الإثنين , 5 ديسمبر 2016

تحليل الكذب

من الصفات الذميمة في الإنسان صفة الكذب؛ والكذب كما عرفه أهل العلم: هو الإخبار بالشيء على خلاف الواقع سواء كان عمداً أو خطأ، وهو من الأخلاق السافلة المتفق عليها عند الأسوياء، وأكدت تشنيعه الشرائع وخاتمتها شريعة الإسلام.

وقد تواترت الأدلة من الكتاب والسنة على تحريمه وتوعدت فاعله بأنواع النكال الأليم، فمن ذلك قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ} [النحل: 105] وقال تعالى: {… إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28].

وروى البخاري في صحيحه عن عبد اللّه بن عمرو رضي اللّه عنهما أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها: إذا ائتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر»

وروى البخاري في صحيحه عن عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: عليكم بالصّدق، فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وما يزال الرّجل يصدق ويتحرّى الصّدق حتّى يكتب عند اللّه صدّيقا. وإيّاكم والكذب، فإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وما يزال الرّجل يكذب ويتحرّى الكذب حتّى يكتب عند اللّه كذّابا».

قال الماوردي رحمه الله: والكذب جماع كل شر، وأصل كل ذمٍّ؛ لسوء عاقبته، وخبث نتائجه؛ لأنه ينتج النميمةَ، والنميمةُ تنتج البغضاءَ، والبغضاءُ تؤول إلى العداوة، وليس مع العداوة أمن ولا راحة؛ ولذلك قيل: من قلَّ صدقُه قلَّ صديقُه.

وقال ابن حبان رحمه الله: اللسانُ سبعٌ عقور؛ إن ضبطه صاحبه سلم، وإن خلى عنه عقره، فالعاقل لا يشتغل بالخوض فيما لا يعلم، فيتهم فيما يعلم؛ لأن رأس الذنوب الكذب، وهو يبدي الفضائح، ويكتم المحاسن.

وقيل في ذم الكذَّاب: لا تطلبوا الحوائج من كذاب؛ فإنه يقربها وإن كانت بعيدة، ويبعدها وإن كانت قريبة.

وأنشد أحدهم قائلا:

وما شيء إذا فكرت فيه     بأذهب للمروءة والجمال

من الكذب الذي لا خير      وأبعد بالبهاء من الرجال

والكذب أصله محرم كما سبق؛ إلا أنه ورد في الأدلة ما يباح فيه الكذب في نطاق محدد ضيق، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلِ ، اللاَّتِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ يَقُولُ : لَيْسَ الْكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا.

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلاَّ فِي ثَلاَثٍ : الْحَرْبُ ، وَالإِصْلاَحُ بَيْنَ النَّاسِ ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.

وقد أشار النووي رحمه الله إلى شيء من ذلك حيث قال في شرح هذا الحديث: قال القاضي: لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور، واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو ؟

فقالت طائفة: هو على إطلاقه، وأجازوا ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة؛ وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة، واحتجوا بقول إبراهيم: (بل فعله كبيرهم)، (وإني سقيم)، وقوله: إنها أختي، وقول منادي يوسف: (أيتها العير إنكم لسارقون).

قالوا: ولا خلاف أنه لو قصد الظالم قتل رجل هو عنده مُخْتَفٍ وجب عليه الكذب في أنه لا يعلم أين هو.

وقال آخرون منهم الطبري: لا يجوز الكذب في شيء أصلاً، قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا: المرادُ به التورية، واستعمال المعاريض لا صريح الكذب، مثل أن يَعِدَ زوجته أن يحسن إليها، ويكسوها كذا، وينوي إن قدر الله ذلك؛ وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه.

وإذا سعى في الإصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاماً جميلاً، ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك، وَوَرَّى.

وكذا في الحرب بأن يقول لعدوه مات إمامكم الأعظم، وينوي إمامهم في الأزمان الماضية، أو غدًا يأتينا مدد أي طعام ونحوه، هذا من المعاريض المباحة؛ فكل هذا جائز.

وتأولوا قصة إبراهيم ويوسف وما جاء من هذا على المعاريض والله أعلم.

وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في إظهار الود، والوعد بما لا يلزم، ونحو ذلك.

فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها، أو أخذ ما ليس له أو لها فهو حرام بإجماع المسلمين والله أعلم.

فهذه المواضع هي التي استثناها العلماء في جواز الكذب؛ ولم يُجوّزوا غيرها.

أما الدعوى بأن الكذب يجوز في دعوة العصاة وغيرهم من باب مصلحة الدعوة فذلك تخرص ليس عليه دليل، ولم يرد دليل واحد يبيح استعمال الكذب في القيام بالدعوة، ومن صور ذلك ما يقوم به بعض من قلّ علمه وورعه باختلاق قصص أو منامات للمخاطب ليستميل قلبه إلى ما يدعوه إليه بحجة أن ذلك أقرب طريق لهدايته، وفاعل ذلك ليس خارج عن الوعيد السابق المترتب على الكاذ

-- محمد بن عبد السلام الأنصاري

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*