السبت , 10 ديسمبر 2016

هل الخائن في مأمن..؟

إن مما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الساعة أن يؤتمن الخائن ويخون الأمين ومفهوم النص واضح وصريح لا يحتاج لمزيد من الإيضاح ومن ذلك أن الخائن لأمانته والخائن لوطنه والخائن لولاته والخائن لعمله والخائن لمجتمعه 

يعامل بأنه أمين فيؤتمن على المال ويؤتمن على الوطن ويؤتمن على مقدرات الوطن ويؤتمن على مصالح المجتمع ويؤتمن على إدارة وتشغيل ومراقبة الأداء الوظيفي والأداء التعليمي وغيرها. 

والأمين الذي يشهد الناس والصالحون والعقلاء من ذوي الحجى والرأي بأمانته يخون فيُتهم بأنه خائن وأنه كذاب وأنه لص وأنه يعين على الفساد والظلم والاستبداد ووو. 

واقعنا اليوم وبكل شفافية يضعنا بين خيارين لا ثالث لهما فبعضنا لا شك أنه أمين صادق وفي مخلص يشهد بذلك تاريخه ويشهد بذلك سيرته وجلساؤه ويشهد بذلك حياته العملية وبصماته الصريحة ونتاج عمله وثمرات قراراته فتجد مؤسسته يضرب بها المثل وحديث المجالس ثناء وتمجيدا عطرا ومديحا بلا نهاية لأنه أمين وألزم كل من يعمل معه بالأمانة والصدق والإخلاص والوفاء. 

كما أن البعض الآخر يمثل الخيار الآخر فهو حقيقة خائن وليس أمينا وليس وفيا لوطن ولا ولاة أمر ولا مجتمع، كذاب بكل ما تحمل هذه الكلمة من معاني وعبارات الكذب والغش والتدليس والخداع, ليس مخلصا إلا لجيبه وحساباته الشخصية ومنافعه الذاتية, أما الإخلاص للوطن والوفاء بالعهد والقسم فهو منه براء نعم براء. 

هناك من يولى منصبا هاما ويوصى من قبل القيادة وصناع القرار وصية ثنائية وشخصية ويؤكد عليه بضرورة الصدق والوفاء حتى يقال له إن هذا العمل يا فلان من ذمتنا لذمتك ومفهوم ذلك أنه يتذمم وتتحمل ذمته كل ما يحصل من نقص أو تقصير أو غيره في هذا المرفق ويلي ذلك أن يقف بين يدي صاحب القرار وصانعه ليمسك بكتاب الله تعالى القرآن الكريم هل تعلمون مفهوم القسم بالقرآن الكريم يمسكه بين يديه واضعا يده اليمنى على المصحف مقسما بالله العظيم أن يكون مخلصا لدينه ثم مليكه ثم وطنه, وما أن تمضي عدة أشهر على تربعه على كرسي وظيفته وإدارته وتتوالى عليه وفود المهنئين ثم ووفود المداحين ثم وفود.. حتى ينسى أو يتناسى ذلكم القسم العظيم وينسى عظمة المقسم به جل في علاه, وتبدأ مظاهر الخيانة والتدليس والكذب والمخادعة على محياه, فتجده يصدح بتصريحات متتالية ومؤتمرات متتابعة ولقاءات إعلامية شبه يومية من يسمعها يكاد يقسم بالله العظيم أن هذا الإنسان حقيقة هو معجزة عصره وأسطورة زمانه فهو الرجل المناسب في الموقع المناسب وهو الرجل الذي سوف ينهي دور هيئة الرقابة والتحقيق وهيئة مكافحة الفساد وديوان المراقبة في مؤسسته بل ربما تصور البعض أن مؤسسته سوف تحتل المركز الأول في التصدي للتطرف الفكري والفساد المالي والفساد الإداري وسوف تمنح له ولمؤسسته أعلى الأوسمة بذلك وسوف تتناقل المجالس تصريحاته بالثناء العاطر والمديح العظيم بل والتصفيق الحار. 

بعضا من هؤلاء قبل صدور قرار تعيينه تكاد تقسم بالله العظيم غير حانث على نزاهته وصراحته وشجاعته بالتصدي لأنواع الفساد والمفسدين وتردد قول لله تعالى {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} ويتباشر الناس بتعيينه ويتبادلون التهاني والتبريكات وما أن يكسب ثقة الجميع وإعجابهم حتى تكاد تقسم بالله العظيم أنه شيخ الفساد وصانعه وخزائنه بيده وأنه إمام الكذب وبطل الخيانة والتدليس ومهندس المخادعة والغش. 

فما الذي يمنع من تقديم من يكتشف خائنا لوطنه وهو مسؤول ومؤتمن وخائنا لولاته وكاذبا في قسمه ومخادعا لمجتمعه ومتخذا من منصبه وسيلة للصعود ولملأ الحسابات البنكية ما الذي يمنع أن يقدم للمحاكمة والمساءلة وإن ثبت كذبه وخيانته للأمانة وفساده وفساد إدارته وسرقته للمال بغير حق ولا وجه شرعي يحكم عليه بشرع الله تعالى كتاب الله وسنة رسوله فنحن نفاخر بالحكم بالكتاب والسنة ونفاخر بنزاهة قضاءنا ومحاكمنا وليس فينا أحد يحمل حصانة عن تطبيق شرع الله تعالى كائنا من كان فليست هذه ملتنا بل هي ملة من سبقنا من الملل الكافرة والظالمة كانوا إذا سرق فيه الضعيف أقاموا عليه الحد وإذا سرق فيهم القوي تركوه كما بين ذالكم النبي صلى الله عليه وسلم. 

لو قمنا بهذا الإجراء لوجدنا أن غالب مسؤولينا وكبار موظفينا وصغارهم أمناء صادقين أوفياء مخلصين إما ديانة وخوفا من الله وإما خوفا من المساءلة والحكم الشرعي والفضيحة والسجن ولوجدنا أننا ننافس كبريات الدول المتقدمة بالأداء والتعليم والعمل والصناعة وغيرها ولوجدنا أن لا مكان للفساد المالي أو الإداري أو الفكري في مجتمعنا ومؤسساتنا وبالتالي لأصبحنا من المجتمعات المثالية يشار إلينا بالبنان ولوفرنا على أنفسنا ميزايات بعض مؤسساتنا المعنية بالقضاء على الفساد وملاحقة المفسدين فقط نحتاج التلويح بالمحاكمة الشرعية ويمكن أن يكون ذلك مصاحبا للقسم عند التعيين فيفهم أن خيانته تعني محاكمته ومساءلته. 

فهل نحاكم الخونة والمقصرين والمضللين والمفسدين وصناع الفساد وحماته -حتى ولو كانوا قلة- هذه أمنية كل مخلص وصادق وأمين؟ 

والله من وراء القصد. 

dr.ibrahim_almutlaq@hotmail.com 

—————

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د. إبراهيم بن عبدالله المطلق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*