الثلاثاء , 6 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حتى لا تتكرر مأساة ساندي هوك

حتى لا تتكرر مأساة ساندي هوك

في الرابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2012، فتح مسلّح النار في مدرسة ابتدائية، بولاية كونيتيكت الأميركية، فقتل 26 شخصاً، بينهم 20 طفلاً، تراوحت أعمارهم بين ست وسبع سنوات.

وقبل توجهه لتنفيذ هذه الجريمة، قتل المسلح والدته في المنزل، وقد كانت معلمة سابقة في المدرسة التي استهدفها. والتي تحمل اسم ساندي هوك، وتقع في مدينة نيوتاون بولاية كونيتيكت. وقد استخدم الجاني في جريمته بندقية رشاش نصف آلي، ومسدسين شخصيين. وانتحر بعد جريمته في المكان ذاته.

دعا عمدة مدينة نيويورك، مايكل بلومبرغ، الرئيس الأميركي إلى اتخاذ إجراءات حاسمة للحد من إمكانية حصول الأشخاص على أسلحة هجومية في الولايات المتحدة

ولاحقاً أعلن سكان مدينة نيوتاون تشكيل مجموعة ضغط، تحت اسم “نيوتاون المتحدة”، تستهدف تحويل المأساة إلى ضغوط سياسية لمواجهة ثقافة العنف والبندقية.

ويقول خبراء أمن أميركيون إن الأحياء التي تتواجد فيها مدارس قد أنفقت ملايين الدولارات على أجهزة رصد المعادن وكاميرات المراقبة، ووضعت خططا واضحة لرد الفعل في حالات الطوارئ. وقد جرى ذلك منذ مذبحة العام 1999 في مدرسة كولومبين الثانوية بولاية كولورادو، حيث قتل طالب 12 من زملائه وأحد المدرسين.

وعلى الرغم من ذلك، يقر الجميع بأن الإجراءات غير كافية لمنع الحوادث المشابهة.

ولا تحتل قضية فرض قيود على حمل السلاح أولوية كبيرة لدى معظم الساسة الأميركيين، بسبب التأييد الواسع لحمل السلاح في الولايات المتحدة، ونفوذ الرابطة الوطنية للبنادق، التي يدافع عنها معظم قادة الحزب الجمهوري، الذين يرون أن أية قيود محتملة على حمل السلاح من شأنها أن تنتهك هذا الحق المثبت في الدستور الأميركي.

وقد تكررت حوادث إطلاق النار في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، وكان من أبرزها تلك التي جرت في نيسان /أبريل من العام 1999، حين هاجم مراهقان مسلحان مدرسة ثانوية في ليتل تاون، بولاية كولورادو، وأطلقا النار على 13 تلميذاً ومدرساً، قبل أن ينتحرا.

وفي تموز/ يوليو من العام ذاته، قتل مسلح تسعة أشخاص في شركة سمسرة بأطلنطا، بعد أن قتل زوجته وطفليه، ثم انتحر بعد ذلك بخمس ساعات. وفي 16 نيسان/ أبريل 2007، قتل مسلح 32 شخصاً بجامعة التكنولوجيا بفرجينيا قبل أن ينتحر. وفي 20 تموز/ يوليو 2012، قتل مسلح ملثم 12 شخصاً، وأصاب 58 عندما أطلق النار على جمهور سينما في أورورا بدينفر.

ووفقاً للتقارير المحلية، يحمل نحو 90 مليون شخص في الولايات المتحدة ما يقدر بنحو مائتي مليون بندقية. ويبلغ معدل الوفيات بالبنادق فيها نحو 80 شخصاً يومياً، 34 منهم نتيجة القتل المتعمد.

وفي 29 حزيران/ يونيو 2010، مددت المحكمة العليا الأميركية نطاق الحق في حمل البنادق في كل الولايات والمدن الأميركية، في قرار ألغى الحظر المفروض على حمل المسدسات في شيكاغو منذ 28 عاماً.

