السبت , 10 ديسمبر 2016

علّمتني الإنترنت..

أن المنسجمين مع ذواتهم ومجتمعاتهم متصالحون مع كل شيء جميل حولهم. تراهم على صفحات الشبكة “أحرارا” يكتبون، “أبرارا” يوصون في فضاء حرّ لا رقيب عندهم على بضاعة الكلام سوى “رأس الحكمة” بضمير حي ومبدأ أصيل. وتعلّمت من الإنترنت أن الحريّة مثل عصفور جميل لا يفرّ إلا من يد الغلاظ القساة باحثا عن غصن أخضر وقلب عطوف. ومما علّمتني الإنترنت أن “المعلومة” كنز وأن إساءة توظيفها مقايضة بين متعهدي الشقاق ومستهجن الأخلاق. وتعلّمت من هذه الشبكة فضيلة “الخبر” الصادق وعفّة “الرأي” الحاذق، ورأيت في أزقة الشبكة المظلمة بعض من يمتهن تلويث “الجدران” الإلكترونية بالشائعات والسباب والتناحر.

علّمتني الإنترنت جمال الحياة على شطآن الحضارات، وتعلّمت على سواحل بحرها فنون صيد الثمين من كنوزها. ورأيتُ في مستنقعاتها خائضين في الوحل وغائصين في طين القطيعة مع كل صلاح واستقامة. وعلى الإنترنت وحدها رأيت كيف حضر المنسيّون، وارتقى المهمّشون، وأدركت معها إمكانيّة مواساة المغبون، وترشيد المفتون. وأيقنت وأنا أشمّ الورد في حدائق الإنترنت أن الطيّبين للطيّبات وأن من بين خلق الله من اصطفاهم القدير بعلمٍ وحلمٍ لبثّ السكينة ودفن الضغينة حتى لا تُخرق السفينة.

ومما رأيت على شاشة الانترنت بعض عيوبي التي أثقلت “جنوبي”، ونزف قلمي ببعض ألمي وندمي، وعلمت حينها كم هم محظوظون من كانت الشاشة عندهم منصّة بيضاء للصفح والتسامح، ومنبرا وضاء لصوت العقل في أوجّ اكتماله. وكم قالت وقالت لي منابر الإنترنت ان الحريّة أعز دواء وأن إساءة توجيهها أعظم داء. نعم وحدهم الصادقون واثقون هكذا علّمتني الإنترنت، ومما علّمتني شبكة المعلومات أن الرذيلة قرار شِرار، والفضيلة خيار أخيار، وأن الحق الأبلج لا ينصره كذب لجلج.

ومما تعلّمت من الإنترنت أن من استطعم الغيبة لا يُستر عيبه، ومن استلذّ البهتان هو في هوان. وتعلّمت أيضا على شبكة الإنترنت أن بعض مرضى النفوس لا تُعلمهم الدروس، وتعلّمت منها أن مناجزة “الصغار” “عار” فإن تكلّمت تألمت، وإن صبرت كبرت.

علّمتني الإنترنت أن لكل “رأس” ثمنا في هذا الزمن، ومما تعلّمت أن بعض بريق “الشعارات” استعارات تختفي وراءها عيارات التيّارات. ومما تعلّمت أن لكل باطل أنصارا، ولكل إفك أصهارا، يتناوبون على الجراح في الغدو والرواح. ومما تعلّمت من الإنترنت أن من بين ناثري الغبار ومنتقصي الأطهار “قرينا” حاسدا أو قريبا “فاسدا” وأشقاهم من يتنسّك سحابة النهار ثم يسري لنهش الأعراض في الأسحار.

علّمتني الإنترنت أن النفس الأمّارة تشتهي وترغب، وأن النفس اللوّامة تشتكي وترهب فعرفت أن مغلاق اللذات انتصار على حظوظ الذات.

** مسارات:

قال ومضى: علمتني الإنترنت أن من يكتب (في سواد الليل) من وراء (الأقنعة) لا يسمع في (ضوء النهار) صوتا (يقنعه).

————–

نقلاً عن الرياض

-- د. فايز بن عبدالله الشهري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*