السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » مصر.. معارك أخرى في الطريق

مصر.. معارك أخرى في الطريق

انتهى الاستفتاء بمرحلتيه، فهل انتهت أزمة مصر؟ الجواب قطعا لا، فالأزمة باقية إن لم تكن قد ازدادت تعقيدا، لأن إجراء الاستفتاء في ظل هذه الأجواء لا يعطيه الشرعية المطلوبة، ولا يحقق له التوافق الذي يفترض توافره لكي يصبح وثيقة جامعة، معبرة عن آمال وتطلعات كل المصريين بمختلف انتماءاتهم السياسية والفكرية والدينية، وفئاتهم الاجتماعية.. وثيقة يشعر الجميع بأنها تحقق لهم حكم المؤسسات، وتحفظ حقوقهم، وتصون حرياتهم، من دون تمييز أو استثناء.

قد يقول قائل إن الرئيس مرسي كان في حاجة إلى أن يفرغ من مشروع الدستور، لكي تُستكمل عملية البناء الديمقراطي، ولكي تتفرغ مصر لمعركة الاستقرار والأمن والاقتصاد. يضاف إلى ذلك أنه وعد على لسان نائبه (المستقيل حاليا) محمود مكي بأن ينظر في أمر المواد المختلف عليها في الدستور لتعديلها من قبل السلطة التشريعية بعد الانتخابات المقبلة. لكن هذا المنطق يبدو كمن يرى أساس بنايته غير سليم، لكنه، مدفوعا بالجشع وحسابات الربح السريع، يصر على استكمال البناية على أمل إدخال ترميمات عليها لاحقا، مخاطرا بأن العمارة قد تنهار، لأنها تقف على أساس ضعيف. فإذا كانت هناك قناعة بأن الدستور الجديد سيحتاج إلى تعديلات لماذا الاستعجال في تمريره؟ ولماذا لم يتم الانتظار حتى يحدث توافق على المواد المختلف عليها قبل عرضه على الاستفتاء، بحيث يصوت الناس على وثيقة متكاملة لا تحتاج إلى ترقيع أو تعديل بعد أشهر قليلة من إنجازها؟ الدستور هو البناء الهندسي لحكم المؤسسات، والمحدد لصلاحياتها وتوازناتها، وهو الضامن للحقوق والحريات، وأي اختلالات فيه ستعني إخلالا بأسس بنيان الدولة. وإذا كانت الحكومات تتغير، فإن الدستور ينبغي أن يكون وثيقة لا تتأثر بهذا التغير ولا بتقلب الأحزاب على السلطة كل 4 أو 5 سنوات، لا سيما في الدول الديمقراطية التي يكون الدستور فيها ضامنا لعدم تغول الأحزاب على السلطة، أو تجاوز الحكومات لصلاحياتها، أو تعديها على السلطات الأخرى، أو على الحريات والحقوق المكفولة للناس.

في كل الأحوال، فإن الأجواء المتوترة والمشحونة التي أجري فيها الاستفتاء، وفقدان التوافق على الدستور، واتهامات التزوير والتلاعب، وغياب أكثر من ثلثي الشعب المصري عن التصويت، تعني أن وثيقة الدستور لا تعبر عن الغالبية ولا تحظى بالشرعية المطلوبة. واستمرار أجواء الأزمة والانقسامات والمواجهة، يعني أن مصر أبعد ما تكون عن أجواء الاستقرار المطلوبة لتأسيس البناء الديمقراطي السليم، وإجراء الانتخابات البرلمانية في أجواء صحية وصحيحة، أو لإنقاذ الاقتصاد المصري من الكارثة المحدقة، وهذا هو المهم والأخطر في الأسابيع والأشهر القليلة المقبلة. فهناك الكثير من المؤشرات على أن الوضع المالي والاقتصادي المصري دخل مرحلة حرجة جدا، أو في «خطورة عالية»، مثلما أقر رئيس الوزراء هشام قنديل في تصريحات أدلى بها قبل أيام. العجز في الموازنة ارتفع بشدة، والدين الداخلي يتراكم بسرعة قياسية بسبب ضعف التمويل، بينما قيمة الجنيه تتراجع، مما سيؤدي إلى ارتفاع في أسعار كل السلع المستوردة.

