الجمعة , 9 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ثورات العرب.. صراع الشركاء

ثورات العرب.. صراع الشركاء

دخلت الثورات العربية في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن أطوارا جديدة بعد أن تخلصت من طغيان الأنظمة القديمة، بينما ارتفعت وتيرة الدم المسفوح بأرض الشام بعد أن قرر حاكم دمشق أن يذهب في الخيار الأمني إلى نهايته، وهو يحارب “المؤامرة الكونية” ضد نظام “الممانعة”.

ففي مصر بدا أن شركاء الثورة يذهبون مبكرا إلى الصراع على السلطة حتى قبل أن يمكنوا ثورتهم من الوقوف بثبات على بر مصر، فانقسمت البلاد بين رئيس وخلفه حلفاء إسلاميون، وبين معارضة تتعنت دفاعا عن العلمانية وما تسميه “حقوق الأقليات والمرأة”.

ذهب شركاء الثورة في عامها الثاني إلى التمكين وبناء المؤسسات الديمقراطية، لكن البلاد انقسمت في الشوارع، وبلغت الخلافات حد العنف، فهوجمت المقرات الحزبية، وتضارب الناس في الأزقة، وقالت الأحزاب الحاكمة إن خصومها في المعارضة تتحالف مع أعداء الثورة وأتباع النظام السابق حتى بدا أن بلادا عمرها سبعة آلاف عام تدخل في الفوضى، في حين تترهل مؤسسات الدولة على وقع الخصام السياسي والتدهور الاقتصادي واستمرار الانفلات الأمني.

زعيم إخواني

انتخاب محمد مرسي الزعيم الإخواني البارز كان ملمحا بارزا في تاريخ البلاد، وحتى في تاريخ الإقليم، وأثبت الرئيس الإسلامي بعد معركة انتخابية قاسية أنه جدير بتولي قيادة الدولة الأبرز في الاقليم الشرق أوسطي، فهدأ مخاوف الغرب، وأبعد الجيش عن الحياة السياسية، كما زار دولا إقليمية وقدم مبادرات عدة لحل مشاكل عالقة في المنطقة، وأثبت قدرة على القيادة في عدوان إسرائيل على غزة.

لكن أسهمه تراجعت في إدارة الصراع الداخلي، فبدا أمينا لحزبيته القديمة، وفق ما يقول خصومه، ولهذا أشهر متظاهرو المعارضة صراخهم أمام قصره بأنه رئيس لجماعة الإخوان لا رئيسا للأمة، وحين كسر المتظاهرون سياج قصره، سالت الدماء في الشوارع، وتخلى الحرس الجمهوري عن بوابات القصر الرئاسي.

كانت معركة إقرار الدستور أصعب ما يواجهه رئيس حديث العهد بالكرسي، فقد ذهب الناس إلى الاستفتاء منقسمين، واعتبر مرسي نسبة 64% نصرا، لكن المعارضة جددت تعهدها بإسقاط الدستور، بل ونادى بعض أوساطها بإسقاط الرئيس نفسه.

وفي خطاب ما بعد إقرار الدستور، بعث مرسي رسائل طمأنة إلى شعبه بأن مصر قوية، بينما ترددت أقوال الخصوم بأن الاقتصاد منهار، إذ استمر تدهور الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي حتى وصل إلى قرابة 15 مليار دولار فقط بنهاية العام.

كما انخفضت قيمة (العملة الوطنية) الجنيه لأدنى مستوياتها في ثماني سنوات أمام الدولار. واستمر الارتفاع في عجز الموازنة ليقترب من حدود المائتي مليار جنيه مع نهاية العام المالي الحالي، وتعرض قرض صندوق النقد الدولي المقدر بقيمة 4.8 مليارات دولار للتأجيل.

منطق السلاح

وفي ليبيا المجاورة، تبدو الفوضى أكثر وضوحا، فالثورة أزالت أغرب طاغية في تاريخ البشرية، لكن السلاح بقي في أيدي الثوار، وظلت الدولة غائبة، فكل أرض مظللة بالسلاح تحكمها المليشيات، ولا سيطرة للحكومة حتى على المؤسسات الرسمية.

وعادت الدعوة إلى الفدرالية في ليبيا تهز السلم الاجتماعي وتهدد وجود الدولة من الأساس، فقد حدثت مواجهات بين أنصار الفدرالية ومعارضيها، وشهد الإعلام الليبي والصالونات السياسية جدلا واسعا بين تأييد ورفض للفكرة.

في هذه الأثناء كانت لجنة إعداد قانون الانتخابات تضع لمساتها الأخيرة على القانون، لكنه  خرج مليئا بالعيوب القانونية والأخطاء اللغوية، وأدى إلى ردة فعل واسعة، كان أهمها الهجوم على مقر المجلس الوطني الانتقالي في بنغازي، ومحاصرة رئيسه مصطفى عبد الجليل، ليفرج عنه بعد تدخل من ثوار بنغازي الإسلاميين.

أجريت الانتخابات على وقع التوتر، فقد رفضت مناطق إجراءها، ومع ذلك أفرزت البلاد ممثليها وصار لدى الليبيين ممثلون منتخبون انتخابا حرا لأول مرة منذ عشرات السنين، ومع ذلك استمر تنافس الشركاء، سواء في اختيار رئيس المجلس الوطني أو اختيار رئيس الحكومة، وما ميز تشكيل هذه الأخيرة أن المليشيات المسلحة اقتحمت مقر المجلس وأبطلت بقوة السلاح جميع الترتيبات السياسية.

