الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » إشكالية الثورة والدولة.. “مصر نموذجاً”

إشكالية الثورة والدولة.. “مصر نموذجاً”

للثورة مبرّراتها، ومنطلقاتها، ودعائمها، ووسائلها، وفكرها، ومصادرها التمويلية الداخلية والخارجية، وأسلوبها القيادي الخاص، وشعاراتها الرنّانة والمخادعة.. المؤثرة على عامة الناس.. القادرة على تحريك الشارع وبسرعة غريبة وعجيبة، وقد لا تكون هذه الثورات وما يتبعها من أحداث، وما يترتّب عليها من نتائج في حسابات المنظّرين والسّاسة وصنّاع القرار داخل البلاد وخارجها، وربما لم تخطر على بالهم يوماً ما!!، والجماهير الغاضبة الثائرة هي غالباً وقود هذه الثورات ومن يصطلي بنارها ويذوق مرارتها ويتكبُّد خسائرها.. 

والدولة هي أيضاً لها رجالها، ومؤسساتها، وأدواتها، وفكرها المعلن والخفي، وقادتها، ونظامها المنبثق عن دستورها المعمول بها في القانون.. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا.. 

ترى على افتراض انتصار الثورة الجماهيرية الشعبية أو ما يسمّى في الفكر القومي العربي “الانقلاب الداخلي” في بلد ما، فهل بمقدورها مهما كانت ضخامتها وشمولها وتكاملها، هل بمقدور هذه الثورة بهذه المواصفات بناء دولة متكاملة، وترسيخ مؤسّسات الوضع الجديد من منظور الثورة التي صدرت عنها في فكرها ومعاييرها وطموحاتها؟ 

يذهب غالبية المنظّرين والمحللين السياسيين إلى أنّ الثورة مرحلة والدولة التي تتولّد عنها مرحلة جديدة، وليس جزماً أنّ الرجال هم الرجال في كلا المرحلتين، بل غالباً ما يحصد الزرع ويجني ثمرة الثوّار أُناس خارج منظومة الجماهير الثائرة الغاضبة على الواقع المعاش، إلاّ إذا كان للثورة قائد رمز منذ اندلاعها وحتى النهاية كما هو نيلسون مانديلا في جنوب أفريقيا والمهاتما غاندي في الهند، وربما كان هؤلاء المستفيدون في الظل حين كانت الثورة تشتعل والجماهير تقدم نفسها في سبيل الحرية، ومن أجل لقمة العيش، والوصول إلى الديمقراطية التي يعتقدون أنها العصا السحرية لحل مشاكلهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومع هذه القيادة الجديدة يعود سيل الأسئلة مرة أخرى.. 

ترى ما مدى قدرة الدولة ذات الميلاد الجديد في غطائها المؤسّسي الفضفاض على حماية طموحات الشعب الثائر وتلبية آماله والاحتفاظ بمبادئه؟، والتوقعات عند أهل الاختصاص والدراية: عجز قيادات الدولة المولودة حديثاً عن الحماية.. والتلبية.. والاحتفاظ.. والنتيجة الطبيعية إما انتهاء الثورة وذوبانها في النظام الجديد رغم عدم تحقق ما تريد، أو انعزالها عن الدولة في حال انحراف قادتها ومؤسّساتها عن الخط الذي ارتأته الجماهير الثائرة، في هذا الحال كما يقول “جواد علي كسار” تتحوّل الثورة إمّا إلى هامش لا قيمة له في الحياة الوطنية الجديدة، أو أنها تصبح فعلاً معارضاً يبشر أو يمهد على الأقل بثورة أخرى تثأر للثورة المغدورة – على حد تعبير “تروتسكي” المفكر الروسي المعروف –، لاسيما عندما يرتبط الأمر بالأهداف والطموحات العامة للثائرين. 

في الحالة المصرية الحالية ودون العودة إلى تحليل المرحلة السابقة منذ أول أيام الثورة وحتى هذا التاريخ، يمكن القول بأنّ الثورة اليوم تتجه إلى الانفصال عن الدولة، وليس بمقدور القادة الجدد تلبية رغبات الثوار المختلفة مهما حاولوا في البداية من طمأنتهم وإعطائهم الوعود الوردية الناجزة، والاحتمالان واردان “الانعزال والبقاء على هامش الأحداث السياسية المستقبلية، أو الاستمرار في المطالبة الجماهيرية بتلبية الاحتياجات والضروريات، بل والتحسينات الشعبية التي ليس من المنطق ولا العقل الوصول إلى تلبيتها في ظل الظرف المصري الحالي جزماً”، وهذا يرشح ميلاد ثورة جديدة ربما تأخذ صيغاً عديدة كالطائفية على سبيل المثال لا الحصر، وتتحرك بدعم وتوجيه خارجي من أجل إجهاض الثورة العاجزة عن تحقيق استحقاقاتها وانتظام حياة المجتمع المصري!. وإن استمرت سلسلة الأحداث الداخلية والتوترات الشعبية والاستقطاب والحشد الجماهيري وتداعياته وأيضاً تجاوزاته، فقد يصبح العسكر هو المرشح للعودة من جديد من أجل إخماد جذوة الفتنة الطائفية والتمرُّد الشعبي، كما حدث في سوريا يوماً ما. 

إنّ المشهد بكل أركانه يقتضي التروّي وتجاوز الانتماءات الضيقة والأهداف الخاصة، وتحسس خطوات الطريق بعيداً عن الاستعجال ودون تصفيد الذات داخل منظومة فكر “جماعة ما”، وعلى كل القوى السياسية داخل السلطة وخارجها استبدال الشعارات ودغدغة العواطف بشفافية ومصداقية، تؤكد للشارع عمق الفجوة بين الطموح والمعطيات، وبين الواقع والتداعيات، حتى يتمكن المجتمع من لملمة شعث الأوراق وعودة الحياة المنتجة والفاعلة من جديد، حفظ الله بلاد المسلمين وحقن دماءهم وحفظ أعراضهم، ووقانا جميعاً شرّ الفتن ما ظهر منها وما بطن .. وإلى لقاء والسلام. 

——————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.عثمان بن صالح العامر

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*