هذا الوضع الكارثي لم يكن غائبا عن الرئيس مرسي ولا عن «الإخوان»، عندما اختاروا خوض معركة الدستور بدلا من تأجيلها، وتقديم خيار التوافق والاستقرار على المصالح والحسابات الحزبية. والدليل على ذلك أن مرسي لكي لا يثير المزيد من الغضب الشعبي قبل الاستفتاء تراجع عن القرارات الاقتصادية التي أصدرها، وبمقتضاها كانت أسعار كثير من السلع الأساسية ستشهد ارتفاعا كبيرا. كما أن الحكومة طلبت من صندوق النقد الدولي تأجيل المفاوضات حول قرض عاجل بقيمة 4 مليارات و800 مليون دولار، لأن شروط القرض كانت ستعني فرض إجراءات اقتصادية تصحيحية و«تقشفية» بالضرورة، من شأنها زيادة الأعباء المعيشية على غالبية المصريين. لكن تأجيل القرارات الصعبة لم يكن سوى مناورة وقتية لتمرير الاستفتاء، وهي مناورة ربما أدت إلى أن يدخل الاقتصاد المصري مرحلة أكثر حرجا، لأن تأجيل العلاج لا يعني إلا تدهور حالة المريض.

الاقتصاد سيكون أكبر معارك الفترة المقبلة، لكنه ليس المعركة الوحيدة التي ستواجه مصر، فهناك معارك أخرى تلوح بوادرها وتجمع لها الأطراف المعنية قواها. القضاء والإعلام سيكونان على رأس القائمة بعد أن فتح «الإخوان» وحلفاؤهم من الجماعات الإسلامية الأخرى النار عليهما، ملوحين بعصا «التطهير» واتهامات التآمر على «الشرعية»، وكأن الشرعية أمر يخص الرئيس وحده، وليس المؤسسات الأخرى التي يفترض أن تكون مصونة بالدستور، خصوصا القضاء الذي يفترض أن يكون محصنا من ضغوط السياسيين، ويصون حرية التعبير والإعلام. وهناك الكثير من تصريحات قيادات «الإخوان» والسلفيين التي تكشف عن نياتهم المبيتة إزاء القضاء والإعلام بهدف إخضاعهما. آخر هذه التصريحات ما جاء على لسان القيادي السلفي الدكتور ياسر برهامي، الذي كان يتحدث في ندوة عن الدستور الجديد قال خلالها بالحرف: «إن المحكمة الدستورية لازم تنظف بأي طريقة كانت». الرجل عرج أيضا على الأزهر ليكشف عن مخطط للسيطرة عليه ومناورات تجري لتمرير قانون يسمح بعزل شيخ الأزهر بعد أن فشلت محاولات الإسلاميين لوضع مادة في الدستور تمكّنهم من ذلك.

في هذه الأجواء المتوترة يفترض أن ينظر مجلس الشورى الحالي الذي أنيطت به سلطة التشريع في إقرار القوانين التي ستنظم على أساسها الانتخابات البرلمانية المقبلة، بما في ذلك قانون مباشرة الحقوق السياسية وتعديل دوائر انتخابية، وهي مسائل قد تشعل معارك أخرى، لا سيما أن المجلس يسيطر عليه «الإخوان» وحلفاؤهم، كما أن هناك من يشكك في شرعيته أصلا، لأنه انتخب بذات الطريقة التي أدت لقرار حل مجلس الشعب، كما أن انتخابه تم بـ6 في المائة فقط من مجموع أصوات الناخبين.

مصر مقبلة على معارك كبيرة ستزيد من معاناتها وانقساماتها، إلا إذا حدثت معجزة تجمع كل الأطراف حول طاولة لحوار جاد ينقذ البلد من الطريق الكارثي الذي يدفع إليه.

المصدر : الشرق الأوسط

-- عثمان ميرغني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*