الأحد , 11 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » "تويتر".. وسيلة جديدة لأفكار وسلوكيات قديمة

"تويتر".. وسيلة جديدة لأفكار وسلوكيات قديمة

في ظل وسائل التواصل الاجتماعي انتقلت معنا كل عيوبنا وسماتنا الثقافية، ما يحدث في “تويتر” مثلا يمكن أن يعد أكبر كاشف للعيوب الثقافية كالتشدد والانغلاق والاستبداد بالرأي

أجلس مع أحد رؤساء التحرير العريقين في السعودية وأستمع منه إلى قصص قديمة عن الأصداء التي كانوا يواجهونها حينما ينشرون موضوعا صحفيا هنا أو هناك، كانت الصحافة الجريئة هي تلك التي تتعرض لبعض أوجه القصور في بعض الخدمات العامة بنوع من الصراحة والنقد والمطالبة، ومع أنها كانت قضايا خدمية وعامة إلا أنها تحظى بردود فعل واسعة، وقد يتعرض رؤساء التحرير أو الصحفيون لبعض التقريع أحيانا.

مع بداية ظهور القنوات الفضائية كان برنامج الاتجاه المعاكس مثلا على قناة الجزيرة حديث الناس، كانوا يكررون بعض الجمل التي يتبادلها الضيوف وبعض الردود الغاضبة، وكان مستوى الدهشة عاليا حين الاستماع إلى شيء من ذلك مما يستدعي تعليقات من قبيل: يا له من برنامج جريء. كانت الجرأة مدهشة وجاذبة جدا.

لكن الواقع الآن تغير تماما، فلم تعد الجرأة إلا بضاعة مزجاة في سوق الإعلام، وبات من يوجهون لها النقد أكثر ممن يحتفون بها، لقد فقدت الجرأة بريقها بمختلف مستوياتها سواء على مستوى رفع الصوت أو على مستوى نوعية التناول، لأن المنابر الإعلامية كانت محدودة ومحصورة في الصحافة وفي التلفزيون، وبالطبع فالعاملون في تلك المنابر مهما اتسع عددهم يمثلون نخبة إعلامية، لا تعكس إلا جانبا من المجتمع، ذلك المجتمع الذي كان مجرد متلق لما تنتجه تلك الوسائل وتلك المنابر الإعلامية. وبالتالي كان مجرد متأثر بما يتلقى دون أدنى مشاركة له فيما تنتجه تلك الوسائل. التحول الكبير حدث حين خرج الشارع من حالة الاستقبال والتلقي إلى حالة الإرسال، فلم يعد الشارع في خانة الاستقبال بل بات مرسلا ومستقبِلا أيضا.

عمليات الإرسال في الإعلام التقليدي كانت تتم بحثا عن التأثير والتوجيه، ومهما تفرعت الأهداف والرسائل فهي في النهاية تجتمع تحت هذين الهدفين، والتأثيرات الثقافية الناجمة عن محدودية ونخبوية وسائل الإعلام ومنابره كانت هي التي تنتج واقعا ثقافيا يقوم على النوع الواحد والفكر الواحد واللون الواحد، أيضا كان يقسم المجتمع إلى الشريحة الكبرى وهي شريحة المستمعين والشريحة الصغرى وهي الذين يقومون بعملية الإرسال.

رغم التغييرات اليسيرة التي جاءت مع بداية ظهور الإنترنت سواء في المنتديات أو في المواقع الإلكترونية إلا أن التغيير الأكبر هو الذي تقوده مواقع التواصل الاجتماعي، لقد كان الهدف من ظهورها والعامل الأبرز وراء نجاحها وانتشارها وتأثيرها أنها منحت لكل فرد قيمة ودورا في عملية الإرسال، وبالتالي في عملية التأثير والمشاركة والتفاعل.

هذا التحول الكبير أدى إلى تغير في وظائف التعبير، وفي قيمتها، فلم يعد الناس ينتظرون من سيقوم بالتعليق على الأحداث التي تمر بهم، فقد أصبحوا هم من يمتلكون القدرة على القيام بذلك، والأحداث التي شهدتها البلدان العربية على مدى العامين الماضيين كانت أكبر دليل على ذلك.

الذي حدث أيضا أن ذوي المنابر الإعلامية التقليدية من كتاب وإعلاميين ورؤساء ومثقفين ورجال دين وزعماء سياسيين، اتجهوا فورا نحو هذه المنابر الجديدة، وأضحت بالنسبة لهم المكان الأمثل لقياس التفاعل والتواصل والاستماع. إذن فالجميع بات مستمعا والجميع بات متحدثا أيضا. وحتى الذين ظلوا لسنوات في موقع الحديث تحولوا إلى مستمعين، هم الآن مستمعون لمن يتحدث إليهم.

لكن الواقع الذي يجب الاعتراف به هو أن كل هذه الثورة كانت على مستوى الوسائل والأدوات ولم تكن على مستوى الأفكار والقيم، وبالتالي انتقلت معنا كل عيوبنا وسماتنا الثقافية، لنعيد إنتاجها إنما عبر وسائل جديدة، ما يحدث في “تويتر” مثلا يمكن أن يعد أكبر كاشف للعيوب الثقافية كالتشدد والمحافظة المنغلقة والاستبداد بالرأي ورفض التنوع وغيرها من العلل الثقافية القائمة لدينا، إذ تمت إعادة إنتاجها من جديد.

تحول الجميع في ظل هذه الوسائل إلى نقاد وأصحاب رأي، وهذا أمر جيد للغاية، على مستوى تعزيز قيمة الفعالية الفردية، لكنها مشاركة ما زالت مشوبة بمختلف العلل الثقافية، انظر إلى النقد في “تويتر” لتجد أنك أمام حالة تغلب عليها السطحية والاندفاع، وانظر إلى التفاعل بين من يختلفون في الآراء لتجد أنك بالفعل أمام وسائل جديدة تحمل أفكارا وسلوكا قديما.

—————-

نقلاً عن الوطن أونلاين 

-- يحيى الأمير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*