وكانت المحكمة قد اتخذت هذا القرار في العام 2008، ونص على أن من حق الأفراد الأميركيين امتلاك بنادق في كل المدن والولايات، وذلك لأول مرة.

وكان حق حمل الأسلحة – وفقا للتعديل الثاني في الدستور الأميركي – يجري تطبيقه في السابق على القوانين الاتحادية والجيوب الفيدرالية، مثل واشنطن العاصمة.

وفي السابع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2012، أفادت نتائج استطلاع أجرته رويترز/إيبسوس أن نسبة الأميركيين الذين يؤيدون فرض قوانين صارمة على حيازة السلاح قد ارتفعت بشدة بعد حادث إطلاق النار في مدرسة ساندي هوك. وأن 50% ممن نجوا من حوادث إطلاق نار يوافقون على “ضرورة وجود قواعد أو قيود صارمة تحكم حيازة السلاح”. وكانت نسبة الموافقين قبل الحادث الأخير 42%.

وأظهر الاستطلاع أن نسبة الأميركيين الذين أيدوا بشدة “قوانين تتطلب التحري عن الخلفيات قبل السماح ببيع السلاح الناري” قد ارتفعت سبع نقاط من 77% قبل الحادث إلى 84% بعده.

وفي الثامن عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2012، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس باراك أوباما سوف يؤيد اقتراح القانون الذي تقدمت به السيناتور الديمقراطية البارزة، دايان فاينشتاين، بهدف حظر بيع ونقل وتصنيع واستيراد مائة نوع من الأسلحة.

وكانت السيناتور التي  صاغت الحظر الأصلي على الأسلحة الهجومية في العام 1994، الذي انتهى سريانه عام 2004 دون تجديد، قد قالت إنها تعتزم طرح مسودة قانون يحظر الأسلحة الرشاشة أمام الكونغرس الجديد، الذي سينعقد في كانون الثاني/ يناير 2013.

ويشمل اقتراح فاينشتاين البنادق والمسدسات نصف الآلية، إضافة إلى المماشط التي تحوي أكثر من عشر رصاصات.

وتتطلب المصادقة على مشروع فاينشتاين تأييد الجمهوريين الذين يسيطرون على مجلس النواب، والديمقراطيين الذين يسيطرون على مجلس الشيوخ.

من ناحيته، دعا عمدة مدينة نيويورك، مايكل بلومبرغ، الرئيس الأميركي إلى اتخاذ إجراءات حاسمة للحد من إمكانية حصول الأشخاص على أسلحة هجومية في الولايات المتحدة.

وقال بلومبرغ: “لقد حان الوقت لكي يواجه الرئيس هذه القضية، ويقود البلاد لوضع حد لانتشار الأسلحة”.

في المقابل، قال حاكم ولاية تكساس، ريك بيري، إنه يعارض أي رد فعل غير محسوب، فيما يرتبط بتقييد حمل الأسلحة في الولايات المتحدة.

أما حاكم ولاية فرجينيا، بوب ماكدونيل، فقال إنه حذر حيال أية تغييرات منظمة في قوانين حمل السلاح. وقال: كثير من الناس لا زالوا مصدومين، مثلي. أنا أعرف بأن هناك ردات فعل غير محسوبة حيال هذه التطوّرات. يجب أن نناقش الأمر .. لماذا لا تكون هناك قدرة على وقف شخص مسلّح من دخول المدرسة؟. وعلى الرغم من ذلك – يضيف ماكدونيل – أنا لا أدعو لوضع حراس مسلحين على أبواب المدارس.

من جهته، كتب إيلي ويزل، أحد الناجين من المحرقة، والحائز على جائزة نوبل للسلام عام 1986، مقالاً قال فيه: إن عملية القتل التي جرت للأطفال في ولاية كونيتيكت يجب أن تدفع أميركا لمواجهة إخفاقها، عندما يتعلق الأمر بقبول ثقافة العنف.

