الجمعة , 2 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » حقيقة الشورى في الإسلام (1)

حقيقة الشورى في الإسلام (1)

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله، فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد ألا اله الا الله وحده لا شريك له، وأشهد ان محمداً عبده ورسوله.

أما بعد، فان أصدق الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وبعد:

حديثي معكم هو «حقيقة الشورى في الاسلام»، فنحمد الله الذي هدانا لهذا الدين وأكرمنا به، فنسأله تعالى الثبات عليه حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.

ثم ان جهل كثير من المسلمين حقيقة دينهم، وخصائص اسلامهم، وسعة شريعتهم، وسماحتها، وصلاحها دائماً وأبداً، وأنها انما أنزلت للبقاء ما بقيت الدنيا، وأنها ليست بتصورات بشرية، ولا نظريات، ولكنها تنزيل من رب العالمين، وقد جاء بها الرسول الأمين، عليه من ربه أفضل الصلاة وأزكى التسليم.

ان جهل كثير من المسلمين لهذه الحقائق من دينهم، جعلهم لقمة سائغة لكثير من الاتجاهات الفكرية، وكثير من الحركات المستحدثة -التي قد تطلق على نفسها أحياناً الحركات الاسلامية، لتروج وتقبل لدى السذَّج من الناس-، ولقمة سائغة للمذاهب المادية، التي غزت العالم الاسلامي، فاجتالت كثيراً من المسلمين، من المذاهب الغربية والشرقية، واستولت على كثير من الكتاب المستحدثين، وخاصة في المجال الدستوري والاقتصادي، فرأينا منهم من يقدِّس الغرب، ومنهم من يقدِّس الشرق، كما لعبت الأفكار العقلانية الملحدة والماسونية العالمية الخفية دورها في صفوف شبابنا، حتى شوَّشت عليهم، ونتج من ذلك كله ان زلَّ كثير من الكتاب وبعض المثقفين المنتمين الى العلم زلة ارتبك بسببها كثير من المثقفين، وقد قيل قديماً: «زلة العالِم زلَّة العالَم».

ومن زلَّات هؤلاء المثقَّفين:

– تفسير بعضهم الشورى في الاسلام بالديموقراطية الغربية، أو بالبرلمان الغربي، أو مجلس الشعب: تخبُّطات تنبئ عن الجهل، وسوف نفصِّل القول في هذه النقطة ان شاء الله تعالى.

ومن زلاتهم:

– زعمهم -أو زعم بعضهم- ان الاسلام لا يقرُّ نظام الطبقيَّات المتفاوتة، بل يدعو الى القضاء على الطبقيَّة، والى توزيع الثروات بين الناس، حتى لا يكون هناك تفاوت بين الناس في أرزاقهم، فيعدُّون التفاوت في الأرزاق ظلماً، ولا تكون هناك -في زعمهم- طبقة غنيّة مع وجود مسكين ذي متربة، حتى قال قائلهم: «ان الاسلام صيحة في وجه الطبقيّة».

هكذا زعموا، وهكذا ألصقوا بالاسلام ما ليس منه، جهلاً منهم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

وسوف نتحدث عن هاتين النقطتين حديثاً نحاول فيه بيان براءة الاسلام من هاتين التهمتين:

أ – اتهامه بأنه نظام ديموقراطي.

ب – واتهامه بأنه صيحة في وجه الطبقيَّة.

فلنبدأ بالأولى منهما، مستعينين بالله وحده:

 الإسلام والأنظمة البشرية الوضعية:

ان الحاكمية في الاسلام لله وحده، وهذا ما يؤمن به كل مسلم واعٍ لم تتغيّر فطرته بالأفكار الغربية أو الشرقية، لأن توحيد الحاكمية هو توحيد التشريع نفسه، وهو نوع من توحيد العبادة، فلا عبادة الا لله، اذن: فلا حاكمية الا لله وحده، لا لفرد، أو حزب، أو شعب.

ومن يمعن النظر في واقع الأمم اليوم، يدرك دون شك ان معظم الويلات التي تعيشها الشعوب -أو أكثرها- مرجعها الى اخضاع الحاكمية لتشريع بشري زمني، واعتقاد صحة سلطة تشريعية بشرية، مهما اختلفت ألقابها.

فالديموقراطيون مثلاً يجعلون الحاكمية للشعب، ويزعمون ان الشعب الناضج هو مصدر السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، منه واليه يعود كل أمر من أمور التشريع، ويرون ان ذلك هو العدالة، لأن المجتمع صار يحكم نفسه بنفسه، وهي العدالة التي يتغنَّى بها عشاق الغرب أو المؤمنون بهم.

وأما النظام الشيوعي، فإنه يرى العدالة في حاكمية الحزب الحاكم، الذي بيده – أو يحب ان يكون بيده- زمام السلطة التشريعية، وعلى جميع الناس – أفراداً وجماعات- ان يخضعوا لما يفرضه عليهم هذا الحزب الحاكم المتسلط، بصرف النظر عن وجود الحزب المعارض أو عدم وجوده، لأنه الحزب المختار المتميّز، وهو الذي يسنُّ القوانين ويقدِّر العقوبات ويشرِّع التشريعات المختلفة، اذ لا معقّب لحكمه، ويصدق على تصرُّف لهذا الحزب وصلاحيته الواسعة قول القائل:

إذا قالتْ حَذَامِ فَصَدِّقوها  ****فإنَّ القَوْلَ ما قَاَلتْ حَذامِ

وأما النظام الديكتاتوري الفردي، وهو النظام العسكري في الغالب، فالحاكمية فيه لذلك الضابط المتسلط مع مجموعة من زملائه، هم يشرعون كما يشاؤون، حسب ما تملي لهم أهواؤهم في نوع من قمع واستفزاز، مع ما لديهم من جهل بالنظم العامة، والقوانين العالمية، ولكنهم يحكمون بقوة السلاح.

