الأربعاء , 7 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » ليبيا ومليشياتها المضادة للمؤسسة العسكرية

ليبيا ومليشياتها المضادة للمؤسسة العسكرية

بينما تحاول الولايات المتحدة جاهدة فهم الهجوم على بعثتها الدبلوماسية ببنغازي في سبتمبر/أيلول الماضي، والذي أسفر عن مقتل أربعة أميركيين بينهم السفير كريستوفر ستيفنز، لم تهتم ليبيا حتى بفتح تحقيق رسمي, ولن تفعل هذا أبداً في الأرجح.

إن قادة البلاد يواجهون تحديات لا تعد ولا تحصى -من الحركة الفدرالية الصريحة في الشرق والتي تهدف إلى اغتصاب سلطة الحكومة، إلى موجة من الاغتيالات التي تستهدف مسؤولين أمنيين- الأمر الذي يترك لهم القليل من الموارد التي يمكن تخصيصها لقضية لا تفرض تهديداً مباشراً على موقفهم في الداخل.

رغم فشل المجلس الوطني الانتقالي في إرساء الأساس لدولة ليبية حديثة، فمن السابق للأوان كثيراً أن نصدر الأحكام على القيادة المنتخبة التي تولت السلطة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي

وهم يركزون بدلاً من ذلك على إعادة بناء الدولة التي دمرها الزعيم السابق معمر القذافي، كما يتصارعون مع الحاجة إلى إنشاء مؤسسات إدارة فعّالة وتعزيز استقلال القضاء.

سيكون الاختبار الحقيقي إحراز التقدم على الصعيد الأمني. والواقع أن هجوم بنغازي، وغياب أي استجابة ليبية جديرة بالثقة، أظهر أن البلاد لا تحكمها سيادة القانون ولا يسمح لها موقفها بفرضها. ويتعين على الحكومة الجديدة أن تغير هذا الموقف عبر تفكيك المليشيات ودمج أعضائها في قوات أمن ليبية رسمية.

فبادئ ذي بدء، يتعين على الحكومة أن تتوقف عن تدليل المليشيات، وأن تركز على بناء الجيش الوطني، وهو الأمر الذي أهمله المجلس الوطني الانتقالي.

لا شك أن إقناع المليشيات بنقل ولائها إلى الدولة لن يكون بالمهمة السهلة، خاصة في ضوء الروابط القوية -والأيدولوجية غالباً- التي تربط المقاتلين بوحداتهم. ولكنها خطوة بالغة الأهمية نحو ترسيخ النظام وتعزيز شرعية الحكومة المنتخبة حديثا.

فالكتائب في شرق ليبيا، أو إقليم برقة على سبيل المثال، تضرب بجذور عميقة في أيدولوجية إسلامية تقليدية، فقد تم تنظيم المقاتلين في المنطقة في وحدات قوية، مثل لواء شهداء 17 فبراير/شباط الذي يشكل قوة ضخمة متحالفة مع الحكومة والذي استؤجر لحماية بعثة الولايات المتحدة في بنغازي، وقوات درع ليبيا التي تشكل تحالفاً منتشراً على نطاق واسع من المليشيات التي ساعدت بعثة الولايات المتحدة عشية الهجوم.

وعلى النقيض من ذلك، تميل المليشيات في غرب ليبيا أو طرابلس، إلى النشوء في كل مدينة على حِدة، حيث تتمركز أكثر الألوية قوة في مصراتة والزنتان. وتريد هذه المجموعات الانضمام إلى الأجهزة الأمنية ووحداتها، بدلاً من العمل كمقاتلين فرادى، من أجل الحفاظ على روابطها المجتمعية، وبالتالي منع اندماجها بالكامل في جيش وطني.

من جانبها، تعاملت الحكومة مع مسألة إنشاء قوات مسلحة وطنية باعتبارها قضية لاحقة، فأثناء الثورة، سرب زعماء المجلس الوطني الانتقالي الموارد والتمويل إلى الألوية الإسلامية التي تتقاسم معها أيدولوجية مشتركة، بدلاً من تمويل الجيش الوطني الليبي الوليد. وبعدما قام مقاتلون إسلاميون بقتل القائد العام للقوات المسلحة المتمردة عبد الفتاح يونس في يوليو/تموز 2011، تم تهميش المؤسسة العسكرية.