وكتب ويزل متسائلاً: “إذا كانت هذه المأساة لا تقود إلى مراقبة عالمية على الأسلحة النارية، فما الذي يُمكن أن يقود إلى ذلك، وماذا نحتاج من أهوال لمنع مثل هذه المأساة”؟

وبموازاة النقاش الدائر حالياً في الولايات المتحدة، فرضت قضية الأسلحة الصغيرة والخفيفة نفسها كمشكلة عالمية النطاق، يذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء، فمع كل دقيقة تمر، يقتل إنسان من جراء العنف المستند إلى السلاح – كما تشير التقارير الدولية -.

وبحسب هذه التقارير، توجد نحو 60% من الأسلحة الصغيرة بحوزة المدنيين حول العالم. وأن ما بين 80% إلى 90% من الأسلحة الصغيرة يبدأ تداولها من خلال العمليات التجارية، المرخصة من قبل حكومات الدول المختلفة.

وكانت هناك 650 مليون قطعة سلاح صغيرة في أيدي المدنيين حول العالم عام 2007. ويعني هذا الرقم وجود قطعة سلاح صغير لكل عشرة أشخاص من سكان المعمورة.

وما يزيد من تفاقم المشكلة أن الأسلحة الصغيرة والخفيفة يُمكن أن تظل قيد الاستخدام لمدة تصل إلى 40 عاماً أو أكثر، عبر قدر محدود من الصيانة.

ووفقاً للتقارير الدولية، فإنه يتم سنوياً إنتاج ثمانية ملايين قطعة سلاح صغير، و16 مليار وحدة ذخيرة.

وأظهر “مسح الأسلحة الصغيرة”، الذي نشرت نتائجه في آب /أغسطس 2012، أن حجم التجارة المرخصة في هذه الأسلحة تضاعف إلى أكثر من المثلين على مدى الأعوام الستة الماضية، ليصل إلي 8.5 مليارات دولار سنوياً في الوقت الراهن.

وحسب تعريف الأمم المتحدة، فإن مصطلح “الأسلحة الصغيرة” يُشير بصورة أساسية إلى البنادق والمدافع الرشاشة، والقنابل اليدوية، وغيرها من الأسلحة المعدة للاستخدام العسكري من قبل المقاتلين الأفراد.

أما الأسلحة الخفيفة، فهي أسلحة قابلة للحمل، مصممة للاستخدام من قبل عدة أشخاص يقومون بالخدمة كطاقم واحد، مثل المدافع الرشاشة الثقيلة، وقاذفات القنابل اليدوية المنصوبة، والأسلحة الصاروخية المحمولة المضادة للطائرات، والأسلحة النارية المحمولة المضادة للدبابات، والقاذفات المحمولة للصواريخ المضادة للدبابات، ومدافع الهاون. وكذلك الألغام المضادة للأفراد أو الدبابات.

وعلى الرغم من المراوحة الواسعة لهذا التصنيف، فإن المشكلة الرئيسية تدور، بصفة أساسية، حول المسدسات والبنادق الشخصية الموجودة بحوزة المدنيين، بما في ذلك الرشاشات نصف الآلية.

كذلك، جرى في السنوات الأخيرة تزويد العديد من الأسلحة الفردية الصغيرة بكواتم للصوت، ومناظير مكبرة، لزيادة دقة التصويب من مسافات بعيدة. كما زود بعض هذه الأسلحة بأشعة الليزر، لاستخدامها في عمليات القتل غير المرئية.

وأياً تكن السياقات، فإن المطلوب اليوم هو جهد دولي منسق لمواجهة الخطر القائم، وحماية حياة المدنيين. ويجب أن تكون جريمة مدرسة ساندي هوك المروّعة عامل استنهاض لجميع القوى الحية في هذا العالم..

—————-

نقلاً عن الرياض

-- عبدالجليل زيد المرهون

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*