فأصحاب هذه النظم الجاهلية يعدُّون في الحكم الاسلامي أو في المنهج الاسلامي أرباباً من دون الله، وهم المعبودون لشعوبهم وأتباعهم، أدركوا ذلك أو لم يدركوا، وذلك كله كفرٌ بالله وبدينه، أي: ان النظم الديموقراطية والحزبية الشيوعية والديكتاتورية العسكرية القمعية ليست من الاسلام في شيء، بل هي كفرٌ بدين الله.

وأما المنهج الاسلامي، فالحاكمية فيها انما هي لله وحده، وهو سبحانه خالق لهذا الكون وحده ومالكه، وهو العليم الخبير، مدبر شؤون عباده، الحكم العدل، وهو الصمد الذي يصمد اليه كل شيء، السيد الكامل في سؤدده، الغني الكامل في غناه، بيده مقاليد السماوات والأرض، فلا يجوز ان يعتقد وجود العدل الا في حكمه سبحانه، أعني: العدل الكامل، لأن المخلوق ناقص، بل النقص والفقر والعجز والظلم صفات ذاتية في المخلوق: {انَّ الْانْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)} (ابراهيم)، فأنى يقع منه العدل الكامل مع اجتماع تلك الصفات اللازمة له؟!

وقد يكمل الله بعض عباده – كالأنبياء- الكمال النسبي، فيحصل منه العدل الكامل، الكمال النسبي أيضاً، وأما الكمال المطلق من كل وجه، فانما هو لله وحده.

وبعد: هذا ما يقرره قرآن الاسلام، وهو الذي يجب ان يكون دستور المسلمين، ومنظم حياتهم، ومصدر أحكامهم وحده:

يقول الله عزَّ من قائل: {انِ الْحُكْمُ الَّا لِلَّهِ} (الأنعام: 57).

ويقول سبحانه: {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ الَى اللَّهِ} (الشورى: 10).

ويقول سبحانه: {انَّا أَنْزَلْنَا الَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} (النساء: 105).

ويقول سبحانه: {قُلْ ان الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} (آل عمران: 154).

ويقول عز وجل: {فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (12)} (غافر).

ويقول أيضاً: {وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)} (الأعراف).

ويقول تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)} (المائدة).

هذا هو المنهج الاسلامي، يحتِّم إفراد الله تعالى بالحاكمية والعبادة، كما انفرد سبحانه بالربوبية، فتنحصر العدالة في شرع الله وحده، دون ما سواه من النظم التشريعية البشرية، فيكون الاسلام منهجاً متميزاً في خصائصه، فلا شيء ينافسه ألبتة، لأنه منهج رباني منزَّل غير وضعي، فلا يُتَّهم بمحاباة أو تمييز أو تحكم أو سطوة أو نقص أو عيب، وجميع عباد الله أمام شرعه العادل سواء.

ولنسمع مرة أخرى قول الله عزَّ وجلَّ: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50)} (المائدة).

وقوله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ ان اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)} (المائدة).

فهذه العدالة التي تحدث عنها القرآن بإسهاب -كما رأيتم- تجسدها قصة المرأة المخزومية المشهورة التي سرقت وعظم أمرها عند قومها لما لها من شرف عظيم عندهم، فأرادوا اسقاط الحدِّ عنها، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله يضع عنها الحكم؟! فلم يجدوا من يجرؤ على ذلك الا أسامة بن زيد حِبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولمَّا كلَّم أسامة رسول الله عليه الصلاة والسلام، كان الجواب خلاف المتوقع، اذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غاضب: «أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله يا أسامة؟!».

غضبٌ شديد من رسول كريم حليم لا يغضب الا لله، واستفهام انكاري شديد اللهجة ومثير، أوقع أسامة في حيرة من أمره وفي ندم شديد، ثم تبع ذلك ان خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس، فقال: «يا أيُّها الناس! انما هلكَ من كان قبلكم أنَّهم كانوا اذا سرق فيهم الشريف تركوه، واذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايمُ الله، لو ان فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها» [أخرجه الامام أحمد في مسنده (162/6)، والبخاري في صحيحه (رقم: 3475 و3732 و4304 و6887 و6888)، ومسلم في صحيحه (1315/4 و1316)، وأبوداود (537/4 و538)، والترمذي (37/4 و38)، والنسائي (75-72/8)، وابن ماجه (851/2 رقم 2547)، وغيرهم، من حديث عائشة رضي الله عنها].

وهذه القصة نموذج حيٌّ لمن يريد ان يتصوَّر معنى العدالة في الاسلام… وأنَّى لتلك المصطلحات البشرية -شرقية أو غربية- ما يقرب من هذه العدالة الاسلامية؟! بل من الظلم -وهو وضع الشيء في غير موضعه- تسمية الديموقراطية الغربية عدالة!

يتبع

—————————

نقلاً عن صحيفة الوطن الكويتية

-- الشيخ الدكتور محمد أمان بن علي الجامي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*