وفي خضم الصراع السياسي، استمر القتال في مناطقة بني وليد، بدعوى إسكات مؤيدين للطاغية، ولكن تحت غطاء الجيش دخل ثوار مصراتة إلى بني وليد المنافسة تاريخيا لها، مما زاد من حساسيات التنافس الاجتماعي والجروح التي ينبغي أن يتعايش معها الليبيون.

وفي حين تسلمت ليبيا أخيرا عبد الله السنوسي قائد مخابرات القذافي من موريتانيا، فإن الحكومة المركزية فشلت في تسلم سيف القذافي من ثوار الزنتان لبدء محاكمته في طرابلس، وبينما تتهيأ البلاد للعام الجديد أصدر المؤتمر الوطني قانونا جعل بموجبه جنوب ليبيا منطقة عسكرية.

كما صدر قبل ذلك قرار من المحكمة العليا فاجأ الجميع بإلغاء كل الإحالات التي قام بها مكتب المدعي العام لشخصيات بارزة في النظام السابق.

تجاذبات تونس

وفي تونس، التي شهدت أولى ثورات الربيع العربي، تميز عامها المنصرم باستمرار التجاذبات السياسية بين الترويكا الحاكمة والمعارضة، كما برزت تجاذبات أيديولوجية بين الإسلاميين واليسار، حتى أن الخلاف مس شركاء الحكم أنفسهم.

فلم ينجح المجلس التأسيسي في الانتهاء من صياغة الدستور بعد سنة من انتخابه، بينما تصاعدت المخاوف من خطر العنف السياسي الذي بدأ شبحه يطل بين الحين والآخر. كما شهدت البلاد أكبر موجة من الإضرابات والاعتصامات في تاريخها.

وبلغت الأزمة ذروتها في أكتوبر/تشرين الأول، عندما نادت أطراف ببدء توافق جديد نظرا لانتهاء شرعية المجلس التأسيسي، لكن القوى المسيطرة على المجلس التأسيسي رفضت ذلك بدعوى أن المجلس سيد نفسه، ولا يمكن لمرسوم صدر في مرحلة توافقية أن يحل مجلسا شرعيا منتخبا.

ولعل من أبرز أزمات البلاد ما ظهر في صلب الترويكا الحاكمة نفسها، عندما دعا الرئيس المنصف المرزوقي إلى حكومة كفاءات تتولى إدارة شؤون البلاد حتى إجراء الانتخابات القادمة بعيدا عن المحاصصة الحزبية،  فردت حركة النهضة -أبرز أحزاب الترويكا- بأن إعادة النظر في التشكيلة الحاكمة أمر ممكن، وهو لا يستثني حتى منصب رئيس الجمهورية نفسه، مما يعني رفضا للمقترح وتهديدا ضمنيا للرئيس نفسه.

نصف معتم

أما في اليمن، فقد كان حكم القوى الدولية والإقليمية أكبر من أن يصلحه العطار، فقد أخذت ثورة اليمنيين إلى مذبح توازنات القوى، فسحب الرئيس المخلوع من سدة الرئاسة، لكن القوة ظلت في يد أبنائه وأتباعه، ولتعيش البلاد أشبه بحالة غيبوبة، فنصفها معتم ونصفها مضيء.

يشكو الرئيس الجديد من تدخلات المخلوع، فيصدر عبد ربه منصور هادي قرارا بشأن هيكلة الجيش وإلغاء قوات الحرس الجمهوري والفرقة الأولى-مدرع أملا في إنهاء الانقسام في البلاد، لكن مشكلات اليمن لا يحلها قرار واحد، خصوصا أن الجنوب ذاهب إلى الانفصال، والحوثيون يتحالفون مع المخلوع، والثوار لا حول لهم ولا قوة بعد أن أفرغت ساحات الحرية والتغيير بالمبادرة الخليجية.

فما يزال علي عبد الله صالح يمسك من وراء ستار بمقاليد السلطة عبر حزبه المؤتمر الشعبي العام، وبعض المؤسسات الأمنية التي عهد بها إلى ابنه وبعض أفراد أسرته والمقربين منه.

ويهدد منصور هادي بفتح ملفات العهد السابق وإلغاء الحصانة الممنوحة لصالح، أما الثوار فينظرون إلى أمل مستقبلي خصوصا أن البلاد ذاهبة إلى الحوار الوطني مطلع العام الجديد.

ثورة سوريا

لم يدفع أحد ثمن حريته كما دفع السوريون، فقد سالت دماؤهم منذ اليوم الأول لخروج المظاهرات السلمية، أما بعد سنتين، فما يزال الوزير الروسي سيرغي لافروف يتصرف في المحافل الدولية بوصفه الناطق الرسمي باسم الرئيس المحاصر في دمشق بشار الأسد.

حتى خبز السوريين أصبح مضمخا بدمائهم، فهناك لا أرض آمنة، فما تمسه الطائرات والمدافع يصبح هدفا مشروعا كنوع من العقاب الجماعي ضد شعب احتضن مقاتلي الحرية، بينما يصر النظام “الممانع” على أسطوانته ذاتها من “المؤامرة الكونية”.

وقد لا يبدو في الأفق بادرة حل سياسي، على الأقل في المدى المنظور، لكن مع ذلك يصر الثوار على مواصلة القتال لتحرير المدن التي يسيطر على الجيش النظامي مع أن رؤوسهم مكشوفة، بلا غطاء جوي، وبلا مساعدة من أحد، بينما هم يرددون “يا الله.. ما لنا غيرك.. يا الله”.

——————–

المصدر:موقع الجزيرة نت 

-- حسين جلعاد

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*