السبت , 10 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » لا تقسيم للعراق من دون حرب.. ولا تعايش بعد الحرب

لا تقسيم للعراق من دون حرب.. ولا تعايش بعد الحرب

ما يجري حاليا في العراق لم يكن تعبيرا عن تعاطف مع وزير المالية رافع العيساوي، بقدر ما هو نتيجة احتقان عميق، تفجر بشكل غير متوقع لدى معظم السياسيين، الذين كانوا يترقبون سقوط بشار الأسد، لتوفير ظروف انطلاق لأحداث العراق. ويرى فريق من الناس أن سياسيي العرب السنة أخطأوا في توقيت تفجير الموقف ضد الحكومة المركزية، حيث كان عليهم الانتظار لحين نجاح الثورة السورية، لتأمين مصادر دعم وتأييد لتحركهم، فيما يرى فريق آخر أن رئيس الوزراء نوري المالكي هو من اختار وقت تفجير الموقف، تفاديا لخوض الصراع في ظروف تتوافر فيها قدرة دعم قوي لخصومه. وأيا كان المبادر بالتفجير، فإن الموقف أصبح مفتوحا أمام احتمالات «مدمرة»، إن لم يجر الجنوح إلى العقل، أو إذا ما غابت نيات التعايش المشترك.

القاعدة التي لا بد من إدراكها هي أنه «لا تقسيم من دون حرب، ولا تعايش بعد الحرب»، إلى عشرات السنين، لأن التداخل السكني، وعمق الأهداف، وتعدد الخصوم الذين سيتحولون إلى حالة العداء المطلق، والمصالح الإقليمية والدولية، والعوامل العرقية والدينية، ستجعل التفاهم السلمي وفقا لأي تجربة أخرى في العالم مستحيلا، وسيدفع العراقيون ثمنا مروعا لخلافاتهم، وسترمي المصالح الإقليمية والدولية بثقل غير معتاد منذ الحرب الفيتنامية، وستكون حربا سنية – شيعية، وحربا عربية سنية – كردية.. أي إن عرب سنة العراق سيقاتلون على جبهتين، حتى لو كانوا الأقل مالا والأضعف تسليحا.

إذا ما نشبت الحرب، فللشيعة خياران، هما: القتال من أجل فرض السيطرة الكاملة على كل العراق ورفض تقسيمه، أو القبول بالتقسيم بخط حدود يرسمونه، ويمتد إلى منطقة معينة شمال بغداد وغربها.. وإطلاق العنان للمخططات الكردية التي تستهدف السيطرة على أراض ومدن خارج المناطق المختلطة تقع ضمن حدود العرب السنة. 

ويبدو الخيار الأول مستبعدا، لأنه مكلف جدا، وربما يستحيل تحقيقه، حتى لو استخدمت كل الوسائل والقدرات، ولا يوجد ما يدعهم يتمسكون به، في ضوء المعتقدات والمواقف المتبادلة، وسيؤدي الخيار الثاني إلى الصدام.

أما سنة عرب العراق، فأمامهم خياران، هما: محاولة تعديل العملية السياسية بما يضمن العدل والإنصاف والمساواة، وقد لاحت في الأفق فرص تحقق نسبة كبيرة منه.. أو العمل على تطبيق النظام الفيدرالي ضمن مناطق نفوذهم، وهو ما طالبت به حتى قبل سقوط النظام السابق، ووصفت الفكرة وقتئذ بأنها مشروع إسرائيلي وغيره من التوصيفات. وأرى عقلانية في الخيار الأول، لأن الثاني محفوف بمخاطر وتعقيدات قد تقود إلى الصدام. ويبقى للكرد موضوع منفصل لا صلة له بالتفاهم بين عرب العراق.

مثلما قيل إن «الوقت الذي يقضى في الاستطلاع لا يذهب سدى»، لأنه يوفر معلومات مهمة في معادلات الصراع، فإن الوقت الذي يصرف لتفادي الحرب لا يذهب سدى، ولو لتزكية النفوس على الأقل.. ففي فترة حرب «البسوس» التي ذكر أنها امتدت لنحو أربعين عاما، لم تكن هناك استخبارات ومدن كبيرة وبنى تحتية وأسلحة دمار ووسائل فتك، أما الآن، فحرب «بسوس» حديثة تعني دمارا هائلا في كل شيء. 

وتمتلك الحكومة المركزية كل الموارد المالية، ومعظم تشكيلات الجيش والقوات المركزية للشرطة تتبعها، مقابل تخلي المناطق العربية غرب بغداد وشمالها عن الأسلحة المهمة.

وبعد انسحاب القوات الأميركية أصبحت قدرة إيران على الحركة خارج نطاق السيطرة تماما، وإذا ما حدث صراع طائفي – أو لنقل بين سلطة شيعية والعرب السنة – فسيؤدي إلى تدخل إيراني مفتوح لمصلحة السلطة، في كل المجالات التي يفرضها الموقف. 

وسيقابل التدخل الإيراني بتدخل عربي وتركي كبير على المستويين المالي والتسليحي، إلا أنه لا يضمن للعرب السنة تحقيق هدف مضاف لما يمكنهم تحقيقه بالوسائل السلمية، عدا تكبيد الشيعة خسائر بشرية فادحة جدا. وبما أن السنة يشعرون بالظلم، فإنهم على ما يبدو مستعدون لتقبل مفهوم الخسائر الفادحة المتقابلة.

وبما أن سياسة الردع والقوة لا تجدي نفعا وليست مبررة، ولكون الشعور الوطني العام بين الشيعة والسنة لا يزال قويا، فعلى السياسيين من الطرفين القبول بحوار جدي وصادق وفوري، بعد أن أدرك الجميع أن سياسة فرض الأمر الواقع مستحيلة أمام إرادة الشعوب، التي لم يعد كبتها ممكنا ولا مقبولا.

————-

نقلاً عن الشرق الأوسط 

-- وفيق السامرائي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*