السبت , 3 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » … َلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ…! 1 – 2

… َلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ…! 1 – 2

ليس عيباً أن نختلف، ولكن العيب أن نخفق في إدارة الاختلاف. والأصوليّون يُفَرِّقون بين الاختلاف المعتبر، وغير المعتبر. فيقبلون الأول، ويتحفّظون على الثاني. 

وفقهاء الواقع قد لا يجدون غضاضة من رفع الأحكام في بعض المواقف، 

خشية أن يؤدي تنفيذُها إلى ما هو أسوأ من رفعها. 

والنصوصيّون يتمسّكون بحرفية الدلالة، ولا يلْقون بالاً للمقاصد والمصالح. والنَّص الشرعي يَعْتوره ثلاثة قُرَّاء: ظاهريّون حرفيّون، وعقلانيّون متأوّلون، ومراوحون بين القياس والتأويل. وهؤلاء يميلون مع المصلحة حيث تميل، ولكنهم يَمُدُّون بسبب إلى الحكمةِ المستمدّة من النَّص، فلا يعطلون مقصداً، ولا يحرفون دلالةً. 

ولقد تفرّقت بالصحابة رضوان الله عليهم سبل التلقِّي. فمنهم المستجيب الفَوْري الذي لا يُعَقِّب، وعلى رأسهم [أبوبكر الصديق] رضي الله عنه. ومنهم المستجيب الذي لا يتهيّب المراجعة والتساؤل، وعلى رأسهم الفاروق [عمر بن الخطاب] رضي الله عنه. وفيما بين هذا وذاك، تتفاوت مستويات التلقِّي وفورية القبول. 

ولقد كانت [لأبي ذر] رضي الله عنه رؤية، تختلف عن رؤية جمهور الصحابة، الأمر الذي حمل الخليفة [عثمان] رضي الله عنه على نفيه إلى [الربذة]، اتقاء الفتنة، مع أنه لم يُبَدِّل في تأوله الذي انفرد به، ولم تَهْتَز مكانته، بل لمَّا يزل يُعد من أفاضل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ولقد سيء فهمه زمن المدِّ الاشتراكي. إنه أمة، يموت وحده، ويبعث وحده، وإن خالف. ومن بعد خير القرون، تفرّقت بالعلماء والمفكرين السبل، حتى جاءت [نظرية التلقِّي] كأخطر مَرحْلة نقدية، أغفلت المنتج والنَّص. وتشعّبت في أمدائها المسالك، وتنوّعت الآراء، وتعدّدت المناهج والآليات، واحتدم الخلاف، واتسعت رقعته. وفي أثناء ذلك أصبح للسياقات والأنساق القدحُ المعلَّى، وأوجفت [البنيويَّةُ] و[التفكيكية] و[التحويلية] بخيلها ورَجِلها، لتشتّت المدارك، والمفاهيم، وتجهض النصوص، وتجعل من المتلقي مُبْدعاً رديفاً، لا يبالي بأيِّ وادٍ هلكت مقاصد المنتج ودلالاته. وكم أجد المتعة في اختلاف الأساطين، حول مجمل القضايا، فيما أجد الغثائية في مماحكات المتسطّحين، والمتذيّلين لثقافة الغير. إنّ للاختلاف ما للاتفاق من القيم، متى أحسن المختلفون إدارة التناجي بحكمة وموضوعية. 

والفقهاء الذين أنشؤوا المذاهب الفقهية، ولقيت قبولاً من العامَّةِ والخاصة، لم يكن اختلافه متعمّداً، ولا فضولياً، إنه اختلافٌ مبرّر، ومحكوم بضوابطه، ومناهجه، وعلله، وشواهده. والعالِمُ المنصف يقف إجلالاً وإكباراً لعلماء المذاهب، حين يتعقّب أدلّتهم، وشواهدهم، ودفاعهم المتعقِّل عن رؤيتهم. ومع اختلافهم فإنهم متصافون متحابُّون، كل واحد منهم يجل صاحبه، ويُكبره، ويحترم رؤيته، ولسان حاله يقول: أختلف معك، ولا أتردّد في بذل كل ما استطيع، لتقول رأيك. إلاّ من استحوذ عليهم شيطان العجب، وتلبّسوا بعصبية الطائفية، وكثيرٌ مَّا هم. 

وما وصل الخيِّرون إلى هذا الكم الهائل من المعارف، إلاّ لما ينطوون عليه من العلم والفهم والإخلاص، والبحث عن الحق بوصفه ضالّتهم. وخَوَافِي أجنحتهم وقوادمها: الموافقة والإخلاص. 

وليس كذلك خلاف المتكلمين، الذين يرجمون بالغيب، ويحكِّمون العقل بالمجهول. على أني لا أتهيّب التحسُّس عن الحقيقة، عند هؤلاء، وأولئك. فأحترم الفقهاء، وأهاب المتكلمين. ولربما يكون كتاب [بداية المجتهد ونهاية المقتصد] الذي ظَفِرْتُ به في زمن مبكر من الكتب التي روَّضت جماحي، وهدَّأت من روعي، وحملتني على قبول الاختلاف في الفروع، والتعاطي مع المختلفين من الفلاسفة والمتكلمين، فـ[ابن رشد في البداية] يسوق الآراء، ثم يَشْفعها بأسباب الاختلاف، ثم يدع لك حرية الترجيح. 