والواقع أن المجلس الوطني الانتقالي تطوع بتيسير عملية زوال المؤسسة العسكرية، فعندما اندلعت الاشتباكات القَبَلية بلدة الكُفرة الصحراوية النائية في العام الماضي، أرسل المجلس قوات درع ليبيا وليس وحدات من الجيش الوطني الليبي، لقمع الاضطرابات.

وعلاوة على ذلك، تتلقى المؤسسة العسكرية تمويلاً غير كاف، حيث يضطر الضباط إلى استخدام أموالهم الخاصة لشراء الوقود للمركبات العسكرية. ومن ناحية أخرى، تقدم حكومات الخليج الثرية التمويل بشكل مباشر للمليشيات، الأمر الذي يسمح لها بشراء مركبات جديدة ومعدات اتصال متطورة.

ويشكو الليبيون من أن الحكومة الجديدة واصلت سياسة المجلس الوطني الانتقالي في تفضيل الألوية الثورية على الأجهزة الأمنية المؤسسية. وبعد هجمة 11 سبتمبر/أيلول 2012 في بنغازي، نزل الليبيون المحبطون إلى الشوارع هاتفين بشعارات مناهضة للمليشيات. وبعد عشرة أيام، اجتاح المتظاهرون قاعدة أنصار الشريعة -المليشيا الإسلامية المشتبه في كونها العقل المدبر وراء الهجمة- كجزء من حملة من الغارات ضد مجمعات المليشيات في مختلف أنحاء المدينة.

وبعد بداية المظاهرات ببضع ساعات فقط، أرسلت السلطات الحكومية رسالة نصية جماعية حثت المتظاهرين على العودة إلى بيوتهم، مشيرة إلى أن “سرايا راف الله السحاتي، وكتيبة شهداء 17 فبراير، وقوات درع ليبيا قانونية، وخاضعة لسلطة الأركان العامة للجيش”. وفي وقت لاحق أكّد الرئيس محمد يوسف المقريف هذا الرأي.

ورداً على ذلك، انتقد عضو سابق في المجلس الوطني الانتقالي “إهدار الحكومة الفرصة للتخلص من كل المليشيات”، مؤكداً أن الجماعات المسؤولة مدعومة من قطر، وأن الحكومة لا تريد التدخل في أجندتها.

وتمتد هذه الرعاية إلى المؤسسة العسكرية ذاتها. ويُقال إن رئيس الأركان يوسف المنقوش يفضل مليشيات برقة على الوحدات العسكرية تحت قيادته، في حين يشكو مسؤولون حكوميون من الافتقار إلى سلسلة قيادة فعّالة. 

على سبيل المثال، في يونيو/حزيران الماضي هاجم وزير الدفاع أسامة الجويلي المجلس الوطني الانتقالي بسبب تقاعسه عن التشاور مع المسؤولين المناسبين في قراراته، مشيراً إلى أن دوره تقلص إلى “التوقيع على خطط رئيس الأركان”.

وفي ظل التمويل الأجنبي الوفير والمعاملة التفضيلية من جانب الحكومة، لم يعد لدى المليشيات أي حافز لتفكيك نفسها، وهي تخشى -فضلاً عن ذلك- تسليم السيطرة على كتائبها لقادة عسكريين تزعم أنهم دعموا القذافي، أو على الأقل تقاعسوا في معارضته.

ورغم كثرة التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة في ليبيا، فإن تفكيك المليشيات لا بد أن يكون على رأس أولوياتها، وإلا فإن التطلعات التي حركت الثورة المضادة للقذافي -القضاء على الفساد، وجلب الاستقرار والرخاء للجميع- لن تتحقق أبدا.

المصدر:الجزيرة نت

-- باراك بارفي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*