الأحد , 4 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حسن نصر الله «عتبان» على «القاعدة»!

حسن نصر الله «عتبان» على «القاعدة»!

كان حديث الأمين العام لحزب الله قبل أربعة أيامٍ شديد التوتر، إنما الأبرز فيه أنه شديد الغرابة. فقد أخبر الثوار السوريين أنهم لن ينتصروا وقال: إنه متأكدٌ من ذلك، وكرر تأكيداته عدة مرات. ولا ندري إن كان يطمْئن بذلك، نفسَه والإيرانيين أم بشار الأسد. وما كان ليتردد – كما قال – في استمرار دعم الأسد، لأنّ ما يواجهه هو مؤامرة أجنبية. ومع غرابة كلّ هذه الأقوال، يظلُّ الأشد غرابة في كلامه خطابه لـ«القاعدة»، وهو يزعم كما يزعم الأميركيون أنها تتدخل في سوريا من خلال جبهة النُصرة وكتائب أُخرى. فقد عاتبهم نصر الله على تدخلهم ضد الأسد، فتكون النتيجة أن يقتل بعضهم بعضا! فمن هم هؤلاء الذين يقتل بعضهم بعضا؟!

لقد بدأت القصة الأخيرة هذه قبل أسبوع عندما عقد نائب وزير الخارجية الروسي اجتماعا للدبلوماسيين الروس كالعادة كلَّ عام. وما كان من المفروض أن يخرج شيء من هذا الاجتماع إلى الإعلام، ولذلك قال المسؤول الروسي من دون تحرُّج إنّ الأسد يفقد السيطرة على الأرض، وقد يسقط قريبا، ولذلك يفكر الروس بإجلاء رعاياهم من سوريا! وهبّت نتيجة خروج هذا الكلام للإعلام عاصفة لم تهدأ بعد. فقد رحبت الجهات الغربية بإدراك موسكو أخيرا أنّ الأسد ذاهب. في حين أقبل الروس على القول إنهم لم يغيّروا موقفهم. لكنّ الجزع ساور الإيرانيين وحزب الله بالذات. فانصرف الإيرانيون للتهديد بحربٍ عالمية، وقال أحدهم إنّ «بشار» خالد(!).

 وإنّ إيران بذلت وستبذل الغالي والرخيص لحفظ حليفها مهما كلف الأمر. و«مهما كلف الأمر» هذه تعني عدة أشياء؛ فقد تعني إرسال عساكر إيرانيين (بلغ بهم أحدهم السبعين ألفا!)، وقد تعني إرسال المزيد من العراقيين واللبنانيين من حزب الله إلى سوريا للقتال مع الأسد حتى الرمق الأخير! إنما ما الذي يفيده ذلك بالنسبة لمستقبل العلاقات بين نصر الله والفرقاء السياسيين الآخرين في لبنان، وعلى الخصوص فريق المسلمين السنة؟

 وكيف سيستفيد نصر الله من هذا الموقف الانتحاري بالإصرار على البقاء إلى جانب الأسد حتى النهاية؟

 وكيف سيتعامل مع الثوار؟ 

أو لنقل كيف سيتعاملون هم معه بعد ذهاب الأسد بالنظر إلى ما تعامل به معهم خلال نحو العامين؟!

ومن حقّ نصر الله بالطبع العتب على «القاعدة»، وهذا حقّ الأسد أيضا! فمنذ ضرب الأميركيين لـ«القاعدة» بأفغانستان عام 2001-2002 تفرقوا شذر مذر، ووصلت منهم مجموعاتٌ إلى إيران، وبعد 2003 إلى سوريا. 

واستخدمت إيران الذين وصلوا إليها للتساوُم مع الأميركيين، ومع البلدان التي أتَوا منها أصلا. ومنذ عام 2004 بدأ إعداد «القاعديين» والجهاديين في سوريا وإرسالهم للعراق بحجة مكافحة الأميركيين. 

وقد تكون هؤلاء من ثلاثة عناصر أو أصول: عراقيين وسوريين، وجنسيات عربية أُخرى. وما اقتصرت البعثات الجهادية على إزعاج الأميركيين في العراق، بل شملت أعمالهم إثارة النزاع الطائفي فيه، وتنفيذ تفجيرات بالأردن لزعزعة الأمن فيه. 

ووقتَها أيضا، أي في حدود عام 2004-2005 جرى الاتفاق بين «القاعديين» وحزب الله (بواسطة إيرانية) على أن لا تكونَ لهم نشاطاتٌ على الحدود اللبنانية مع إسرائيل، باعتبار أنّ ذلك من اختصاص واحتكار حزب الله الذي يقوم بالجهاد بكفاءة على تلك الجبهة.

وعلى أثر مقتل الرئيس الحريري على أيدي السوريين والحزب عام 2005 وخروج الجيش السوري من لبنان، اعتبر الطرفان (وما يزالان) شمال لبنان وطرابلس بالذات بيئة للجهاد، لنشر السمْعة بالإرهاب، وتفرقة كلمة أهل السنة. وبالفعل فقد كوَّن الطرفان: آصف شوكت من المخابرات السورية، والقيادات الأمنية بالحزب، ما صار يُعرف بـ«فتح الإسلام»، وأكثر هؤلاء من عناصر فلسطينية، ومعهم قِلّة من اللبنانيين والعرب، وضباط سوريين للضبط والربط والقيادة. 

