الخميس , 8 ديسمبر 2016
الرئيسية » الركن الإعلامي » متابعات وتحليلات » «تطريف» المجتمع يميناً ويساراً!!!

«تطريف» المجتمع يميناً ويساراً!!!

جب أن ندرك أن التطرف في اليمين وفي اليسار هو مرفوض في مجتمعنا العربي السعودي المسلم.. وتشير الإحصائيات إلى أن نسبة التطرف في العادة لأي مجتمع لا تتعدى خمسة في المائة، منها اثنان ونصف في المائة في أقصى اليمين واثنان ونصف في المائة في أقصى اليسار.. ويمثل التطرف اليميني قوة 

تحاول أن تسحب المجتمع إليها، بينما يسعى التطرف اليساري إلى دفع المجتمع إليه في الوقت نفسه.. ومع وجود هاتين القوتين اللتين تعملان ضد بعضهما البعض يصبح دورهما لاغياً وتأثيرهما محدوداً على الأغلبية الساحقة في المجتمع.. 

عندما نستعرض أو نسترجع أحوال المجتمعات في العالم سنجد أن تطرف اليمين موجود وتطرف اليسار موجود وبينهما الأغلبية الساحقة التي تحافظ على القيم الأساسية في المجتمع والتي توارثتها الأجيال جيلاً بعد جيل، وتبقى حالات التطرف في كل المجتمعات حالات استثنائية تناقض بعضها البعض، وتعمل من دون أن تدري على تحييد التأثير المتوقع من التطرف على عموم المجتمع ومؤسسات الدولة. ولو حدث في أي مجتمع أن كان هناك فقط تطرف أحادي من اليمين فقط أو اليسار فقط فلربما يصبح لهذا التطرف تأثيره المباشر على المجتمع ككل. 

وبناءً على هذه المعطيات يصبح التطرف من الاتجاهين اليمين واليسار هو مطلب لتحقيق استقرار المجتمعات في أغلب الأحوال. وهذا ما نقرأه في ملامح المجتمع في بلادنا، فهناك من يتطرف يميناً وهناك من يتطرف يساراً، والمشكلة أن لا أحد من فئتي التطرف يدري أنه متطرف في آرائه واتجاهاته ومواقفه، ويرى أنه الأصوب والأكثر دراية بمصلحة المجتمع.. ولا يعلم الاثنان أنهما في أقصى حالات التطرف التي ترفضها الأغلبية الساحقة في المجتمع.. أو ربما يعرفون ولكن القناعات الذاتية للشريحتين تدفع بهما إلى الرغبة الجامحة في التغيير والبحث عن التغيير.. 

ومفهوم اليسار واليمين قد لا يتطابق في كل المجتمعات، ولكن في الغالب أن اليسار يبحث عن إحلال ثقافة واليمين يسعى إلى استعادة ثقافة، بينما تتشبث الأغلبية بإبقاء الثقافة الحالية السائدة، ولهذا تتصارع الهوامش المتطرفة في المجتمع من أجل إحداث تغيير في الثقافة العامة للمجتمع. والتغيير في الثقافة يعني التغيير في كل شيء، حيث يتبعها التغيير في المفاهيم والاتجاهات والسلوكيات والأنماط، ثم يتبعها التغيير في الهياكل والمؤسسات المجتمعية.. ولهذا فالرهان دائماً هو البحث عن قوة الجذب التي يمكن أن تستميل الأغلبية نحوها.. 

ولكل من اليسار واليمين جدلياته وفكره ومنطقه في بناء تصور التغيير في المجتمع، وفي أغلب أحوال المجتمعات البشرية فإن مبادئ العقيدة والدين والقيم الروحية هي المحرك الأساسي لجدليات اليمين، وتتأسس على دعوات متطرفة من القيم القائمة في المجتمع ومن الموروث الديني في المجتمع. وفي المقابل فإن جدليات اليسار هي العقل والمنطق والتفكير الحر والتنوير وغير ذلك من المصطلحات والتي تصب في دعم فكر التغيير نحو إحلال ثقافة عامة أو ثقافة جزئية أو استبدال قيمة معينة أو تغيير مسار ثقافي اجتماعي معين.. ولهذا تتضارب الجدليات وتتبارى الأفكار وتتنازع الفئات بين من يريد أن يعود بالمجتمع إلى الوراء وبين من يريد أن يقفز بالمجتمع إلى الأمام.. وكل يحاول أن يسحب الأغلبية الساحقة إليه يميناً ويساراً.. 

إن الضمان الأقوى في بقاء واستقرار المجتمعات هو في الأغلبية الساحقة من أبناء وبنات المجتمعات فهم الضمانة التي تقوض هوامش التطرف وتبني قواعد الاستقرار المجتمعي، ولهذا فإن هذه الأغلبية حتى لو كان يطلق عليها صامتة أحياناً كثيرة ولكنها ستتحدث عندما يصل التطرف إلى مرحلة تهدد بقاء واستقرار المجتمع، وعندها تخنع الأصوات المتطرفة وتصبح واهنة في فكرها وجدلياتها.. فما تعمله الأغلبية الصامتة عادة عندما تظهر ملامح التطرف من اليمين واليسار هو أنها تراقب وتراقب وتراقب إلى أن يتجاوز التطرف حدود المقبول، لأنه سيصبح عالة على المجتمع ومصدراً للقلق الاجتماعي وعندها تتحرك الأغلبية لتلفظ التطرف وترفض الخيارات المتطرفة من اليمين ومن اليسار دون تردد.. 

إن التطرف آفة تحاول أن تقوض أركان واستقرار المجتمعات وهناك قوى داخلية تعيش وتترعرع على التطرف، وتجد فيه غذاءها الذي تسترزق منه وماءها الذي تشرب منه وهواءها الذي تستنشقه في كل لحظة. وهذا التطرف يصبح مع الوقت حرفة يمتهنها قادة وأتباع التطرف ويصبح لغتهم وخطابهم وفكرهم وسلوكهم، ولكن يظل التطرف هامشاً صغيراً في جسد الأمة رغم ارتباطاته في بعض الأحيان بقوى خارجية وبسياقات دولية ضمن حراكات سياسية معلبة يتم تصديرها أو استيرادها من مكان في خارطة التأثير الإقليمي والدولي.. إن محاولات “تطريف” (من التطرف) المجتمع هي حركة استنبات أو استزراع في أرض غير صالحة لفكر متطرف وهي بهذا تسعى إما إلى عولمة ثقافة كما يتجه اليسار أو إلغاء ثقافة كما يتجه اليمين. 

alkarni@ksu.edu.sa 

رئيس الجمعية السعودية للإعلام والاتصال – المشرف على كرسي صحيفة الجزيرة للصحافة الدولية – أستاذ الإعلام بجامعة الملك سعود 

———————-

نقلاً عن صحيفة الجزيرة السعودية

-- د.علي بن شويل القرني

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*