فهو لا يسعى لفرض رؤيته، ولكنه يَنْشُد استعراض الآراء، وتمكين المتلقِّي من الوقوف على الرأي ونقيضه. وأوسع منه كتاب [المغني] لـ [ابن قدامه]، بوصفه من كتب الفقه المقارن، المكتظ بالأدلة والقواعد والترجيح، ولاسيما حين يقول: [ولنا]، وفوق هذا وذاك [المُحلَّى ] لـ [ابن حزم]، وإن كان ظاهرياً. 

والاختلاف المذموم هو الاختلاف المُسْـتَـتْـبع للعداوة، والبغضاء، والشحناء، والأثرة، والإقصاء، وتأليب الخصوم، واستعداء السُّلطة، وتجهيل المخالف. ومثله الاختلاف الذي لا يعضده النَّص بدلالته أو بمقصده. ومتى كان النَّص حمَّالاً، يصبح المختلفون في حل من الاختلاف. 

والخليفة الراشد [علي بن أبي طالب]رضي الله عنه، يَنْهَى عن مجادلة الخصوم في القرآن، لأنه حمَّال أوجه. وفضاءات النَّص كلَّما اتسعت، أصبحت مشروع اختلاف. وإذ لا نرى أن ّالاختلاف رحمة، ونرى أنّ حديث [اختلاف أمتي رحمة] لا يصح، فإنه مفيد، متى أصبح بين العلماء المتبحِّرين الناصحين المخلصين. فالنصوص الحمَّالة تنطوي على دلالات، لا يتمكن من تثويرها، والغوص في أعماقها إلاّ العلماء المثارون المحتدمون، على حد:- 

[ لولا اشتعالُ النار فيما جَاورت****ما كان يُعرف طِيبُ عَرْفِ العود]

فالعلماء لا يَقْدح زنادَهم إلاَّ الجدل والتساؤل. وكم يفرح الصحابة بالأعرابي العفوي، الذي لا يتردّد في المساءلة والمراجعة بين يدي معلِّم الأُمّة. 

والرسول صلى الله عليه وسلم أبان عما جاء به، وصوَّر مستويات التلقِّي. حيث وصف ما جاء به بالمَطَر، وجعل التلقِّي ثلاثة مستويات: قيعان، وأجادب، ورياض. وهو حين نَدَبَ إلى التبليغ أشار إلى الحِفْظ والفهم، بقوله:- [فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعى من سامع]. 

إذاً النَّصُّ واحدٌ، والدلالة الظاهرةُ واحدة، ولكن الأنساق. والسياقات. والمجازات. والعموم والخصوص. والناسخ والمنسوخ. والعام والخاص. والمتقدم والمتأخر. والتعارض. والصحيح. والضعيف. وعدم التبلغ. واختلاف الأزمنة والأمكنة، والإمكانيات، كلُّها تختلف، وباختلافها تختلف الدلالة والأحكام، وتتنوّع المفاهيم، وتتفاوت الحكمة والمقاصد في التشريع. 

والعلماء المتبحّرون يضعون كل الأهمية لفقه الواقع، والأولويات، والتمكين، ولا يتردّدون في إحلال حكم مكان آخر، لمجرّد أنّ الزمان غير الزمان، وأنّ الإمكانيات غير الإمكانيات. 

ألم يمتنع الفاروق [عمر] من دفع الزكاة للمؤلّفة قلوبهم، بحجّة أنّ الإسلام قَوِيٌّ، وليس بحاجة إلى تأليف القلوب؟. ثم. ألم يتوقف عن تنفيذ حدّ السرقة في [عام الرمادة] لدخول السارق في حكم المضطر؟. مع أنّ تصرُّفه لا يُعَد تعطيلاً للأحكام، ولكنه مراعاة للأحوال. 

ونقول مثل ذلك عندما أقدم [الملك فيصل] – رحمه الله – على [تحرير الرقيق]، لعدم قيام [جهاد الطلب]، الذي يكون بسببه الرق. 

ومن المؤسف أنّ البعض يتصوّر أنه لا مكان البتة للرق، ولا لجهاد الطلب، وكأنّ الإسلام لم يَعُد صالحاً للعصر. وذلك ما يود إشاعته المستشرقون والعلمانيون.

 إنّ الإسلام صالحٌ لكلِّ زمان ومكان، ولكن لابد أن يحمله إلى الناس علماء عدول، يعرفون مقاصده، ويراعون مصالح الأُمّة. فالحكم دائماً يدور مع المصلحة حيث تدور. ودوران الحكم يتطلّب عَالِماً ربّانياً، يسعى جهده لاكتشاف المقاصد والمصالح، وإنزال الأحكام منازلها. 

 

يتبع … 

——————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. حسن بن فهد الهويمل

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*