسية شهرا إضافيين لتصبح ثمانية أشهر عوض ستة كما حددها نفس الإعلان.

 ج ـ تعيين 11 عضوا  من الاحتياطيين لتعويض المنسحبين من اللجنة التأسيسية مخالف للإعلان الدستوري. 

د ـ إصدار الإعلان الدستوري الذي يعطي للرئيس سلطات مطلقة لا يمكن نقضها أو الطعن فيها مخالف للإعلان الدستوري السابق.

إذن لا مبرر  للمحاججة بإعلان دستوري كان الرئيس أول من يخرقه.

بل مصلحة مصر تقتضي وضعها فوق كل اعتبار حزبي أو مذهبي أو طائفي . 

لكن الملاحظ من التعجيل بعرض “الدستور المسلوق” على حد وصف المعارضة ، هو تمكين الإخوان من دواليب الدولة ومفاصلها حتى وإن كان مشروع الدستور يحدد للرئيس  ولايتين فقط  على أقصى تقدير .

فالرئيس ليس سوى الأداة التي سيحكم بها الإخوان أيا كان شخصه ، لا يمكنه الرفض أو المقاومة . ولعل عدم استشارة مستشاريه في قرار ومضمون إعلانه الدستوري دليل على أن المرشد هو الذي يحكم لا الرئيس . 

وفي  هذا السياق نقلت رويترز عن الدكتور نبيل عبد الفتاح، خبير العلوم السياسية في مركز الأهرام الدراسات الإستراتجية، قوله “هناك غموض كبير مرتبط بكيفية اتخاذ القرار في الرئاسة…هناك طرف ما يتخذ القرار…والرد الأكثر ترجيحا هو أنها جماعة الإخوان المسلمين.”. 

كما أن سكوت مرسي  عن محاصرة المحكمة الدستورية ومنع القضاة من البت في مدى دستورية اللجنة التأسيسية ، هو إقرار بمبدأ المغالبة وسلطة الإخوان الذين يسعون إلى تأسيس ولاية المرشد قياسا على ولاية الفقيه في إيران . 

ففي حواره مع  DW رأى الدكتور مصطفى اللباد مدير مركز الشرق الأوسط للدراسات الإقليمية والإستراتيجية في القاهرة أن “مسودة الدستور تؤسس فعلا لدولة دينية في مصر”، وأوضح أن المادة الثانية والتي تقول إن مبادئ الشريعة الإسلامية هي الأساس ليست هي المشكل، باعتبار أنها تلقى ترحيبا من قطاعات كبيرة في المجتمع المصري. 

ولكن المشكل هو في المادة 219 التي تفسر المادة الثانية والتي تشدد على “المنابع الأصلية للشريعة والاجتهادات والأصول الفقهية”. وهو ما يفتح الباب أمام تأويلات متشددة لمفهوم الشريعة.

 “لأن الشريعة شيء وفهمها شيء آخر”. وهناك أيضا المادة الرابعة، التي تعطي دورا متزايدا لعلماء الدين ومؤسسة الأزهر (وهي مؤسسات غير منتخبة) في مناقشة القوانين. ويرى الدكتور اللباد أنها “تشبه كثيرا تلك المواد المنصوص عليها في الدستور الإيراني، بمعنى أن هناك ولاية فقيه سنية مستترة”.

الأوضاع تزداد تعقيدا في مصر ، ذلك أن الرهان على مبدأ المغالبة لفرض دستور غير متوافق عليه لحسم الصراع السياسي ضد المعارضة وتثبيت “الشرعية” لا يمكنه أبدا أن يحقق الأمن والاستقرار . 

فالمعارضة التي أراد الرئيس مرسي إخضاعها ووضعها أمام الأمر الواقع ، تعلن رفضها القاطع لنتائج الاستفتاء ، وتعلن عن مليونية جديدة يوم الثلاثاء 18 ديسمبر لإسقاط الدستور . وقد تنفلت الأمور من كل رقابة وضبط في ظل التقاطب الحاد بين مؤيدي الدستور ومعارضيه . 

حفظ الله مصر من كل مكروه وهدى أطرافها السياسية إلى كلمة سواء أن تكون مصلحة مصر فوق كل الحسابات السياسية والمذهبية.  

-- خاص بالسكينة:سعيد الكحل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*