وقد تجمع أكثرهم أولا في مخيم برج البراجنة في ديار حزب الله، قبل أن يُرسَلوا إلى مخيم نهر البارد. وكانت الخطة ضَرْب قوى الأمن الداخلي بحيث تنسحب من المنطقة، ولا يتدخل الجيش بحجة الخوف من الانقسام (كما حصل عند احتلال بيروت عام 2008)، فتقوم «الإمارة الإسلامية» التي ظلُّوا حتى اندلاع القتال يبحثون عن لبناني لكي يضعوها تحت اسمه وليس تحت اسم شاكر العبسي!

وقبل أن تقرر الحكومة اللبنانية إدخال الجيش للقتال ضد الإرهاب السوري بخمسة أيام، أصدر حسن نصر الله «فتواه» باعتبار مخيم نهر البارد خطا أحمر، فأعرض أكثر الضباط الشيعة ومسيحيي عون عن المشاركة، ليقع عبءُ القتال على الضباط السنة وبعض المسيحيين، فتفشل خطة «الإمارة»، وينهار وضع آصف شوكت لدى نظام الأسد مؤقتا، وتتغير القيادات الأمنية العاملة في الشمال من الحزب! وفي العام نفسه (2007) يُقتل الزرقاوي في العراق، ويزداد عدد الشبان المساكين الضائعين والواقعين تحت تصرف إيران والنظام السوري وحزب الله.. وحتى الأميركيون، يستخدمونهم كيفما شاءوا في سائر ساحات «الجهاد» باستثناء إسرائيل من جبهة لبنان، والجنود الأميركيين بالعراق، الذين جرت معهم ترتيباتٌ أُخرى، بعد حرب عام 2006. والانتصار عليهم ما بين الباسيفيكي والأطلسي كما هو معروف!

يعتب الأمين العام لحزب الله على «القاعديين» والجهاديين لأنهم قرروا قبل عام، القتال في سوريا ضد نظام الأسد. وهو يقول لهم إنكم بمقاتلة الأسد إنما تقاتلون بعضكم بعضا، فالأطراف الثلاثة: النظام السوري، والإيراني-حزب الله، و«قاعدة» الظواهري (المقيم بإيران فيما يبدو)، متحالفة منذ عام 2002-2003 بحجة مصارعة الأميركيين، وإنما بالحقيقة – وبسبب الضعف الذي أصاب الجهاديين بسبب فقدهم لقواعدهم بأفغانستان وحاجتهم إلى الأمن بعد أن فقدوا الجغرافيا والملاذ الآمن – فإنهم يخدمون إيران (والنظام السوري) في كل مكانٍ بما في ذلك غزة وسيناء واليمن ولبنان والأردن وباكستان!

لقد تأثّر المحور الإيراني كثيرا بالتزعزُع الذي حصل لأنصارهم بغزة حيث انقسمت عليهم حماس، فانصرفوا للاستعانة بمخزون الجهاديين المنتشرين بين غزة وسيناء والسودان. وعاد نصر الله للتمدُّح بنزاهة إيران وأنها لا تريد غير الجهاد ومساعدة المجاهدين منذ ثلاثين عاما وفي كل مكان! إنما الذي أراه أنّ خالد مشعل (وربما إسماعيل هنية) والآخرين الذين يريدون الدولة الفلسطينية المستقلة والمصالحة مع إخوانهم بالفعل، هم الآن في خطرٍ شديدٍ، لأنّ إيران لا تقبل أن تنتهي بضاعتُها في فلسطين هكذا وبهذه السهولة بعد الاستثمار الطويل!

بيد أنّ الأصعب على إيران ونصر الله حقا وصدقا هو سقوط النظام السوري، وتزعْزُع السيطرة على لبنان. ولذا يهدّد الإيرانيون بإرسال جيشهم للقتال بسوريا بعد أن خذلهم المالكي، وما استطاع إرسال المزيد لمقاتلة السوريين. فسقوط الأسد يعني سقوط المحور الذي بَنَوهُ، ووجَّهوا من خلاله مصالحهم ورسائلهم إلى جميع أنحاء العالم، بما في ذلك تجارة المخدرات وغسل الأموال بين كولومبيا وأفريقيا ولبنان! ولهذا فإنّ الذي أراه أنّ أفلامهم في سوريا ولبنان ما انتهت بعد. وأحسب أنهم – بخلاف ما اعتقدنا من قبل – سيدخلون في عمليات التقسيم الطائفي أو محاولاته بين اللاذقية والهرمل. فهم لم يروا مانعا من قبل في إنشاء إمارة إسلامية بشمال لبنان. وهم يقيمون تنظيمات طائفية مسلّحة في كل مكانٍ قدروا عليه في ديار العرب.

لا يستطيع الأقلويون والانشقاقيون أن ينهضوا بمشروع الأُمة وقضاياها، وإن حملوا الرايات لذلك، وسواء أكانوا من «القاعدة» أم من حزب الله أم من الجهاديين أم الإباديين. وكما عتب نصر الله على «القاعديين» الذين تخلَّوا عن الأسد عندما تسلّم الشعب السوري الزمام، سيعتب على الحماسيين وربما على تنظيم الجهاد الإسلامي، لأنهم آثروا الانضمام لشعبهم على التقلب على أشواك إيران وجمرها وحرائقها.

 

www.ridwanalsayyid.com

——————–

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- رضوان االسيد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*